English

 

الأحد. أغسطس. 18, 2002

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 

سينما المرأة بإيران.. لغة شفافة وجدل مستمر

رياض زين الدين

دور العرض تعكس التغيرات والجدل الثائر
دور العرض تعكس التغيرات والجدل الثائر
طهران- الجلوس في قاعة عرض لمشاهدة فيلم إيراني تجربة خاصة لكثيرين خارج إيران.. فهي سينما تحمل في مجمل تجربتها لغة هادئة شفافة وتقنيات عالية، وأضيف لذلك في الفترة الأخيرة اشتباك أقوى مع المشكلات الاجتماعية وانعكاس كاشف لجدل الإصلاحيين والمحافظين؛ إذ يتسم الإنتاج السينمائي الإيراني في حقبة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية بعمق تناوله لقضايا الواقع الاجتماعي وعكسه لتطلعات الأجيال الجديدة التوَّاقة لمزيد من الانفتاح على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، حتى إنه تحول في الآونة الأخيرة إلى ساحة مفتوحة للمناظرة بين دعاة المراجعة والتجديد والمتشددين الممتعضين من طغيان موجة الإصلاح.

سينما الثاني من خرداد

وخلال العام الحالي (2002م) قدمت السينما الإيرانية عددًا من الأفلام المتميزة التي استقطبت اهتمام مختلف الشرائح الاجتماعية وقوى الطيف السياسي، وأثارت ردود أفعال متباينة لكونها تجاوزت الخطوط الحمراء لتكسر حاجز الصمت عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، وتثير أسئلة قلقة عن مسارات المستقبل ومصير التجربة الإسلامية في إيران.

وأطلق النقاد على موجة الأفلام الجديدة تسمية "السينما الإصلاحية" أو سينما الثاني من خرداد (23 مايو) تيمنا بتاريخ فوز المفكر الإصلاحي "محمد خاتمي" في الانتخابات الرئاسية السابعة عام 1997م.

ومن رواد هذه الموجة عدد من المخرجين والمخرجات الإيرانيات الذين بدءوا مشوارهم السينمائي في عهد نظام الجمهورية الإسلامية، ومن أبرزهم: أحمد رضا درويش، وجعفر بناهي، وأبو الفضل جليلي. والمخرجات: درخشان بني اعتماد، وفريال بهزاد، ومنيزة حكمت، ومرضية مشكيني، وسميرة مخملباف، وتهمينة ميلاني. وقد نالت أفلام هؤلاء جوائز مرموقة في العديد من المهرجانات العالمية، كما شارك بعضها في هيئات التحكيم في تلك المهرجانات.

الجديد.. المرأة الإيرانية

والجديد في هذه الموجة السينمائية يكمن في النزوع لاستكناه خفايا الواقع الاجتماعي والتركيز على قضايا المرأة الإيرانية المعاصرة، كما فعل جعفر بناهي في فيلمه "الدائرة" الذي أحرز جائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا الدولي عام 2000م، والممنوع من العرض داخل إيران حتى الآن، و"داريوش مهرجوئي" في فيلمه "السيدة" الذي يتناول الصراع الطبقي من خلال سيرة امرأة أرستقراطية هجرها زوجها من أجل فتاة مراهقة. و"درخشان بني اعتماد" في فيلم "تحت جلد المدينة" حين تناولت العلاقات العاطفية اللاشرعية وواقع القطاعات الشبابية المفتونة بقيم الحداثة والفئات الاجتماعية المحرومة التي تعيش على هامش الحياة الحضرية. و"مرضية مشكيني" بتناولها للنظرة السلبية للمرأة وتمردها على سلطة الزوج والقيم والأعراف السائدة في فيلمها "يوم أصبحت امرأة"، و"سميرة مخملباف" في مغامرتها المتفردة في فيلم "السبورة"، وهو أول شريط روائي باللهجة المحلية الكردية يحكي معاناة النسوة والأطفال من أبناء الأقلية الكردية، وأحرز جائزة هيئة النقاد في مهرجان "كان". و"منيزة حكمت" بتناولها لعوامل انحراف المراهقات في فيلم "سجن النساء" الذي مُنع من العرض لمدة عامين، وأجيز للعرض العام في الأسبوع الأول من شهر أغسطس الحالي. والمخرجة الشابة "تهمينة ميلاني" التي سعت لأدلجة "الأنثوية" سينمائيًّا في فيلميها "المرأتان" و"النصف المخفي". والمخرج "ماهيار مازيار" الذي قدم تجربة جريئة عبر تناوله موضوع المرأة والغناء في فيلمه "المقطوعة الناقصة".

نجاح في النقاش والشباك!!

وعلاوة على ما أحرزته هذه الأفلام من جوائز عالمية، فقد حققت نجاحًا كبيرًا على صعيد شباك التذاكر، حيث حظيت بإقبال كبير من الجمهور، وبعضها أعيد عرضه أكثر من مرة، والبعض الآخر لا يزال يعرض في دور السينما في المحافظات. على أن النجاح الأكبر لهذا النمط من الأفلام يتمثل في إثارته لنقاشات حيوية داخل أوساط المجتمع الإيراني، سينما القطاع النسوي، الذي تفاعل بقوة معها لِما قدمته من رؤية واقعية عن مشاكل وهموم المرأة والتحديات التي تواجهها في عهد الانفتاح.

