|
| مأساة الحلاج
|
القاهرة- قُدم على خشبتي مسرح الطليعة والهناجر عرضان متميزان برؤيتهما وجديتهما، وهما: مسرحية "الحلاج" للفنان والمخرج أحمد عبدالعزيز، تأليف الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور، ومسرحية "ياسين وبهية" للمخرجة السورية رولا فتال، تأليف الشاعر والمسرحي المصري الراحل نجيب سرور.
والمسرحيتان قدما على خشبة المسرح أكثر من مرة بطرق متعددة، وهما تعودان إلى المسرح المسؤول قبل عملية التخريب والتراجع الذي تعرضت له الحركة المسرحية في مصر، وجاء تقديمهما في ظل ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية بدأت تفرض نفسها وأسئلتها الكثيرة والمتنوعة على الشارع المصري والعربي، خصوصا أن عددا كبيرا من المراقبين للحركة المسرحية قد سجلوا أن الحركة عادت للجدية والإقبال الجماهيري؛ لأنها بدأت تطرح مشاكل الناس الحياتية واليومية، خاصة السياسية، في علاقة الجمهور بالدولة وبالقهر والحياة بشكل جدي، والدعوة إلى التغيير.
وسُجلت بداية عودة الإقبال على المسرح مع عرض "الناس اللي في الثالث" للمخرج محمد عمر، والمؤلف كاتب السيناريو أسامة أنور عكاشة، العام الماضي، وقد استمر عرض المسرحية خلال الامتحانات المدرسية والجامعية بنجاح كامل رغم أن توقيت العرض يخرج عن تقاليد المسرح المصري، حيث يتوقف في فترة الامتحانات.
جذور الماضي ورحيق الحاضر
وقبل التطرق إلى جماليات العرض ومحتوياته.. لا بد من الإشارة إلى أن الرؤية المستقبلية التي جمعت بين المسرحيتين في الهدف هي تناولهما وبحثهما في جماليات التراث للاستفادة منه، والعمل على تجريد أفكاره وتقديمها بما يتلاءم مع الحاضر القائم، ويفسره ويحضّره للانتقال إلى مستقبل أفضل.
فقد تميزت كلتا المسرحيتين بأنهما استندا على التراث المحلي، فمسرحية "الحلاج" اعتمدت على واقعة محاكمة أحد مشايخ الصوفية وهو "حسين بن منصور الحلاج" في العصر العباسي، لتقدم من خلال تيارات الفكر المصاحبة إسقاطا تاريخيا على الواقع الذي نعيش لتجريده والمناداة بتغييره دون ابتذال في الأداء والرؤية.
في حين استندت مسرحية "ياسين وبهية" إلى حادثتين: الأولى تعود إلى إحدى حكايات العشق في الصعيد قبل بضعة قرون، حيث قام الأخ بقتل شقيقه لخلافات بينهما، ولكن ابن القتيل أحب ابنة عمه القاتل، وفيما بعد قُتل الحبيب في حادثة ما زال يلفها الغموض… إضافة إلى حادثة جرت قُبيل منتصف القرن الماضي في فترة الملكية من خلال واقعة قيام أحد الملاك من الباشاوات بالاعتداء على بنات الفلاحين، وكان ذلك يؤدي إلى قيام أهلهن بقتلهن درءًا للعار، وفي إحدى محاولاته اشتعل حريق أودى بمحصول القمح كاملا.
وقد ركز نسيج العرض الذي جمع بين الحكايتين، وأسقط ما فيهما من رمزية تحمل عشق الترابط بين بهية (مصر) وياسين (حركتها الوطنية)، وتُعرّي الظلم الذي وقع عليهما.
وقد تم تغيير الإيقاع الذي أراده المؤلف في حينه لتعرية الإقطاع، ليتم تعميمه وتقديمه بطريقة تعرّي القهر بكل أنواعه ومنابعه التي لا تقف فقط عند حدود الإقطاعيين أو في زمان ما.
الحلاج.. العدالة
عندما كتب عبد الصبور مسرحية "مأساة الحلاج" في منتصف الستينيات كان قد أطلّ على حياة الحلاج المولود في بلدة الطور قرب مدينة البيضاء في بلاد فارس عام 857 ميلادية، وصُلب عام 922، وكان قد تزوج من امرأة واحدة أنجب منها ثلاث أبناء وابنة واحدة، وحج أكثر من مرة، وكان معروفا عنه الصلاح والتقوى إضافة إلى صوفيته واتجاهاته الحلولية.
وكان الحلاج أول من يصدر بحقه حكم بالإعدام بسبب أفكاره، بطريقة شديدة القسوة، فقد أصدر قضاة المذاهب الأربعة حكمهم بصلبه بعد تقطيع أطرافه بقصد طمس أفكاره.
هذه الخلفية الواقعية كانت وراء إبراز الصراع الاجتماعي الدائر في الخلافة العباسية بين الشرائح الاجتماعية المختلفة في الخط الدرامي للمسرحية، حيث تبرز عدة خطوط فكرية تستند إلى مرجعية دينية تؤكد خلالها مصداقيتها، يوضحها الخط الدرامي للمسرحية بلقاء بين شيخي الصوفية: أبو بكر الشبلي (طارق إسماعيل) والحلاج (محمود مسعود) لاستعراض مفهومين للصوفية: الديني الذي يبتعد عن الدنيوي ويعزل نفسه تقربا لله -كما عبّر عنه الشبلي- والاجتماعي الداعي إلى رفع الظلم، وإطلاق الحريات، وسد الحاجات الاقتصادية والمعيشية -كما عبّر عنه الحلاج- وكل منهما يستند إلى مرجعيته الدينية.
ويمهّد هذا اللقاء لمشهد آخر يُبرز مخاطر فكر الحلاج عندما يقوم أحد تلامذته بتحذيره من نية حاشية الخليفة المقتدر بالله الاعتداء عليه واعتقاله تمهيدا لقتله إذا لم يتوقف عن نشر أفكاره بين المهمشين والفقراء، لكن ذلك لم يردعه عن استمرار مواجهته لهم حتى قامت الخلافة باعتقاله.
وهو ما يمهّد لبروز تيار فكري ثالث يقوم على تبرير ممارسات السلطة السياسية، استنادا إلى مرجعية دينية مغايرة لاستنادات التيارين السابقين، كما عبّر عنه قضاة المذاهب الأربعة، خاصة كبيرهم (محمد محمود).
وأثناء وجود "الحلاج" في السجن يتعرف على سجين متمرد (كمال سليمان) -يُقتل فيما بعد إثر هروبه من السجن- يعبّر عن تيار فكري رابع يستند أيضا إلى مرجعيته الدينية، فيتجه إلى التمرد بعد أن هزمته وطأة الحياة الظالمة التي فرضها رجال الخليفة.
الإسقاط.. الهرم المنصة
هذه الأفكار وطريقة إسقاطها تاريخيا تأكدت خلال مشهد الاعتقال، حيث يظهر رجال الخليفة بلباس عصري في إشارة إلى انتقال القمع من الماضي إلى الحاضر، ويبدو ذلك جليّا في مشهد المحاكمة، حيث يجلس ثلاثة قضاة على طبقتين من مدرج في حين يجلس في الطبقة الثالثة والأخيرة النموذج العصري لرجل المخابرات بنظارته السوداء.
ومن خلال هذه الشخصية الغنية في التاريخ والتراث العربي بنهايتها التراجيدية وأبعادها الفلسفية والاجتماعية يعكس المخرج صاحب الرؤية والإسقاط التاريخي، المسرحية على الحاضر، باعتبار أن أفكار الحلاج ما زالت ضرورة للعصر الذي نعيش فيه.
استند العرض المسرحي أساسا إلى الحوار مع حركة نسبية على خشبة المسرح تمهد للانتقال من مشهد إلى آخر.
جاء تحويل الصعود التراجيدي للنص المسرحي والشخصيات التي تأثرت بعقلية الحلاج إلى جانب كوميدي لا علاقة له بخط ومسار العرض الجدي.
رغم قصدية المخرج تعرية الخط الرسمي والمؤسسي للفكر الديني الذي يأخذ شكلا صوريا للقضاء، بحيث يظهر من خلال المشاهد الكوميدية المتلاحقة أن وظيفة القضاة تكمن فقط في إصدار الحكم الذي حدده الوزير -أي قتل الحلاج- رغم ذلك يفسح المخرج مجالا من الرفض عندما يفتح الباب أمام أحد القضاة للاعتراض على هذا النوع من المحاكمات، لكنه لا يفتح أمامه فرصة لمقاومة الفساد، بل يدفع به للانسحاب من عضوية المحكمة.
وتنتهي المسرحية وجميع من دافع عنهم الحلاج بأفكاره وترك أثرا في حياتهم يدورون حوله بعد تنفيذ الحكم، خصوصا شيخه الشبلي، هاتفين بكلمات تعبر عن إدانتهم لأنفسهم وتخليهم عنه.
وركز النص المسرحي على الحوار الذي يقوده الحلاج (محمود مسعود) مع مريديه، وتأتي حركة الممثلين منسجمة مع مضمون الحوار، وديكور متواضع يحتل خلفية المسرح فيه هرم مدرج يتحول إلى موقع لتجمع الرفاق ومنصات قضاء في إشارة إلى التشكيل الاجتماعي بطبقاته الثلاث.
ويعتلي الهرمَ نموذجٌ على شكل ماسة يتغير لونها تبعا للإضاءة بين الأزرق الحالم عندما يتحدث الحلاج عن أحلامه بالتحرر والعدالة الاجتماعية إلى الأحمر الدامي أثناء محاكمته، ورواية المعتقل الهارب لقصة حياته المأسوية.
