English

 

الأحد. مارس. 17, 2002

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الملك لير.. المجانين يقودون العميان

أحمد زين

يحيي الفخراني.. بطل العرض
يحيي الفخراني.. بطل العرض
رغم أني أدرك تمامًا أن العمل مؤلف منذ زمن.. وفي بيئة غير بيئتنا وفي ظرف غير ظرفنا.. فإنني لم أستطع أن أمنع نفسي من أن أربط ما يدور على خشبة المسرح القومي بمصر بما يدور على المسرح العربي!!

فهذا الملك الذي لم يظهر كملك أبدا، لكنه ظهر كأب.. طال عمره.. وأغراه طول مدة حكمه بأنه يسيطر تماما على كل الأمور.. ويستطيع إدارتها بأسهل طريقة دون عناء.. بينما الواقع من حوله يثبت أن الأمر يحتاج إلى أكثر من ذلك.

ظل السؤال المُلِح على ذهني: هل الملك هنا هو السلطة والأنظمة المتغابية.. التي يغريها النفاق ويخدعها البقاء.. ويصبح "البقاء" في حد ذاته المسوغ الوحيد لللامنطقية والعبثية في إطلاق الأحكام والتصرف كيف يشاء؟

إلى عين الصراع

يدخل بنا العمل فورا إلى عين الصراع وذروته؛ فالملك العجوز يفكر في قسمة مملكته الكبيرة بين بناته الثلاث: الكبرى والوسطى المتباريتين في النفاق والخداع، والصغرى التي تضع الأمور في نصابها، وتعبر عن حبها لوالدها بالكلمات البسيطة التي تدور بين بنت وأبيها.. لا بين واحدة من الحاشية والملك، وهو ما لجأت إليه الأخريان؛ فجاءت كلماتهما زيفا خالصا وبريقا دون معدن..

وهو ما لا يعجب الملك العجوز الذي يعشق هذا الجو الفاسد، الذي يترجى ابنته الصغيرة أن "تقول" كلاما جيدا حتى "تأخذ" نصيبا من التركة.. لكنها لا تجد ما يسعفها؛ لأن مشاعرها أكبر من حصرها بكلام..

ويثور الملك ويغضب على الصغيرة الرقيقة، ويقسم تركته على الآخرين، ويتنازل عن كل شيء مقابل الاحتفاظ بمائة فارس من حاشيته، على أن يقضي وقته مستجمًّا متنقلا بين ملك هذه وتلك.. طاردًا من رحمته ابنته الصغرى وحبة فؤاده "سابقًا".. مُزيحًا في ثورته العارمة أوفى خلصائه "طبيبه الخاص"، الذي يتساءل: "متى كان الحب يوزن بالكلمات الرنانة" فينفيه الملك بعد تحذيره من الوقوف في وجه الإعصار.

ويظل الصراع محتدمًا في العمل، مشتبكًا مع صراعات تبدو جانبية، إلا أن قمم الصراع تتلاقى بعد حين في (أدموند) ابن الأمير (سيجفريد)، وهو -كما يعرف نفسه- ابن حرام.. الذي يحقد على أخيه الشرعي (إدجار) ويكيد له، حتى ينجح في أن يؤلب عليه أبيه فيطرده مشردًا هائمًا على وجهه كمجنون.. ثم لا يلبث ابن الحرام أن يجد أباه حجر عثرة أمامه، خاصة بعد انحياز الأب إلى الملك لير، بعد أن طردته بناته، وأساءت معاملته؛ فلا ينثني عن أن يشي به ليقتلع زوج ابنة الملك عينيه في وحشية.

معسكرات متحركة

ويتصاعد الصراع لتتمايز معسكرات الطيبين والأشرار في العمل مع غوص أعمق في هذه النفوس التي اتخذت مكانها في هذه المعسكرات؛ ذلك الغوص الذي نلمسه سراً من أسرار بقاء شكسبير.. فالملك لير الغافل الذي يدفع ثمن خطئه في حق ابنته هوانًا وطردًا وتشريدًا لينضم إلى "سيجفريد" الذي أعماه زوج الابنة الوسطى جزاء إحسانه للملك (!!!).. كما ينضم إليه ابنه الشرعي (إدجار) المتخفي في ثياب المجانين، والطبيب الذي يعود متخفيا حتى لا يعرفه لير الغاضب عليه؛ فيرفض أن يضمه لرفقته.. بالإضافة إلى (البهلول) الناقد اللاذع الوحيد الذي يستطيع أن يوجه الملك بقسوة وحِدّة؛ لأنه قسم ملكه بين بناته سفها وغرورا.. والذي يتساءل عمن "يضع عقله في قدميْه وكيف يأمن عليه من الكاللو (التورم)؟

وفي النهاية زوج الابنة الكبرى الذي تزكمه رائحة العقوق، وهنا نرقب ميزة كبيرة في النص، وهي أن هذه المعسكرات لم تكن ثابتة لا تتغير، وإنما أضفى عليها النص مساحة من التفاعل والحركة ومراجعة المواقف؛ مما يجعل أفراد كلا المعسكرين ليس ملاكا خالصا ولا شيطانا خالصا، وإنما يمكن للشرير أن يصيب ويمكن للخير أن يذنب، بل إن النص لم يجعل الشر قدرا حتميا على الشرير، وإنما جعل له أسبابه ومقدماته المنطقية؛ فأكثر الشريرين سوءا (أدموند) يناجي نفسه بأن نظرة المجتمع له ولأمثاله من الأبناء غير الشرعيين وتفضيل أبيه لأخيه الشرعي كانا السبب الرئيسي في شرِّه المفرط.

بينما يزخر معسكر الأشرار بالأنماط المتباينة؛ فالابنة الكبرى (وجه الذئبة) –كما يسميها أبوها- قاسية فظة.. والابنة الوسطى ماكرة رقطاء.. تلقي القنابل في وجه أبيها وهي تربت على كتفيه بحنان، وتطرده وهي تمنحه نظرتها الدافئة!!

وزوجها الذي لا يتردد في الاستمتاع باقتلاع عيني خصومه.. وبالطبع (أدموند) الذي يفتأ يقسم بشرف أمه، ويرى أولاد الحرام أفضل كثيرًا من أولاد الحلال الذين جاءوا نتاج اللقاءات الشرعية في الفرش المملة الرتيبة.. والذي لا ينسى أن يدعو (اللهم انصر أولاد الحرام)، ثم (أوزوالد) الخادم المطيع للجميع.. القصير الذي لا يستعمل السيف، وإنما سلاحه الخنجر الذي مثّل مع حركة كفيه البارعتين في دلك بعضهما البعض بطريقة لزجة مقززة في إعطاء دلالات واضحة للخسة والنذالة.

نص باق وقراءات متعددة

هذا الجو العائلي الممتلئ بالحديث عن العقوق والبر وعلاقات الآباء بالأبناء لم يستطع أن يقودني إلى المستوى الأقرب من فهم النص، وهو الحديث عن أزمة أسرية طاحنة، ولا حتى وصل بي إلى مستوى آخر هو النفس البشرية وتقلباتها، وما يمكن أن تصل إليه من دونية إذا ما قادتها رغباتها بلا حدود، أو استجابت للنزق والطيش بلا وعي.

فالطريق الوحيد لتفاعلي مع العمل كان ربطه بسلطاتنا المغرورة الواثقة، التي لا تجيد قراءة الواقع ولا حتى تستمع لقراءة الغير له، وتعدد مستويات فهم النص وتفاعله هو بلا شك من أهم شهادات تميزه وبقائه؛ فليس لعمل شكسبير هنا معنى محدود ضيق يرتبط بواقعة أو حدث، لكنه العمل الذي لا يزيده الزمن إلا احتشادا بالدلالات والظلال الجديدة.

وكأن تلخيص المستوى السياسي للنص جاء في عدة جمل في العمل مثل تلك التي جرت على لسان سيجفريد: "إنها آفة العصر: العُمي يسلمون قيادتهم للمجانين"!!. وجملة الطبيب "القذر لا يشم إلا نفسه" في إدانة لعدم القدرة على رؤية الواقع نتيجة الحواس المعطلة بفعل فاعل، ولم أمنع نفسي من مشاركته شعوره الصادق حيال ما نحيا من تردٍ؛ فهو حين تثقل جفونه بالنوم يعلق: "فرصة لأرتاح من رؤية هذا العار...".

كان استخدام الفصحى من بين نقاط القوة في العمل، الذي غاب لفترة عن المسرح المصري، فجاءت اللغة في العمل سهلة رشيقة، وكانت تنويعات العامية بها ثرية مدهشة –في رأيي؛ إذ رأى فيها بعض النقاد نوعا من الإقحام غير الموظف دراميًّا-؛ فكلمات مثل "شوارعي"، "أم قويق"، "تِلِم"، "التخشيبة" جاءت لتجسد العلاقة بين المتلقي ولغة العمل دون إسفاف أو ابتذال، خاصة بجريانها على لسان أبطال معينين كالبهلول وحكيم الملك.

وعن مفردات العمل

بالإضافة إلى تمكّن بعض الممثلين مثل "الفخراني" في دور الملك، و"محمد ناجي" في دور الطبيب، و"سلوى محمد علي" في دور الابنة الوسطى، وكذلك "أحمد سلامة " الذي استطاع أن يضع على دوره بصمة، رغم أنه في ظني دور صغير على الورق، ولا شك أن عنصر الملابس والإكسسوار فاق التوقع من حيث فخامته وملاءمته وإتقانه.

كما أن أداء المخرج في عدد من اللمحات الإخراجية جاء جيدا؛ أهمها -في رأيي- محاولته المستمرة لتحويل قاعة العرض كلها إلى خشبة للمسرح؛ وهو ما يشد انتباه الجمهور ويورطه في العمل سواء في طريقة دخول الممثلين وخروجهم أو ظهور البهلول واختفائه في قلب مقاعد المتفرجين؛ ليلقي كلمات من شعر العامية (للشاعر أحمد فؤاد نجم)، استغلها المخرج كرابط مقصود بين العمل الذي يدور في الماضي والواقع الذي يحياه الجمهور؛ في محاولة لكسر "تاريخية" العمل، والتأكيد على استمرارية القيم التي يحملها وتكرارها في عالمنا المعيش.. وجاءت أقوى هذه المحاولات في مشهد الختام والملك يدخل حاملا صغيرته (كورديليا) التي وقفت بجانبه بعد تنكر الجميع له وهي مقتولة في مشهد جنائزي يضيئه الكومبارس بالشموع الطويلة التي تُحيل المسرح إلى قاعة جنائزية خافتة الضوء.. والملك يلفظ أنفاسه الأخيرة جوار ابنته..

سلبيات والبطل يدفع الثمن

لكن ذلك لا يمنع من أن ثمة نقاط ضعف، خاصة جانب الممثلين؛ فلم يظهر "أشرف عبد الغفور" و"سوسن بدر" بما يليق بتاريخهما، على الرغم من استرسال الفصحى على لسان (أشرف) ببراعة وتدفق مثيرَين للإعجاب، وربما الغبطة أحيانًا..

بالإضافة إلى الأداء "القبيح" للرقصات التعبيرية التي ظهرت في العمل أكثر من مرة، بدلا من أن تحلق بالجمهور في أجواء الرمزية والخيال، كما أن الديكور رغم حرص المخرج على أن يكون تعبيريا فإنه جاء غير متقن في بعض عناصره، ومنها كرسي الملك.

آخر ملاحظاتي السلبية تتعلق بالمبارزات الجيدة التي جرت على الخشبة بإتقان، والتي لم يشوهها إلا إصرار المخرج على تجنب الواقعية؛ فلم نر نقطة دم.. ولا حتى ثيابا تتقطع رغم أن السيف يفترض أنه اخترق القلب(!!).. ورغم أن هذا موقف لبعض المخرجين وهو عدم ظهور الدم على خشبة المسرح فإن ذلك يأتي مرتبطا بعدم ظهور مشاهد العاطفة المادية كذلك، ومع ظهور بعض من النوع الثاني فلا أدري ما السبب في التخلي عن النوع الأول.

حرص نص شكسبير (المؤلف في 1607م)على نهج الدراما الإغريقية؛ فالبطل التراجيدي يدفع ثمن خطئه، والنص تماما فعل ذلك؛ فالملك الظالم لابنته نُفي وعانى التشرد، والابنتان قتلت إحداهما الأخرى، و"إدجار" الطيب الشرعي قتل "أدموند" الشرير ابن الحرام.. وزوج الابنة الوسطى قُتل على يد أحد حراسه، كما تعود على قتل الآخرين بالدسائس والمؤامرات..

إلا أن ما طرق ذهني أثناء وعقب العرض.. هل تحتاج أنظمتنا المهيمنة الواثقة ثقة "لير" إلى دفع الثمن غاليا كما دفع حتى تعرف من يحبها ومن يكرهها؟ أم تحارب النفاق، وتمد اليد لمن يحبونها بصدق وعمق؟

وهل سيظل سيجفريد يسمع وشاية إدموند "ابن الحرام"، ويظلم إدرجار الشرعي ابن الحلال؟

وهل يمكن لـ(لير) أن يمنح على قدر ما في القلب لا اللسان.. وأن يقف في صف الأخيار قبل أن تموت كورديليا؟..

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم