|
ألمانيا- لم تكن هذه الصورة الإيجابية للتطورات الجارية على الأرضية الفكرية والثقافية والإعلامية لصالح الإسلام والمسلمين وقضاياهم - خافية عن صانعي القرار في المجتمعات الغربية على مختلف المستويات؛ إذ بدا أنها ستقوّض كثيرًا من نتائج ما سبق بذله من جهود ضخمة "منظمة" لتشويه صورة الإسلام والمسلمين في الغرب، بدءاً بالأفلام السينمائية والبرامج التليفزيونية التي لم ينقطع تطويرها للغرض نفسه، وانتهاء بحملات مركزة من مثل ما شهدته قضايا محددة، كاحتضان سلمان رشدي وأمثاله، أو الحملات المنظمة عبر "المؤتمرات الدولية العملاقة" على القيم الإسلامية لا سيما في نطاق الأسرة.
ولا ندخل في نطاق "التكهنات" عند التأكيد على أن الرغبة في مواجهة هذه التطوّرات:
ساهمت في تحديد مسار الجانب الفكري والثقافي والاجتماعي في قطار "العولمة"، بمعنى رصد طاقات مادية أكبر وضغوط سياسية وأمنية أوسع نطاقًا في اتجاه تعميم نشر التصورات الغربية على حساب الإسلامية في البلدان الإسلامية نفسها..
كما أنها تساهم الآن في تحديد المرتكزات الفكرية والثقافية والاجتماعية المرافقة للجوانب العسكرية والسياسية والاقتصادية والمالية في الحرب المعلنة رسميًّا ضد "الإرهاب"، والموجهة واقعيًّا ضد الإسلام وصحوته الحديثة؛ أي أن الجواب على السؤال عن قابلية نجاح حملة جديدة لتوظيف الكتاب إلى جانب وسائل الإعلام الأخرى لا سيما الشبكة العالمية، في خدمة الحرب القديمة المتجدّدة باستمرار ضدّ الإسلام - يبدأ بالتأكيد على أن احتمالات الإخفاق كبيرة؛ ولهذا فإن هذه الحملة تتضمّن "التلاؤم":
مع المعطيات الجديدة على الساحة الدولية وفق ما تقتضيه ظاهرة "العولمة" بصورة خاصة، وقد غلب عنصر "الهيمنة الأمريكية" أو هيمنة "القوى المالية الصهيونية - الأمريكية" على مسيرتها..
ومع المعطيات الجديدة في ميدان "التواصل البشري" الذي تميز بازدياد حجم نشر المعلومات وسرعته، وتميّز أيضًا بأن نشر المعلومات لم يَعُد في اتجاه واحد كما كان في الجزء الأعظم من القرن الميلادي العشرين، وإنما بدأ عنصر "التبادل" يزداد ظهورًا للعيان بالتدريج بتأثير وسائل الاتصال الحديثة وتقنياتها المتطورة.
في هذا الإطار يمكن النظر في المساعي الجديدة لتوظيف الكتاب الغربي -والموقع الشبكي الغربي أيضًا- في خدمة "الحرب ضدّ الإرهاب"، وأوّل ما يلفت النظر هنا هو أن الأسلوب المتّبع في تسويق هذه الحرب على أعلى المستويات السياسية الغربية، بدأ يأخذ طريقه بوضوح على مستوى الكتاب أيضًا، ويقوم على محاور رئيسية، أهمها:
عنصر التضليل: ربط الإرهاب بالإسلام واقعيًّا، مع التبرُّؤ -أو محاولة التبرؤ- في الشعارات المرفوعة والعناوين الموضوعة لذلك من التبنِّي المباشر لعداء الإسلام نفسه، ويتخذ تنفيذ ذلك أسلوبًا تقليديًّا قديمًا، الجديد فيه هو استخدام كلمة "إسلاميون" على نطاق واسع مكان "أصوليون"، بينما يتضح على أرض الواقع أنّ التشريعات القانونية الحديثة مثلاً موجّهة ضدّ "عامّة المسلمين" في الغرب، وليس ضدّ "الحركيين" منهم فقط، كما أنّ إجراءات الحصار والحظر والملاحقة أصبحت تشمل حتى الجمعيات الإسلامية الخيرية المعروفة بنزاهتها واستقامتها منذ زمن طويل، والمؤسسات المالية الإسلامية التي تعتبر فوق الشبهات بالمعايير الإسلامية والقانونية الوضعية على السواء، ولا يقتصر ذلك على ما يُعرف بالمنظمات الجهادية، ولا حتى تلك التي تؤكّد على الجانب السياسي في الإسلام أكثر من سواه، أو تتخذ مواقف "عدائية" من الحضارة الغربية..
عنصر المخابرات: غياب "الأدلة" على الاتهامات واضح للعيان.. ويجري تعويضه سواء على المستوى السياسي، أو في الإنتاج الفكري والإعلامي، عن طريق اعتماد "تقارير المخابرات" السرية أصلاً، أو المعلنة رسميًّا، ولكن دون أن تتضمّن تقديم "إثباتات" بطبيعة الحال، فليس هذا مطلوبًا منها ما دامت لا تمثل "أجهزة قضائية"، والجديد في معظم التشريعات هو العمل على إخراج "الإجراءات" المطلوبة من خانة "النظر قضائيًّا فيها"، وبالتالي فإن "تبرير أي اتهام" يوجّه إلى جهة إسلامية حركية أو خيرية، أو تبرير أي تشريع قانوني جديد شاذ بمختلف مقاييس حقوق الإنسان والمواثيق الدولية وقيم الديمقراطية الغربية.. هذا التبرير بات يعتمد على ما يُنقل عن "المخابرات" اعتمادًا رئيسيًّا، ودون تحقيق أو تمحيص، جنبًا إلى جنب مع اقتران ذلك بحملة "التخويف" للرأي العام الغربي لدفعه إلى القبول بتلك الإجراءات المتناقضة، مع ما يجري الحديث عنه باستمرار عن: الحقوق، والحريات الإنسانية، وسيادة القانون، والقضاء، وما شابه ذلك..
عنصر الجهل: إذا كانت حملات التخويف في الماضي تعتمد على عنصر "الجهل بالإسلام نفسه"، فهي تعتمد الآن على عنصر "الجهل"؛ لاستحالة إمكانية التحقق من صحّة تلك الاتهامات والتصورات المرعبة التي تنشرها المخابرات عن "الخطر الإسلامي" الذي جعلت من تفجيرات نيويورك وواشنطن رمزًا له.. رغم عدم الكشف عن أي أدلة أو إثباتات على هذا الصعيد، هذا بغض النظر عن أن أي إثبات محتمل لارتكاب فئة ما لعمل مرفوض عمومًا، لا يمكن بالموازين الغربية نفسها ومعايير المنطق عمومًا - أن يبرّر "التعميم" الموجَّه حاليًا والقائم على ربط العمل نفسه بالإسلام ومن يدعو إليه، وليس بتلك الفئة ودعوتها هي إلى الإسلام وفق رؤيتها الخاصة لذلك..
عنصر "العنف الفكري": والمقصود هنا هو كبت أي صوت يمكن أن يعبِّر عن الطرف الآخر أو نقل ما يفكر به أو ما يقوله بغض النظر عن صحته أو عدم صحته، فهنا لا يقتصر الأمر على رفض "مناقشة الحجة المقابلة"، بل يمتد الكبت القائم على العنف الفكري إلى الحيلولة دون الطرف الآخر ودون "مجرّد" الدفاع عن نفسه؛ فعلاوة على أساليب التعتيم الإعلامي على سائر الأخبار والمواقف إلا ما كان مصدره غربيًّا، بات "حظر كتب إسلامية" ومنع دخول "المحاضرين" من الإجراءات "المألوفة" في الغرب، كما أن استخدام أسلوب الحجب والحظر وإغلاق المواقع بات واسع النطاق في الشبكة العالمية، بينما كانت الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تهاجم حكومات بلدان "العالم الثالث"، ولا سيما الإسلامية منها؛ لعدم إطلاق العنان للحرية "الشبكية" على مختلف الأصعدة، بل كان من مرتكزات الدعوة في الغرب إلى نشر الشبكة عالميًّا أنها ستكون السبيل إلى نشر الديمقراطية الغربية و"القيم الغربية"، عبر إسقاط حواجز "الاستبداد" الوطنية على صعيد الكبت الفكري، وانتهاك الحقوق والحريات الفردية في ميادين الكلمة والتعبير عن الرأي والنشر، وما شابه ذلك.
كاتب وباحث مقيم في ألمانيا.
|