وتماشيًا مع هذا الاهتمام نظمت نقابة السينمائيين الإيرانيين "خانة سينما" بالتعاون مع اتحاد نقاد السينما في أواخر شهر (يوليو/2002م) أول مهرجان يخصص للأفلام السينمائية التي تتناول مضامين اجتماعية تتصل بقضايا ومشاكل المرأة الإيرانية المعاصرة حمل عنوان "السينما والمرأة"، حيث تنافس فيه 36 شريطًا روائيًّا من إنتاج عامي 2001 و2002م بعضها لكبار المخرجين والمخرجات الإيرانيات، إضافة إلى 12 فيلمًا أجنبيًّا.

وتم خلال المهرجان تكريم عدد من المخرجات والممثلات الإيرانيات من ضمنهن: المخرجة درخشان بني اعتماد، والمخرجة بوران درخشنده والنجمة نيكي كريمي والوجه الجديد معصومة بخشي التي قامت بدور البطولة في فيلم "بماني" الذي لم يعرض لعامة الجمهور بعد.

ترانة وبماني.. لغة شفافة

وفي ختام أعمال المهرجان نال فيلم "ترانة ذات الخمسة عشر عامًا" للمخرج "رسول صدر عاملي" جائزة المهرجان الذهبية كأفضل فيلم. وسبق لهذا الفيلم أن نال جائزة "العنقاء البلورية" كأفضل فيلم أيضًا في مهرجان الفجر السينمائي الدولي في دورته السادسة عشرة التي أقيمت في فبراير 2002م.

ويتناول المخرج صدر عاملي في هذا الشريط قصة فتاة عمرها 15 عامًا تجبَر على الاقتران برجل لا تحبه، ثم تطلب منه الطلاق وتضطر بعد انفصالها عنه إلى السكن بمفردها في حي شعبي في تحدٍّ للأعراف الاجتماعية السائدة، وقد برع في معالجته السينمائية لظاهرة الزواج الإجباري من خلال لغة شفافة مفعمة بالمعاني الإنسانية، وسيناريو محكم يشُدّ الجمهور لمتابعة الأحداث، كما تألقت في الفيلم بطلته، وهي فتاة لا تتجاوز الخامسة عشرة من العمر خاضت تجربة التمثيل لأول مرة.

المخرج داريوش مهرجوئي 

والقضية ذاتها تناولها المخرج المعروف داريوش مهرجوئي بلغة شاعرية مثقلة بالرموز والدلالات في فيلمه "بماني" الذي كتبت له السيناريو الأديبة المعروفة وحيدة محمدي، وأحرز جائزة هيئة التحكيم الخاصة مع لوح تقديري للمخرج.

ويصور الفيلم عبر أسلوب يجمع بين الواقعية والرمزية معاناة ثلاث فتيات في مدينة إيلام -غرب إيران- التي تقطنها أقلية كردية، حيث تقتل الأولى على يد أخيها بسبب ارتباطها بعلاقة عاطفية مع أحد شباب المدينة، وتسجن الثانية في المنزل بسبب رغبتها في دراسة التمريض وهروبها لأجل ذلك رغم معارضتها أسرتها، وتنتهي الثالثة (بماني) ذات الـ 16 ربيعًا إلى مصير مفجع بإحراق جسدها عندما تجبر على الاقتران برجل ثريٍّ مسن بسبب حاجة أسرتها للمال.

ومن بين هذه القصص الثلاث ركَّز المخرج على سيرة (بماني)، وجعلها الخط الدرامي الأساسي التي تتمحور حوله بقية أحداث الفيلم.

ويعرض مهرجوئي بلغة سينمائية بالغة الشفافية المعاناة المريرة لبطلته (بماني) مع الزوج الذي يعاملها كخادمة، حتى تُضطر تحت وطأة الإحساس باليأس إلى الإقدام على حرق نفسها تخلصًا من الوضع المأساوي الذي تعيشه، إلا أنها تبقى على قيد الحياة بعد نقلها إلى المستشفى، وتصاب بتشوهات في وجهها، وهو ما زاد من معاناتها، ومنَ ثَم تهرب من البيت وتهيم على وجهها بحثًا عن ملاذ آمن تجده في خاتمة المطاف في مقبرة المدينة، حيث يمنحها "غسَّال الموتى" ذو الشخصية الانبساطية المرحة أملاً جديدًا في الحياة ومواجهة متاعبها، ويتداخل الرمز مع الواقع في مشهد الختام، حيث تسير بماني -التي يعني اسمها بالفارسية "ابقي"- إلى جانب غسال الموتى وسط القبور، وقد طفحت ابتسامة الأمل على وجهها المحروق، ويصاحب ذلك موسيقى تصويرية مستمدة من أغنية تراثية لإحدى قصائد الشاعر الإيراني المعروف "سعدي الشيرازي".

وإضافة إلى طرحه لقضية هروب الفتيات يعكس مهرجوئي في شريطه صورًا مأساوية عن واقع أهالي منطقة إيلام القريبة من الحدود مع العراق، الذين يعانون من شظف العيش والبطالة، وتركات حقبة الحرب العراقية الإيرانية؛ إذ كانت منطقتهم مسرحًا للمواجهة العسكرية بين البلدين.

هروب الفتيات.. جدلية التسجيلية والروائية

ويقول مهرجوئي لنا: "إن جوهر القضية التي أردت أن أطرحها في الفيلم هي استغلال المرأة وامتهان آدميتها والذي أعتقد أنه يمثل السبب الرئيسي لمشاكل المرأة الإيرانية، ولظاهرة هروب الفتيات من ذويهن". وعن سبب اعتماده أسلوبًا سينمائيًّا يمزج بين التسجيلية والروائية، قال مهرجوئي: "لقد بدأت فكرة الفيلم في ذهني عندما طالعت في صفحة الحوادث لإحدى الجرائد المحلية خبرًا عن إقدام فتاة من إيلام على حرق نفسها تخلصًا من سلطة الزوج، وتأثرت كثيرًا لحيثيات الحادثة وقررت أن أعالجها سينمائيًّا، وعندما ذهبت إلى منطقة الحدث - إيلام - وجدت البؤس الذي لا يزال يعيشه أهل المنطقة، رغم مرور 14 عامًا على انتهاء الحرب، ورأيت من واجبي أن أوصل صوت هؤلاء الناس، وأن أدع الكاميرا تعرض الواقع كما هو وبدون رتوش".

وبخصوص ظاهرة هروب الفتيات التي يعاني منها المجتمع الإيراني راهنًا، يقول المخرج الإيراني: "إنها مشكلة اجتماعية معقدة جدًّا، وأهم عواملها الفقر والبطالة، لا سيما في منطقة إيلام التي عايشتها لفترة من الزمن قبل بدء تصوير الفيلم، حيث وجدت هناك كثيرا من الرجال بدون عمل، وهو ما يوجد لهم مشاكل نفسية تنعكس على تعاملهم مع النساء، أما الفتيات فهنَّ يعشن بدون أمل ويشتكين من النظرة السلبية السائدة تجاه الأنثى، ومن قلة فرص الزواج المناسب، وعدم منحهن الفرص الكافية لإكمال تعليمهن أو العمل… وكل هذه العوامل تجعل المرأة تزهد في الحياة وقد تضطر تاليًا إلى الانتحار أو الهرب إلى المجهول".

الإصلاحيون والمحافظون.. بين الترحيب والانتقاد

ولفت نظر النقاد أن معظم الأفلام المشاركة في مهرجان "السينما والمرأة" ركزت على قضايا الجيل الجديد في إيران المطالب بمزيد من الحريات على صعيد الحياة الشخصية، وقصص العلاقات العاطفية اللاشرعية، وانحراف المراهقات، واتسمت مشاهدها في الغالب بالخروج غير المألوف عن ضوابط الرقابة من قبيل ملامسة الرجل للمرأة، والمكياج الصارخ للممثلات، وعدم التقيد بالحجاب، فضلاً عن الجرأة في السيناريو والحوار عندما يتعلق الأمر بالعلاقة بين الرجل والمرأة.

وتباينت تقييمات الصحافة الإيرانية لعروض المهرجان، فبينما رحَّب الإصلاحيون بفوز أفلام تصنف في خانة "السينما الانفتاحية الجديدة"، وأشادت منابرهم بالمخرجين والمخرجات الذين سلطوا الضوء بقوة على قضايا الواقع الاجتماعي الراهن وما يمور فيه من مخاضات تفرضها المرحلة الانتقالية، وجَّه المحافظون من جانبهم انتقادات حادة للمخرجين والمخرجات الذين تناولوا مظاهر الانفتاح في بُعدها النسوي.

وقالت صحيفة كيهان المسائية في عددها الصادر في 3 أغسطس 2002م: "إن المهرجان لم يقدم في عروضه المحلية صورة واقعية عن المرأة الإيرانية المسلمة، وأظهر جانبًا واحدًا من الصورة عبر التركيز على مظاهر الانحراف والتحلل"، كما رأت الصحيفة أن هذه الموجة من الأفلام تُسهم عن قصد أو عن غير قصد في نشر التغريب في المجتمع، وتبرير مظاهر الابتذال والعلاقات اللاشرعية في بعض الأوساط الشبابية.

وحذَّرت صحف محافظة أخرى مما أسمته "خلايا سرطانية" آخذة بالتسرب إلى جسد السينما الإيرانية "بسبب تقليد الأفلام الغربية والهندية في تناول المواضيع العاطفية، والتركيز على مفاتن المرأة، وعدم التقيد بالضوابط الشرعية فيما يتعلق بالزي والماكياج والملامسة مع الرجال".

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم