English

 

الأحد. سبتمبر. 22, 2002

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

(في الدورة الرابعة عشرة لمهرجان المسرح التجريبي)

من "تحت الأرض" إلى "عرائس شارون"

ألفت محمد عبد الكريم - رياض أبو عواد

جانب من عرض تحت الأرض والذي استوحى الكثير من تداعيات سبتمبر
جانب من عرض تحت الأرض والذي استوحى الكثير من تداعيات سبتمبر
القاهرة- تميزت الدورة 14 لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي التي اختتمت فعالياتها في 11 أيلول/سبتمبر بأنها استمرت في الحوار الذي بدأ مع السنة الأولى للمهرجان حول التجريب، وقدمت مجموعة من العروض المتميزة التي تبنّت مواقف المخرجين ومعدي النصوص في موقفهم تجاه التجريب على النص والفضاء المسرحي أو اختيار التجريب على الجسد والصوتيات والسينوغرافيا. ولم يتوقف الحوار حول التجريب (دون تحديد تعريف نهائي)، ولكن الجميع يتفق على مبدأ أساسي في أن التجريب يعني إبداع الجديد، وخلق لغة فنية معاصرة قادرة على الوصول إلى المشاهد بدلا من التخندق والعزلة، خاصة للمسرح العربي الذي ما زال يعاني من التقليد، كما يقول المخرج الكويتي "سليمان البسام" من أنه "مقلد دون فهم لما يقلده مع افتقاد الحركة المسرحية والمؤلف المبدع بعد جيل الكبار".

وكان هذا المهرجان قد بدأ أولى دوراته في عام 1988، وقدَّم خلال هذه السنوات ما يقرب من ألف عرض مسرحي، وقام بتكريم 135 فنانًا، وتكونت لجان تحكيمه من حوالي 147 ناقدًا.

وقد شاركت في مهرجان هذا العام 59 فرقة مسرحية من 47 دولة، وتشكلت اللجنة العليا للمهرجان من 12 عضوا، كما تشكلت لجنة التحكيم الدولية من 11 عضوا رأستهم جينكا تشولاكوفا هيلني من ألمانيا، كما قام المهرجان بتكريم 10 من الشخصيات المسرحية الهامة، من بينهم سناء جميل (مصر)، سامي عبد الحميد (العراق)، أسعد فضة (سوريا)، ريتشارد جوف (إنجلترا)، ميتشاموزي (إيطاليا)، أحمد السنوسي (تونس).

ويعد مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي إحدى المحاولات للإطلالة على تجارب الآخرين. وقد عكست الأعمال المقدمة في الدورات المتعاقبة وجهات النظر متباينة؛ حيث تقاسمت التجريب والتجديد في مختلف المجالات، فغلب في الدورات السبعة السابقة التركيز على لغة الجسد كما عكستها جوائز المهرجان الممنوحة للفائزين، رغم أنه في سنوات سبقت كان التجريب على النص صاحب الحظ الأوفر من الجوائز. ومن الواضح أن الأشكال التجديدية المتعددة قد تجاورت في خدمة المسرح، رغم افتراقها البين، ومحاولة بعض العروض الناجحة المزج بين أنواع التجريب المختلفة نصًّا وجسدًا وفضاء مسرحيًّا.

وعلى ضوء هذا نجد أن التجريب على النص كان البطل هذا العام، فكانت غالبية محاولات المخرجين المشاركين قد تركزت في التجريب على النص، وكذلك اختيار لجنة العروض وعكس ذلك نفسه باختيار عدة عروض استندت إلى كلاسكيات المسرح مثل مسرحيات شكسبير* وسوفكليس وهاندكه، وغيرهم من كبار كتاب المسرح.

وهذا أيضا لم ينف اختيار بعض العروض التي ركزت على التجريب على الجسد في عدة

مسرحيات مهمة، أبرزها عرض الافتتاح المصري "تحت الأرض" لوليد عوني والتشيكي "عرائس شارون"، إضافة إلى بعض العروض التي دمجت التجريب على الجسد مع نص محدود المفردات مثل الإيطالي "سنو وايت".

