English

 

الأحد. سبتمبر. 22, 2002

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

(في الدورة الرابعة عشرة لمهرجان المسرح التجريبي)

قرود "روجيه عساف" تجتاح القاهرة

على الشاب

روجيه عساف يمتلك تجربة مسرحية خاصة
روجيه عساف يمتلك تجربة مسرحية خاصة
لبنان- مسافة طويلة تفصل بين مسرح روجيه عساف في أواخر الستينيات ومسرحه في بداية القرن الجديد، مسافة بالزمن وكذلك بالشكل والمضمون والأسلوب؛ فبدءا من الحكواتي الذي استمده من الذاكرة الشعبية لمقاهي المدن العربية القديمة، وأعاد صياغته وتقديمه، مرورًا بتجربته مع معجزة المسرح اللبناني "حسن علاء الدين" الملقب بـ"شوشو"، ثم في أعماله "جنينة الصنائع"، "حبس الرمل"، و"المغنية الصلعاء"، ثم تجربته مع الفنان الكبير "رفيق علي أحمد" في "الجرس" ثم في "زواريب"، انتهاء بـ"لوسي المرأة العمودية"، حيث يتباعد الشكل المسرحي، وتتنوع أشكال التعبير، ويبقى الإنسان هو السؤال الكبير الذي يعيد "العساف" طرحه بأشكاله المتنوعة، مازجًا بين رمزية مفرطة وواقعية مدهشة.

إلى مهرجان المسرح التجريبي في القاهرة جاء "روجيه عساف" حاملا معه "قروده" -كما يحب أن يقول- ليعرض للجمهور المصري مسرحيته الأخيرة "لوسي المرأة العمودية" المستمدة من نص لـ"أندريه شديد" الكاتِبة اللبنانية الأصل المصرية المنشأ والفرنسية الثقافة، ويحمل النص الاسم نفسه، والتي يحاكي جزء من مشاهدها حركات القرود التي تملأ المسرح حياة ودهشة.

القرود والساخرة الحكيمة

كعادته يدخل "روجيه عساف" في النص مبحرًا في أعماقه، باحثًا عن قيم معرفية وثقافية ذات طابع إنساني شامل، متجاوزًا الخلاف على "صراع الثقافات" و"حوار الثقافات"، منطلقًا من حيث وقفت المرأة العالمية الأولى التي تم اكتشاف هيكلها العظمي منذ حوالي ثلاثين سنة، والتي يقدر عمرها بثلاثة ملايين سنة، ويعتبر العلماء أنها من أول جيل من أجداد النسل البشري الذي استطاع أن يقف على قدمين، وينتصب بشكل عمودي بعد أن كان -كما تدعي العلوم التجريبية والاكتشافات الأثرية- يمشي منحنيًا على قوائمه الأربع.

يأخذ العساف هذه المرأة المفترضة، ويسير بها نحو صيرورتها في السلالة البشرية، ويجعلها تلتقي مع امرأة أخرى من بنات جلدتها معاصرة، ولكنها تُوغل في العودة إلى الوراء باحثة عن أمها المفترضة "لوسي" لتقتلها، وهذه المرأة التي تسمى "هندومة" تلعب دورها السيدة "حنان الحاج علي"، زوجة المخرج وشريكته في أعماله. "هندومة" هذه عاشت بين الربع الأول من القرن الماضي والعقد الثامن منه، وكانت تسير في شوارع مدينة النبطية الجنوبية في لبنان، وعرفت في جنباتها أشكالا من العنف البشري المجنون أحالها شخصية أسطورية تملأ المدينة سخرية حكيمة تجعل المتحدث معها غير قادر على تمييز العقل من الجنون في حوارها الذي لا يخلو من الطرافة اللاذعة، فتحولت إلى ما يشبه الأسطورة، واندمجت أخبارها بإسقاطات غيبية أضافتها عليها ألسن الرواة.

وإذا كانت قد شهدت في بداية حياتها عنفًا عامًّا تمثل ببداية الصراع العربي الإسرائيلي الذي عرفت منطقة الجنوب اللبناني جزءًا هامًّا منه فإنها على ما يبدو شهدت عنفًا شخصيًّا إضافيًّا أحالها على الشكل الذي عُرفت به دون أن يعرف لها بداية وكأنها شخصية أزلية، غير أن العنف الهمجي الذي تصاعد في بعض مراحل الحرب الأهلية في لبنان لم يرض إلا أن يكمل مشواره معها، فوُجدت مقتولة وملقى بها في قاع بئر في أحد أحياء البلدة التي عاشت فيها.

تحاول "هندومة" العودة بالتاريخ لتلتقي بـ"لوسي" لتقتلها باعتبارها ولاّدة العنف، فيجري حوار إنساني عميق ينتهي بأن تحتضن "هندومة" أمها كما لو أنها ابنتها في عملية تبادلية يستحيل فيها الماضي مستقبلا والحاضر ماضيًا.

مسرحة علامات الاستفهام

خلال المشاهد تمر مجموعة من الصور التي تضيء على انحرافات الجنس البشري من عنصرية وتمييز وتطرف أعمى وعدم قبول للآخر، وصولا إلى قتل الآخر دون التعرف عليه وعلى أفكاره، ولأسباب تتعلق بشكله أو لونه أو دينه، في عرض طرح فيه "عساف" الكثير من الأسئلة، وعندما سألناه عن الحل قال: "إن الفنان عليه أن يطرح الأسئلة، وعلى الآخرين محاولة إيجاد الأجوبة".

في "لوسي المرأة العمودية" لروجيه عساف يختلط الماضي البعيد بالحاضر بالمستقبل في مسار صاعد وهابط، والأنسنة عنده ليست تطورًا فيزيولوجيًّا ماديًّا فقط يجعل الإنسان قادرًا على المسير على قدمين. وبالتالي فـ"أحسن تقويم" ليست شكلا جسمانيًّا صرفًا، و"أسفل سافلين" ليست موقعًا جغرافيًّا أو ظرف مكان، إنما هي نقطة في سلم التطور أو الانحطاط الإنساني، وحركة الإنسان الصاعدة نحو الخلود لا تلغي إمكانية "المسخ" كصيرورة محتملة لإنسانية منحرفة كما هو حاصل.

مسرح "روجيه عساف" مليء بالتناقضات شكلا ومضمونًا، وهو يلقي بمهارة بعناصر سحره الفني؛ فتندمج الموسيقى الكلاسيكية بالموسيقى الشعبية الغربية بالموسيقى الشرقية، وتلعب قطعان القرود بمهارة يبرز فيها الدور الهام الذي لعبه المخرج وباقي عناصر الفرقة المسرحية على المستوى التثقيفي والتدريبي، ويقول "عساف" إنه قد استغرق وقتا طويلا يتجاوز العام. من أجل الوصول إلى هذا المستوى المميز الذي يختلط فيه الإتقان العالي بالعفوية الصادقة المنسابة دون تكلف فيصنع ما يمكن أن نسميه "السهل الممتنع". أما الديكور البسيط فإنه الميزة الدائمة لمسرح العساف فإنه يعتمد في هذا العمل على لوحات خشبية وأشكال هرمية (إيحاء واضح) تفتح نوافذها بحركات يدوية فيخرج الممثلون من الماضي ويعودون إليه.

"لوسي المرأة العمودية" مليئة بالعبث الذي يرافق العمل من البداية إلى النهاية، لكنه ليس عبثًا لذاته، إنه المسرح الذي يعيد تصوير العالم على طريقته بكل جنونه وعبثه ولا معقوليته التي تشمل كل مناحي الحياة المعاصرة، كيف يمكن أن نفهم العالم دون رؤية هذه الحركة العنيفة والسريعة لتطور الأشياء؟ بل يمكن أن نطرح السؤال بشكل مختلف: كيف يمكن أن نخرج من هذا العبث الذي يلف عالمنا فيحيله جحيمًا يصعب معه الاستمرار في تأدية أدوارنا على المسرح الإنساني الكبير؟

حرية الرأي بالنسبة لـ"روجيه عساف" مسألة غير قابلة للبحث، وقد عُرف بجرأته في طرح آرائه السياسية والاجتماعية والفلسفية، واعتبر تعرفه على الإسلام شكلا من أشكال فناء الخاص بالعام يجعله أكثر فهمًا للخصوصيات، وهو ماهر بإعادة طرح الأسئلة البديهية التي يشركنا في إعادة البحث عن إجابات لها.

تابع فى نفس الموضوع:

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم