|
"سقوط الصقر الأسود" أو black hawk down اسم فيلم شارك فيه وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد أبطاله في حفل الافتتاح بواشنطن، وكان يحوطه عشرات من الرجال والنساء في أزيائهم العسكرية، كما حضره "ديك تشيني" نائب الرئيس الأمريكي، بل و"أوليفر نورث" الذي ارتبط اسمه بحادثة إيران جيت.
وفى تصريحاته لصحيفة الواشنطن بوست الأمريكية قال بول ولفاويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي: "إنه فيلم قوي، وأعتقده مناسباً لهذا التوقيت؛ فهو يذكر الشعب بكل ما حدث آنذاك".
فهل هو تمهيد لضربة أمريكية محتملة في الصومال في إطار ما تطلق عليه واشنطن "الحرب ضد الإرهاب"؟ أم هي محاولة لتقييم معلن لخطأ فادح استعدادا للقيام بتجربة جديدة تتمنى واشنطن أن تكلل بالنجاح؟ وهل تمضي الأمور في سلسة أم هل تتكرر مأساة 1993؟
هذه وغيرها أسئلة تتردد لدى نقاد السينما العالمية، وهم يتابعون "سقوط الصقر الأسود" أحدث مستخرجات هوليوود في صناعة الأفلام المنادية بالبطولة الأمريكية. فهو فيلم، ولكن هذه المرة تأتى بطولة عرجاء حاول صناع الفيلم أن يكسبوها طعما ولونا ورائحة كي يصبح الفشل انتصارا، ويصبح الغزو عملا إنسانيا، ويصبح الانهيار هو البطولة الحقيقية.
ومن بين الأسباب التي تثير هذه التساؤلات أيضا كون هذا الفيلم جاء نتاجا لتعاون وثيق بين صناع الفيلم ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) التي ذللت كافة الصعاب حتى يخرج الفيلم إلى حيز التنفيذ، وليحمل عنوانا معبرا عن الأزمة التي تعرضت لها القوات الأمريكية في الصومال؛ فمع سقوط طائرات الـ"بلاك هوك" الأمريكية سقطت كل الشعارات الزائفة التي كانت تزعم وجود مهمة إنسانية في الصومال، ولكنها أخطأت الهدف ومُنيت بكارثة.
مُخرج.. منتج وظرف خاص
أخرج الفيلم "ريدلي سكوت" مُخرج فيلم "المصارع" (أيضا من الأفلام الضخمة التي تحدثت عن بطولة الغربي النبيل)، أنتجه "جيري براكهايمر" الذي أنتج من قبل فيلم "بيرل هاربور" (وكان هو الآخر يقدم تبريرا وتمجيدا لحادث إسقاط القنبلة الذرية الأمريكية على مدينة هيروشيما اليابانية في الحرب العالمية الثانية) عن كتاب ألفه مارك باودين بنفس العنوان.
ويأتي هذا الفيلم في ظروف عالمية شديدة الخصوصية ربما هي التي جعلت شركة "سوني" -القائمة على تسويق وتوزيع الفيلم- بتبكير موعد عرضه ليكون 18 يناير بدلا من أول مارس القادم؛ حيث برر المراقبون هذا الإجراء بأنه استفادة من هذه الأوضاع، ومعروف بالطبع أنها تداعيات 11 سبتمبر والحرب الأمريكية المزعومة ضد الإرهاب والنوايا التي أعلنت لضرب بلدان مثل الصومال واليمن بعد أفغانستان بحثا عن الإرهابيين.
أما الصقر الأسود فهو إشارة إلى طراز المروحيات الأمريكية (بلاك هوك) التي استخدمتها واشنطن خلال عملياتها هناك، وفقدت منها طائرتين خلال واحدة من أكثر عملياتها العسكرية فشلا، وكان مسرح الأحداث عندئذ في قلب العاصمة الصومالية مقديشو.
ويروي الفيلم قصة وحدة من صفوة قوة الكوماندوز الأمريكية كانت قد تمت محاصرتها في عام 1993 في معركة بالأسلحة النارية في مقديشيو، حيث أخطأت المهمة هدفها بعد أن كانت ترمي -حسب المعلن- إلى تخفيف حدة المجاعة في أرض مزقتها الحرب، وكان خطأ بلغ حد الكارثة؛ حيث أسفرت عن مقتل 18 جنديا أمريكيا -فضلا عن الكثيرين من الصوماليين- لتحفر بذلك ذكرى أليمة في الذاكرة الأمريكية التي نسيت كل مجازرها خلال ما تسميه بعملياتها الإنسانية، وتذكرت جموع الأفارقة وهم يسحبون في مشاعر بهجة وانتصار أجسادا مقطعة الأوصال من الجنود الأمريكية فوق تراب شوارع المدينة.
فخلال ما يزيد عن نصف مدة الفيلم التي تبلغ ساعتين ونصفا يصور الفيلم الكثير من المعارك الدموية، وكان المخرج سكوت -كما هو دائما وكما فعل في فيلم المصارع- ماهرا في جعل المشاهدين يشعرون بأنهم حاضرون بالفعل في المشاهد التي يتم تصويرها على الشاشة، كما كانت هناك خبرة باكهايمر في إنتاج أفلام الحركة شديدة الشبه بالحقيقة.
البنتاجون يراه لم يسقط
ساهمت إستراتيجية التسويق لهذا الفيلم -الذي تكلف 90 مليون دولار- في تأكيد الروابط الوثيقة بين القائمين عليه ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) والتي وافقت على النص، وقدمت أكثر من 100 من قواتها لاستخدامهم كقوات إضافية، بل إنها قامت بتأجير الطائرات المروحية التي هي محور أحداث الفيلم.
أما "توم شيريك" وهو شريك في شركة "ريفوليوشن ستوديوز" التي قامت بإنتاج الفيلم، فقد صرح بأن تأثير فيلم "سقوط الصقر الأسود" تغير بصورة جذرية بعد أحداث 11 سبتمبر: "إنه يتحدث عن أشياء إيجابية، وسيجد المشاهدون فيه ما يريدون، ولو قدر أن عرض هذا الفيلم قبل 11 سبتمبر فلربما وصل الناس إلى نتيجة، مفادها أن الحرب هي الجحيم ذاته، ولا ينبغي علينا دخولها، لكننا تعلمنا أن علينا أن يكون لنا صلة بالأحداث، فإن لم نفعل نحن ذلك، فمن عساه أن يفعل؟".
ويبدو الفيلم كفرصة للجيش الأمريكي لتسجيل مزيد من الانتصارات –وإن لم تكن كذلك- فيقول "مارك باودين" مؤلف كتاب "سقوط الصقر الأسود" الذي استند الفيلم إليه: "لقد واجه الرأي العام الأمريكي التباسا حول الإخفاق السياسي الذريع الذي حدث في صيف عام 1993، وكان ينبغي إيضاحه". واصفا تلك الحادثة العسكرية بأنها كانت ناجحة كعملية، أما صور "سحل" جثث الجنود الأمريكيين المبتورة الأوصال فوق تراب الشوارع فهناك من يعتقد أنها حجبت حقيقة أن المهمة ذاتها كانت ناجحة، فقد خاضت مجموعة صغيرة من الجنود الأمريكيين معركة ضد أعداد غفيرة من الصوماليين، وقد أعلن الأمريكيون أنهم قتلوا في تلك العملية نحو 700 من بين 1000 من المهاجمين في معركة ضارية استمرت 15 ساعات، ونجحت في تحقيق أهدافها بأَسْر اثنين من كبار قادة المقاتلين الصوماليين، وعلى الرغم من أن 18 جنديا أمريكيا لقوا حتفهم، فإن معظمهم قاتلوا قدر طاقتهم، وقد اكتشف العديد منهم أنه "أسيء فهمهم" حسبما ذكر باودين في إيجاز صحفي مع الضباط الأمريكيين.
ويعتبر بعض النقاد أن الفيلم يحمل رسالة مهمة؛ حيث يتم تذكير المشاهدين الذين يتأذون من مشاهد الدم في الفيلم بأن المعارك لا تمضي بصورة سلسة، ويرون أن الاختلاف الرئيسي بين الصومال وأفغانستان يرتبط بمستوى الالتزام؛ فبالنسبة لأفغانستان حدد الرئيس الأمريكي "جورج دبليو بوش" هدفا واضحا هو تدمير منظمة القاعدة، ومعاقبة أي حكومة تؤوي الإرهابيين، مع ضمان الدعم الكامل من جانب الرأي العام لهذا الهدف باعتباره ينصب في إطار المصالح الحيوية الأمريكية، ولم يكن هناك تقتير في حجم القوات المسلحة ولا أحلام وردية حول تجنب الخسائر البشرية المحتملة.
لكن الهدف كان هو الغارة على الصومال؛ فكان متهورا، وكان عدد القوات أقل مما ينبغي، كما أن هذه القوات لم تتمسك بالأهداف الإنسانية التي تمت تهيئة الرأي العام لتوقعها. ومن ثم فعندما قتل الجنود الأمريكيون كانت النتيجة مأساوية حتى أن الصوماليين الذين أعلنت أمريكا أنها كانت تحاول مساعدتهم رأوا الأمريكيين على أنهم غزاة.
صدمة الجالية الصومالية
بعد عرض الفيلم جماهيريا بالولايات المتحدة أعلنت أفراد الجالية الصومالية هناك عن دعوتهم لمقاطعته؛ حيث يرون أنه فيلم مفزع يشوه صورة الصوماليين في عيونهم، وربما يؤدي ذلك إلى رد فعل عكسي عنيف ضد الجالية الصومالية برمتها، وقد أعلنت جماعة من هذه الجالية أنها تلقت بالفعل تهديدات بالقتل بعد الدعوة إلى مقاطعة الفيلم.
وقد صرح بعض أفراد الجالية الصومالية في الولايات المتحدة، مثل عمر جمال (المدير التنفيذي لمركز الدفاع عن العدالة الصومالية في مدينة سانت بول بولاية مينيسوتا الأمريكية)، الذي يرى أن الفيلم صور الصوماليين على أنهم وحوش همجيون متعطشون للدماء مجردون من المشاعر الإنسانية، ويعارضون أمريكا؛ ولذلك فإنه يعرِّض أفراد الجالية الصومالية بالولايات المتحدة لوابل من جرائم الكراهية.
وقال عمر جمال: "إن الفيلم يزعم أن مئات من الصوماليين قُتلوا، لكن الحقيقة أنها كانت مجزرة تمت لأكثر من 5000 آلاف شخص، لكن الفيلم لم يُشر أدنى إشارة إلى هؤلاء، كما لو كانوا ماشية، في هذا الفيلم كانت حياة الأمريكي فقط هي المهمة"، وقال: "إن الجالية صدمت، وشعرت بالخوف الحقيقي من عواقب هذا الفيلم الذي يمثل انتكاسة نفسية كبيرة أمام ما نبذله من جهود".
بماذا علقوا في مقديشيو؟؟
يأتي بدء عرض الفيلم في مقديشيو في الوقت الذي تتركز فيها النوايا الأمريكية مجددا على تلك الدولة الفقيرة؛ فبعد أحداث 11 سبتمبر أضاف الرئيس الأمريكي جورج بوش جماعة "الاتحاد الإسلامي" الصومالية إلى قائمة المنظمات الإرهابية التي تردد أن لها صلة بشبكة القاعدة التي يرأسها أسامة بن لادن، وإن كان الكثيرون في مقديشيو يؤكدون أن جماعة الاتحاد لم يعد لها وجود كمنظمة شبه عسكرية.
وقد أبدى "عثمان علي عوطو" -أحد زعماء الحرب في الصومال المعروفين، وكان رجاله قد قاتلوا الأمريكيين- استياءه الشديد مما قد يكون مصنفا على أنه أحدث نموذج للإمبريالية الثقافية، لدرجة أنه هدد بمقاضاة صناع هذا الفيلم.
ويرى المشاهدون الصوماليون أن الفيلم فشل في تصوير الأحداث على نحو دقيق أو تقديم جانب من وجهة النظر الصومالية، وقد أشار أحد الصحفيين في الصومال، -وكان قد حضر عرض نسخة مهربة من الفيلم بدار سينما متواضعة رديئة الصوت والصورة في مقديشيو- إلى تزاحم مئات الصوماليين، وقلة من النساء على دور العرض في أنحاء مقديشيو لمشاهدة الفيلم حيث يدفعون ما قيمته 5 سنتات لمشاهدة نسخ سيئة من الطبعة المهربة.
يقول "محمد علي عابدي" الذي كان يقيم في منطقة "بار أوبا" -وهي ملتقى طرق في مقديشيو وقعت عنده أحداث الفيلم-: "إن الفيلم لم يتضمن ولو كلمة واحدة من اللغة الصومالية، ولا قطعة من الموسيقى الصومالية ولا أي شيء من الثقافة المحلية بالصومال"، هذا وقد صورت معظم مشاهد الفيلم في المغرب.
أما في دور العرض الأمريكية فقد تصدر الفيلم قائمة أعلى الإيرادات؛ حيث حقق 33,6 مليونًا خلال عرضه في أول عطلة أسبوعية له، وقد أصبح الفيلم الأكثر شهرة في الولايات المتحدة؛ حيث تمكن من زحزحة فيلم "سيد الخواتم" من على عرش إيرادات عطلة نهاية الأسبوع.
|