وجاءت نتائج لجنة التحكيم في الدورة الحالية لتؤكد على مسألة التجريب على النص؛ بحيث تنافس على الجائزة الأولى مسرحية "قمة هاملت" من إعداد وإخراج الإنجليزي من أصول كويتية "سليمان البسام" وفرقة زاوم البريطانية، والعرض الصيني الذي مزج بين الرقص والأغنية والكلمة "ووشانغ ونودياو" لفرقة مسرح فنون شعب بكين للمخرج وانغ يانسونغ، وكان الفوز من نصيب العرض الأول الذي لعبت فيه الكلمة والصورة دور البطل.

الافتتاح.. تحت الأرض

مهرجان المسرح التجريبي في دورته الرابعة عشر 

جاء العرض المصري "تحت الأرض" للبناني وليد عوني كأحد أهم العروض العربية التجريبية على الجسد والتقنية.

مزج خلالها بين مسارين فنيين في العمل أولهما اعتماد نموذج مسرح الظل في إشارة إلى الأحداث التي سيتم التعبير عنها، وفي المسار الثاني من خلال حركة المؤديين وراء ستارة بيضاء تغطي خلفية المسرح كاملة.

ويتم تنفيذ المسار الثاني تحت قطعة قماش خضراء تغطي خشبة المسرح كاملة كرمز للأرض يؤدي المؤدون تحتها دون أن يظهروا باستثناء أياديهم أدوارهم في المشاهد المتلاحقة التي تلعب الأيدي فيها دورًا رئيسيًّا تصبح خلالها القماشة أرضًا، في حين توحي التكوينات التي يشكلها المؤدون تحتها واقعًا متخيلا يمكن إدراكه من خلال رمزيته كمخاض وولادة قادمين ومواجهة بين القامع الغربي والمقموع العربي؛ مما يقدم تفسيرًا لعنوان العرض.

ولجأ عوني إلى هذه التقنية في إشارة إلى قسوة ما يجري تحت الأرض، خصوصًا في مشهد تتحول فيه القماشة إلى بحر هائج الموج يشهد ولادة طفلة؛ حيث تظهر دمية من خلال القماشة تحيط بها زعانف أسماك القرش دليلا على الحصار الذي يحيط بالولادة، وتكبر الدمية لتصير امرأة، ويلي ذلك اضمحلال المشهد ليظهر مشهد آخر تستمر فيه حركة أيدي المؤدين تحت القماشة باتجاه الأعلى، وكأنها تمنع هبوط حمل ثقيل عليها، لكنها سرعان ما تهمد تحت وطأة هبوط عشرات السكاكين الضخمة من سماء المسرح.

يدلل المشهد على صعوبة الولادة والإحباطات المترافقة بالمذابح، وعمق الحصار الذي تتعرض له المنطقة العربية من خلال استخدام شجيرات النخيل التي تحركها أيدي المؤدين تحت القماشة.

تسحق هذه المشاعر وتدمر رموزها بحركة سريعة لسيارة صغيرة يتم التحكم في حركتها عن بعد؛ حيث تصطدم بشجيرات النخيل فتسقطها، وتصطدم بأجساد المؤدين فتخمدها، ورغم ذلك تبقى هناك رغبة في مقاومة مكبوتة.

ليصل قبيل الختام إلى استخدام المؤدين تحت القماشة إلى نماذج من برجي التجارة العالمية يتم ضربها بطائرات ورقية من خارج المسرح، محملا بذلك الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولية أحداث 11 أيلول سبتمبر، وليستكمل المشهد برفع قطعة القماش عن أرضية المسرح لتكشف عن جثث وقطع من أجساد بشرية تملأ خشبة المسرح لتدلل على السياسة الأميركية.

فلسطين.. الغائب الحاضر

ورغم غياب فلسطين هذا العام فإننا نجدها حاضرة في العرض العراقي "البديل" للفرقة القومية للتمثيل، وقد تناول العرض القضية الفلسطينية وقسوة الحصار، والمشاركة العراقية تؤكد حالة الانفتاح على التجارب المسرحية، كما أن فلسطين لم تشغل العراق فقط؛ فكان العرض التشيكي "عرائس شارون"، والتجريب في هذا العرض لا يبدو في استخدام الموسيقى أو التناول الحركي والعناصر المعتادة كالأزياء والديكور، إنه يبدو ساطعًا في اللحظات الأخيرة، وتحديدا في استخدام الخامات الملائمة والملهمة في شغل الفراغ المسرحي، خاصة مع التركيز الشديد الذي اكتنف العرض -حيث تصل مدته إلى 12 دقيقة فقط-.

إن تميز العرض سينوغرافيًّا يبدو جليا في استخدام خامة تشبه المسحوق الأبيض بتلك القدرة الإبداعية التي زاوجت بين الجسد والطاقة في نسق سهل ممتنع، والمشاهد لا يستطيع الانفلات من تلك التكوينات التجريدية التي يراها في النهاية ملتصقة بأجساد رقيقة لتصنع أشكالا تجسد معاناة الإنسان. وبالنظر الدقيق نجد العرض قد زاوج بين إظهار العلاقة بين الروح والجسد، وبين أثر النحت المعاصر الذي يمثله الكادر الثابت والمتوتر في اتجاه الحركة؛ فالانتقال من الثبات إلى الحركة يستفيد من المدارس التشكيلية المعاصرة في تجربة تثبت أن إشباع المتفرج لا يتحدد بزمن العرض إذا ما اتخذ هذا العرض غاية فنية وعمل على الوصول لها.

وعروض أخرى…

كان العرض اللبناني "لوسي المرأة العمودية" * للمخرج روجيه عساف من أهم العروض التي قُدمت في تجريب مشترك بين النص والجسد عبر عرض استرجع سكان المقابر منذ المرأة الأولى التي سارت على قدمين قبل ثلاثة ملايين عام (عثر على هيكلها العظمي بالهضبة الأثيوبية)، وامرأة فلسطينية قُتلت في إحدى المجازر في الحرب اللبنانية في حوارية تسعى فيها المرأة الفلسطينية من كثرة ما مر فيها من الآلام إلى محاولة قتل لوسي قبل أن تنجب بداية الجنس البشري، ولكنها تتراجع قبل أن يأخذ مخططها مداه، وتقوم بدلاً من ذلك بتشجيع وتعليم لوسي الإقبال على الحياة.

وأما العرض المغربي "التسرسيرة" لفرقة أفق للمخرج يوسف الريحاني الذي أعد المسرحية عن النص الفرنسي "قاعة الانتظار" لكلود بروسولو؛ فقد تطرقت أحداثه إلى العولمة التي تسعى إلى مكننة البشر وتحويلهم إلى أرقام تتحرك وفق برامج محددة دون أية ملامح إنسانية خاصة تميزهم.

تدور الأحداث داخل قاعة انتظار مرسومة على شكل لوحة الشطرنج يدخلها الإنسان كرقم، ويدخل المؤسسة ليخرج منها دون ملامح باستثناء رجل واحد يتحدى قاعة الانتظار بجلوسه فيها ورفضه دخول مكتب رئيس المؤسسة الذي يعمل على برمجة البشر، ويشكل رفضه ذلك نوعًا من التمرد يتم القضاء عليه من خلال توليته نفسه مسؤولية المؤسسة فيتحول بدوره إلى مبرمج للبشر.

أغلق المخرج بهذه الصيغة بوابة الأمل المفتوحة أمام البشر في نوع من الدعوة إلى التمرد عبر الأداء الجماعي وليس الفردي فقط.

وضمن التجريب على النص قدمت المخرجة المصرية عبير علي عرض "ميدان سكيتش" الذي أعدته الفرقة عن نص لبيتر هاندكة "الساعة التي لم يعرف أحد منا شيئًا عن الآخر" سخرت فيه المخرجة والفرقة من الواقع العربي الرسمي؛ وذلك من خلال مجموعة "كورس" تؤدي الأغاني الأكثر ذوقًا وإنسانية في الناتج الثقافي العربي مقارنة مع الإعلام الرسمي عبر الراديو والتلفزيون.

وعلى هامش ذلك هناك عروض أخرى أقل قيمة، ولكنها مجتمعة تشكل بداية تؤكد على مدى تأثير الأحداث الجارية السياسية على الحياة المسرحية؛ بحيث جاءت غالبية العروض العربية ضمن هذا السياق بعكس السنوات السابقة؛ حيث كانت المواضيع المسيطرة هي تلك المتعلقة بالمرأة وبالإنسانيات بشكل معزول عن السياسة والواقع المحيط.

تابع فى نفس الموضوع:


ناقد سينمائي  

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم