|
"ما حدث في 11 سبتمبر أصابني بالحيرة، وجعلني أتوقف عن كتابة سيناريو فيلمي الجديد.. يبدو أنني لم أفهم جيدًا ما يحدث في العالم، وعلي أن أعود للتأمل من جديد، وعلي أن أحاول أن أفهم لأبدأ كتابة سيناريو آخر. ولكن أنا أشعر الآن بقلق أكبر من أن يسمح الآن بكتابة سيناريو، فكلما فكرت في المستقبل شعرت بالخوف الحقيقي".
هذه العبارة قالها المخرج السينمائي المصري يوسف شاهين بعد أسبوعين فقط من تدمير مركز التجارة العالمي في نيويورك وسقوط طائرة البنتاجون الشهيرة، ويومها لم ينسَ شاهين أن يلقي اللوم -كعادته- على التطرف والمتطرفين والإرهاب والإرهابيين! ولكنه -هذه المرة- كان يقصد أولئك الذين سمحوا بأن تصل الأمور لهذا الحجم من الغضب والكراهية والدمار.
شاهين يواجه تطرف الغرب
وها هو شاهين يواجه التطرف مرة أخرى بعيدًا عن بلاد العرب والمسلمين، فى قلب العالم المتحضر، بعد أن قال كلمته في أحداث 11 سبتمبر من خلال فيلم قصير لا تتعدى فترة عرضه أكثر من 10 دقائق و9 ثوانٍ وكادر واحد.
وقد عُرض فيلم شاهين ضمن مجموعة أفلام شكلت في مجملها فيلمًا واحدًا باسم "11 سبتمبر 2001"، وهو إنتاج فرنسي اشترك في إخراجه 11 مخرجًا، صور كل منهم تأثير الأحداث على العالم بصفة عامة وعلى الولايات المتحدة بصفة خاصة من وجهة نظره في 11 دقيقة.
وخرج الفيلم بإحدى عشرة وجهة نظر مختلفة في المضمون، ولكنها تتفق جميعها في أن على الولايات المتحدة أن تعيد حساباتها وتتوقف عن التعالي والغطرسة، ومحاولة فرض السيطرة على مقدرات الشعوب.
ومن هؤلاء المخرجين "كين لوتش" الإنجليزي، و"كلود لولوش" الفرنسي، والإيرانية "سميرة مخملباف"، والبوسني "دانيس تانوفيتش" والأمريكي "شون بن" ومن الهند "ميراناير" والمكسيكي "اليخاندرو إيناريتو"، والبوركيني "إدريسا وودراوجو" والإسرائيلي "عاموس جيتاي" بالإضافة إلى شاهين الذي قال ببساطة وشمول: "إنه يعتز بأمريكا، لكن سياستها تجاه الشرق الأوسط أصابته بالإحباط، وأصابتها بالكارثة الرهيبة".
صدفة ذوي الألباب
واعتبر بعض النقاد الأمريكيون فيلم "11 سبتمبر 2001" وصمة عار في جبين السينما العالمية، وشنت الصحافة الصهيونية من مختلف جنسيات العالم هجمة بربرية على المخرج المصري الذي تخيَّل البعض أنه سيساهم في كتابة وثيقة إدانة عمياء وزائفة ضد بني جلدته، وكان رد فعل جمعية الإنتاج الفرنسية عنيفًا لدرجة أنها رفضت حتى الآن أن تعطي شاهين نسخة للعرض في مصر، رغم أنه -أي شاهين- صاحب اللقب الأشهر "الفرانكفوني رقم 1 في الشرق الأوسط".
والفيلم الذي أثار كل هذا الجدل عُرض في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، الذي يُعد ثالث أكبر مهرجان في العالم بعد كان وبرلين، والذي اختتم منذ فترة قصيرة بعد أن شهدت أحداثه صدفة أخرى "لذوي الألباب"، حيث فاز بإحدى جوائزه فيلم للمخرج البريطاني الأيرلندي بيتر مولان باسم "راهبات ماجدالين"، يتحدث عن مأساة شديدة تعرض لها عدد من الراهبات بأيرلندا بعد أن لجأن لأحد الأديرة، ويقعن تحت طائلة راهبات قاسيات، ويحكمن عليهن بالعمل الشاق حتى يذهبن ضحايا هذا العمل.
وقد أثار الفيلم حين عرض في فينيسيا ضجة، ولكن الضجة الحقيقية جاءت بعد فوزه؛ إذ احتجت الكنيسة الكاثوليكية ورأت في هذا تطاولا على الدين، بينما عرض الإيراني محسن مخملباف فيلمه "قندهار" الذي استعرض مأساة أسرة في ظل حكم آخر متطرف (بأفغانستان)، طبقًا لما يراه هؤلاء في مهرجان "كان"، ولاقى استحسانًا، ولم يحتج أحد!.
الحلم الغاضب
وبينما يحارب شاهين -77 عاما- من أجل عرض فيلمه القصير في مصر، حتى ولو نسخة صوتية منه رغم أنف المنتج الفرنسي، فإنه يستعد حاليا لتصوير فيلمه "الغضب" الذي بدأ في كتابته بعد شهر كامل من الحدث الذي مر عليه الآن عام كامل، ويرجو يوسف شاهين في سيناريو ذي تركيبة خاصة تشبه إلى حد كبير تلك التي خرج علينا بها في فيلمه "حدوتة مصرية 86" التغيرات التي أصابت ذلك (الكيان - الحلم) المدعو أرض الأحلام أو أمريكا، بعيون طالب سينما مصري يدرس في معهد "باسادينا" بكاليفورنيا، ويرتبط بحبيبة أمريكية، التي تقوم بدورها أحدث اكتشافاته من الوجوه الجديدة "روبي" في مرحلة الصغر، التي ظهرت في فيلم "سكوت هنصور" العام الماضي، وتقوم بدورها في مرحلة لاحقة الفنانة "يسرا"، وتكاد تكون تغيرات الحلم الأمريكي متوازية مع تقلبات الحبيبة الأمريكية، ومواقفها تجاه قضايا الشرق الأوسط.
وخلال مسيرة الطالب يتعلم ويعود إلى وطنه فيصبح مخرجا لامعًا، لكن مشاعره هناك مع أمريكا (الحلم والعلم معا)، وتتراوح مواقف "يحيى" المخرج أو يوسف شاهين، الذي يقوم بدوره الفنان المصري الكبير "نور الشريف" بين غضب العاشق ودلال الطفل، ومواقف السياسي المثالي الذي يرى في حكام أمريكا خونة للحلم الأمريكي ذاته، إلى أن يصاب بالإحباط والغضب، وتدمع عيناه مع انهيار برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.
وإذا كان شاهين قد قرر أن يصور في كاليفورنيا ونيويورك وفينيسيا نحو شهر كامل، وفى القاهرة ما يقرب من شهرين.. فإن حملة صهيونية من المتوقع أن يواجَه بها مرة أخرى، وإن كان الأمر سيبقى مقتصرا على كونه مخرجًا اختلف مع الأب الأمريكي والزوج الصهيوني، فلن يتمكن أحد من اتهامه بالتطرف الإسلامي!.
|