|
| إحدى بروفات المسرحية التي غاب عنها البعد الجمالي
|
جاء توقيت عرض مسرحية "لن تسقط القدس" للمخرج فهمي الخولي ومن تأليف الكاتب شريف الشوباشي على مسرح الجمهورية ملائما للحالة السياسية التي تمر بها القضية الفلسطينية وما يحيط بها عربيًّا.
فالمسرحية تستند إلى التاريخ لتسقط لحظة سقوط المدينة تاريخيًّا في يد الصليبيين وحالة التمزق التي شهدتها الدولة العربية بين الخلافة الفاطمية في مصر، والخلافة العباسية وما تفرع عنها من دويلات مستقلة فعلا وتابعة اسما للخلافة في بغداد وهزيمتهما أمام الحملة الصليبية وتماثلها مع الحالة العربية الراهنة.
تتداخل عناصر العمل المسرحي نصا وأغنية وديكورا وإضاءة ومؤثرات صوتية لإنارة اللحظة التاريخية بدرجات متفاوتة من القدرة على الأداء الفني للفنانين المشاركين وجمالية التشكيل الحركي وتوظيف هذه العناصر في تقديم النسيج المسرحي للنص المكون من فصل السقوط والاستسلام وفصل ثانٍ يصور حالة التخاذل العربي بعد السقوط، ومحاولات المتنورين المهمومين بالوطن شحْذ الهمم لمواجهة الأعداء.
مواجهة الهزيمة بالهروب
يمهد المشهد الافتتاحي عبر أغنية تؤديها المطربة "عفاف راضي" تتضمن نبرة حزن عالية موحية بهزيمة وشيكة لتصور الحالة التي يعيشها أهالي القدس، وقد أتعبهم ثقل الحصار والانتظار للجيوش الفاطمية التي لا تصل، فيتجهون للهرب من واقعهم إلى المبالغة بالغيبيات وبقدرات الأعداء، وينقسمون على أنفسهم بين داعٍ إلى الصمود، وداعٍ إلى الرحيل متوقعًا الهزيمة والذبح على أيدي الأعداء.
يتماثل موقفهم مع موقف قادة الحامية الفاطمية، ولكنها تنقل الحوار إلى المستوى السياسي الذي يظهر حالة الانقسامات الحادة بين صفوف القادة الفاطميين وتخوفهم من بعضهم أكثر من تخوفهم من الأعداء الذين يقفون على أبواب المدينة المقدسة.
يصل الفصل إلى ذروته في مشهد الوداع بين بطل المسرحية نور الشريف الذي يقوم بدور "افتخار الدولة" قائد الحامية، وهو يحاول إقناع حبيبته المقدسية هند (لقاء سويدان) بالرحيل معه، إثر إعلانه موافقته على الاستسلام المذل لرسولي الملك الصليبي بعد أن تأكد من عدم وصول النجدة من مصر ليخوض غمار أول هزيمة له، لكنها ترفض مرافقته رغم عشقها الشديد له، وتفضل البقاء في المكان الذي احتضنها وتعلقت به.
التصعيد عبر الأغاني لا الشخصيات
تقوم المطربة "عفاف راضي" بدور الرَّاوِية في المسرحية تمهيدا لانتقال المشهد المسرحي وتقود الأغنية إلى تلخيص الحالة النفسية والمشهد المسرحي الذي يليها ضمن سياق بكائي يعبر عن تراجيدية اللحظة الدرامية المفقودة في نمو شخصيات العرض المسرحي.
فالمواقف تتصاعد بشكل أساسي من خلال 15 أغنية لا يتجاوز توقيت كل منها دقيقتين تؤديها المغنية الراوية، بعكس اللوحات المتتابعة تمثيلا، حيث فقد الحوار الداخلي والمحكي بين الشخصيات النمو المؤدي إلى الذروة.