واستكمالا للمؤثرات البصرية، قُدّم المطرب علي الحجار، مغنيا أحيانا، بوجوده على خشبة المسرح وأحيانا أخرى استنادا إلى تسجيلات أغان من تلحين أمير عبد المجيد، وهو ما أعطى الحوار أبعادا جمالية تؤكد على مضمون أفكار الحلاج.
وكان واضحا أن بعض الممثلين لم يضعوا لأنفسهم خطة لتقديم الشخصية بشكل منسجم كما هو مطلوب منها.
ياسين.. القهر رهن الخضوع
يدور العرض المسرحي حول القهر بمعناه المجرد البسيط الذي تعبّر عنه حياة القرية عبر حياة الفلاحين فوق خشبة المسرح وعلاقتهم المعقدة مع القصر الكبير.
الحضور في نبض مسار الخط الدرامي، الغائبون فعلا عن الحضور كأحد عقد الخط الدرامي وهو ما يدفع المشاهد لتخيل ساكن القصر الذي يعمل على قهر الإنسان.
هذا الغياب يؤكد تنوع القهر وفتح مجالات التخيل لدى المشاهد، فتستطيع أن ترى من خلال ذلك أنه قد يكون قهرا محليا أو عالميا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا بما يحمله ذلك من دعوة لمواجهته على مختلف الأصعدة وبمستوياته المختلفة.
واكتملت الصورة بتركيز المشهد من خلال بناء الديكور ضمن الرؤية الإخراجية، حيث تم بناء ثلاث طبقات تبدو كبناية من ثلاثة أدوار، قسم كل دور منها إلى ثلاث حجرات يتنقل الممثلون فيها حسب المشهد بما يوحي بانتقال القمع من خشبة المسرح الأفقية إلى البعد العمودي أيضا، ومن القرية إلى المدينة ومن الوطني إلى العالمي برؤية بصرية جميلة.
ومن خلال تقاطع الحوار بين الراوية (ماجدة الخطيب) وأهالي بلدة بهوت التي تجري فيها أحداث القصة تنتقل بهية (نورهان) من كونها رمزا لمصر إلى مادة لحياة مقهورة، ولكنها لا تفقد الحلم باتجاه الأفضل.
وجعلت المخرجة من ياسين (أحمد عز الدين) امتدادا لوالده. وتقوم بذلك عبر مشاهد يتم فيها إشراك الغرف التسع للديكور بمستوياتها الثلاثة وتحويل كل أهالي البلدة إلى دور العم وصوته مناجيا أخاه في الحلم، يتوقف أحدهم ليستكمل الآخر، ضمن تقاطعات صوتية أفقية وعمودية تقدم خلالها تماثيل تحلق في السماء أو تجلس على الأرض تعبيرا عن الحلم وانتقال تجربة الماضي إلى الحاضر.
وينتهي المشهد والدعوة لقتل مالك الأرض الظالم معلقة في سماء المسرح ومقدمة للانتقال إلى العالمية من خلال نقل ما يجري في البلدة الصغيرة (بهوت) في حوارية الراوية - البطل المطلق للمسرحية كونها حركة التاريخ نفسه، على أنه هو نفسه الجاري خارجها ما دام الذين يزرعون لا يجنون حصيلة وخيرات زرعهم.
وتنتهي المسرحية بإلقاء الراوية (حركة التاريخ) مقطوعة شعرية تؤكد أنه رغم فشل التجربة فإن الناس يحافظون على حلمهم بالقضاء على القهر وحقهم في الحياة بكرامة بعيدا عن الانسحاق.
والجديد الذي أضافته هذه الرؤية كان في نقل الحكاية من المحلي إلى العالمي وفي تغيير شخصية الراوي وجعله راوية بما يحمله ذلك من رمزية تركز على حركة تاريخ له بُعد عالمي، ولا يتعلق فقط بحركة تحرر وطني من خلال مزج آخرين بتقديم الحوارية وعدم الاكتفاء بالراوي، كما جاء في النص الأصلي.
وجاء بناء الديكور من الحديد والخشب وتداخل الحصر المصنوعة من جريد النخيل لتشكل متعة بصرية إضافة إلى جانبها العملي، حيث كانت تتحول إلى ستارة لكل غرفة من الغرف التسع التي كانت تتحول كل منها إلى مسرح مستقل أحيانا أو تندمج مع السياق العام للمسرحية.
ولكن أداء الممثلين بصفة عامة لم يكن بمستوى الفكرة والحوار، خصوصا استخدام اللغة الذي لم يكن جيدا لدى الراوية، رغم حركتها الجيدة، وكذلك النقص في تدريب الممثلين المساعدين على الصوتيات وطريقة الإلقاء.
ناقد سينمائي
|