إلا إذا استثنينا المجهودات الخاصة بالممثلين التي حاول البعض منهم أن يبذلها بشكل فردي مستندين إلى قدرتهم الفردية، مثل بطل المسرحية نور الشريف، وذلك نظرا لتجاوز ثغرات نمو الشخصية غير المتحققة في العمل.
ينتقل الفصل الثاني بنا مع أهالي القدس إلى عاصمة البلاد الشامية دمشق وبعدها إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية طلبا للعون والمناصرة، حيث يفتتح الفصل الثاني بمشهد لجوء أهالي فلسطين وأهالي المدن السورية المحتلة إلى قاضي قضاة مدينة دمشق أبو سعد الهروي -دور ثانٍ يؤديه نور الشريف أيضا- يستنجدون به لينصرهم برأيه السديد، وهو الذي اشتهر بمساندته لقضايا الأمة، والتمسك بحق فقرائها، وقول الحق دون خوف من السلطة والسلاطين.
فيقودهم إلى بغداد سعيا وراء مناصرة الخليفة العباسي ولي أمر المسلمين المدعو شرعيا لإعلاء راية الجهاد ضد مغتصبي الوطن ليدعوه إلى تجييش الجيوش للقيام بالواجب الوطني الذي تمليه عليه مسؤولياته عن الأمة، تاركا وراءه امرأته وشقيقته إلى جانب ابنه المريض واقفا على حافة الموت في دمشق.
ثم تفشل مساعيهم في الوصول إلى خليفتهم أمام الأسوار التي أقامتها حاشيته وحرسه المستفيدون من عزله وراء الأسوار بعيدا عن أبناء الرعية، إضافة إلى أن الخليفة يجد في ذلك تحقيقا لامتيازاته ومصالحه المالية، وإلقاء لوم الرعية على معاونيه الذين يستطيع عزلهم إذا دعت الحاجة لذلك لامتصاص غضب الرعية.
من لحظة الإسقاط إلى الحاضر
ولكن القاضي يلجأ إلى الحيلة فيفطر علنا في شهر رمضان الذي تزامن ودخولهم العاصمة العباسية، وهو ما يفرض مثوله أمام الخليفة لمعاقبته على فعلته الشنيعة.
يكشف المؤلف خلال المشهد -عبر الحوار شكلا- نية التمسك بالدين، حيث يولي القائمون على الحكم الاهتمام بالأمور الصغيرة مثل محاسبة القاضي بسبب إفطاره، في الوقت الذي لا يكترث فيه أحد لضياع بلاد بأسرها بما فيها أولى القبلتين رغم أن الدفاع عنها وحمايتها هو من جوهر العقيدة الدينية.
ويفضح المؤلف أيضا خليفتي المشرق والمغرب، ومن حولهما من رجال الحرس والحاشية لاهتمامهم بمصالحهم على حساب الوطن والمواطنين؛ وذلك عن طريق حوار بين الخليفة العباسي (حمادة عبد الحليم)، ووزيره (يوسف إسماعيل) أمام أهالي القدس، إذ يتبين أن الخليفة لا يبالي بسقوط المدينة، ولا ذبْح أهلها بقدر اهتمامه باستمراره على رأس السلطة، وضمان امتلاء خزائنه بأموال الضرائب والتجارة، وما يحصل عليه وحاشيته من رشوة.
يدفع ذلك القاضي وأهالي القدس إلى اليأس من مخاطبة أولي الأمر، فيتجهون إلى الجمهور في لحظة خروج من لحظة الإسقاط التاريخي إلى الحاضر مطالبين المشاهدين بتحمل مسؤولياتهم تجاه الوطن، وأن يتعلموا من الماضي ليتجنبوا ما آلت إليه الأمور في الزمن المعاصر، ضمن إطار من إدانة التخلي عن القضية، وتمزق الصف العربي تحت وطأة المصالح.
خشبة مسرح بلا جماليات
رغم أن الإسقاط التاريخي الذي استخدمه الشوباشي في موضوع القدس عنواناً للمسرحية واستلهاما للتاريخ في تقديم وطن له قداسة المدينة نفسها ـ موضوع مكرر في المسرح العربي، وإن كان أكثر اشتهارا في استخدام شخصية القائد صلاح الدين الأيوبي، فإنه لم يصل إلى مستواه الجمالي المتوقع على خشبة المسرح.
وذلك لعدم وضوح الخطة الجمالية البصرية والتشكيلية لدى المخرج الذي قام هو نفسه بتصميم الديكور، فقد لجأ المخرج إلى بناء نموذج خشبي ضخم ومرتفع لقبة الصخرة ابتلع المساحة الأساسية لخشبة المسرح وأخل بالعلاقة بين الكتلة والفراغ، أحد أسس الجماليات البصرية في العرض المسرحي.
وهو ما شوه من حركة المجاميع وتكوين التشكيلات المختلفة لهم على خشبة المسرح، حيث فرض حركة وحيدة وهي حركة الفنانين بين سطح القبة كمستوى ثانٍ للمسرح ومقدمة المسرح لصعود وهبوط سلالم خشبية متحركة تسببت في إرهاق الممثلين، وتنميط حركتهم، وإتعاب أعين المشاهدين بهذه الطريقة التشكيلة التي تنقصها سلاسة الحركة، وجمالية اللغة البصرية.
وجاء استخدام قبة الصخرة بمعزل عن تكوينها الكلي في مشاهد مختلفة تحولت فيها إلى قبة لغرفة نوم "افتخار الدولة" ومتراسا يحتمي به أهالي القدس أثناء هربهم من الصليبيين، وصولا إلى استخدامها بما تعنيه من رمزية وطنية ودينية كعرش للخليفة العباسي الذي يطأ قمتها بقدميه في المشهد الختامي للمسرحية الذي كان سيئا إلى أبعد حد من الناحية الجمالية في علاقة الفراغ والمكان بتركيز النهاية في أعلى ذروة بالفراغ المسرحي بعيدا عن استهجان مثل هذا الموقف على صعيد كونها رمزا وطنيا ودينيا.
وكذلك أدت صعوبة تحريك القبة في تلك المشاهد إلى إبقاء عمال الديكور على خشبة المسرح لفترة طويلة، وهو ما تسبب في كسر استمرارية حالة التواصل بين المشاهد والعرض المسرحي، ولم يقل إيذاء حركة السلالم بين خفضها ورفعها وتقييدها حركة الممثلين فوقها عن الإيذاء الذي تسبب فيه تحريك القبة.
كما أن إدخال أقراص خشبية كبيرة يحملها عمال يقفون على خشبة المسرح دون ضرورة درامية ودون أن تؤثر في مسار العمل المسرح وجمالياته زاد من ترهل الجمالية البصرية.
وأفقد وجود مجموعة من الكومبارس الذين يرتدون ملابس سوداء حديثة حاملين بها كشافات كهربائية يحركون إضاءتها عشوائيا دون ضرورة درامية في عدة مشاهد رغم القصدية التي أرادها المخرج في الإشارة إلى إضاءة جوانب الماضي للاستفادة منها في الحاضر فلم يكن لهذه الحركة معنى، وعملت على تدمير جمالية المشهد بمعنى لغته البصرية، وأفقدته قيمته الفنية بفقدان الانسجام بين حركتين لا تقاطع بينهما.
ورغم هذه الملاحظات فإن الفنانين كانوا يحاولون دائما أن يتجاوزوا هذه الثغرات الإخراجية، وقد استطاع الفنان نور الشريف أن يعدل في حركته ومن يشاركه من الممثلين في عدة مشاهد منها مشهد وداعه لزوجته "منال زكي" وشقيقته "عبير مكاوي" في الفصل الثاني، وفي مشاهد أخرى جمعته مع حبيبته، ومع قادة فصائل حاميته في الفصل الأول.
|