English

 

الأحد. سبتمبر. 22, 2002

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

(في الدورة الرابعة عشرة لمهرجان المسرح التجريبي)

لير وهاملت.. في عباءة عربية

رياض أبو عواد

في عرض المهرجان كلنا شيلوك
في عرض المهرجان كلنا شيلوك
طغى الهم السياسي على غالبية عروض الدورة 14 لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي على الصعيدين الدولي والمحلي، فتطرقت العروض إلى السياسة الدولية بعد أحداث 11 أيلول سبتمبر، وحمل بعضها الآخر الأوضاع العربية المحلية القطرية، وتلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية والعراق.

وكان واضحًا أن التردي الشامل في الأوضاع العالمية كان له تأثيراته على العروض العربية أو العروض التي قدمها مخرجون عرب في الوقت الذي ارتفع فيه سؤال صراع أو حوار الحضارات في بعض العروض الأجنبية، وانحيازها إلى الجانب الإنساني كأساس في مواجهة الهيمنة الأمريكية.

ورغم أن الجزء الأكبر من العروض لجأ إلى الموضوع السياسي فإن عروضًا أخرى لجأت إلى طرح مجموعة من الأسئلة الوجودية الكبرى، مثل علاقة الإنسان مع الدين، وعلاقة الإنسان بالإنسان وبالوجود نفسه، وبسبب تنوع العروض اخترت الكتابة عن المسرح السياسي في العروض العربية أو تلك التي أخرجها عرب يعيشون في المهجر.

مسرح شكسبير.. احتضان الهم

هاملت الذي اجتذب المسرحيين على مر العصور كان حضوره فائقا في المهرجان 

استندت أبرز العروض التجريبية (على النص) والمشاركة في الدورة الحالية على مسرحيات الكاتب المسرحي الإنجليزي وليم شكسبير، وكانت بغالبيتها محاولات عربية؛ اثنتان منها لمعدين ومخرجين عرب قدمتهما فرق أجنبية، وهما "مؤتمر هاملت" لفرقة زوام الإنجليزية، و"تاجر البندقية" لفرقة هولندية، والثالث عرض مصري متكامل.

ركز العرض الأول "قمة أو مؤتمر هاملت" لمؤلفه ومخرجه الكويتي سليمان البسام على حرب الخليج في الصيغة الأولى التي قدمها في الكويت وبريطانيا قبل عامين، وقد قام بتجديد عرضه للمرة الثانية بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وحول فيها شخصيات هاملت الشكسبيرية إلى شخصيات عربية ترتدي اللباس العربي التقليدي في المشهد الابتدائي؛ للإيحاء بأن ما يدور على خشبة المسرح ينطلق أساسًا من المنطقة العربية.

ولكن سرعان ما يزول ذلك لتبدأ الأطر العصرية بالظهور ليقدم شخصية العمل بالشكل الديكتاتوري الذي يوحي بشخصية صدام حسين، وليحول هاملت تدريجيًّا من الشخصية الشكسبيرية إلى شخصية "الإرهابي" الثوري الإسلامي لمواجهة الاستبداد والظلم الذي وقع عليه من عمه قاتل أبيه، ومن أمه التي تزوجت من قاتل زوجها.

ويقدم المخرج شخصية تاجرة السلاح، وهي هنا عبر أكثر من إيحاء قدمه المخرج في المشاهد التصويرية المرافقة تمثل الولايات المتحدة الأمريكية، ويجعل جميع المحيطين بها يجرون وراءها طالبين ودها.

وقد هاجم البسام عبر هذا التطوير الأنظمة العربية الاستبدادية بتقديمه الإطار التقليدي، واعتبار صدام حسين نتاجًا لذلك، إضافة إلى مهاجمة سياسة الدول القوية عبر تاجرة السلاح التي تتصرف بشكل كامل ومهيمن.

مشاهد مصورة وفاضحة!!

وكان للديكور البسيط وهو عبارة عن بضعة مكاتب يجلس ويتحرك من خلالها الممثلون أثناء عقد اجتماعاتهم التي تستهدف إنقاذ الأرض ليتبين أن كلا منهم يسعى للإبقاء على حساب الآخرين وضمانته بما في ذلك تاجرة السلاح التي تعطي لكلٍ شعورًا خاصًّا بأنها ستكون إلى جانبه.

وقد عكس مضامين عرضه عبر تقنية يمتزج فيها التصوير السينمائي بكاميرات خاصة وشاشات يعرض عليها المشاهد المرادة ضمن رؤية خاصة يدخل الممثلون الموجودون على الخشبة كجزء من الصورة باستخدام انعكاسات ظلالهم على الشاشة ممتزجة بالمشهد نفسه.

ويأتي المزج بين الشخصية والمشهد المصور أساسًا جديدًا لهذه التقنية التي بدأت تظهر كجزء من التجديد في الإخراج المسرحي، شاهدناها في بعض العروض في السنوات الأخيرة، إلا أن البسام استخدمها في فضح شخصياته؛ حيث يربط مثلا بين ما يدور من صراع بيّن في منطقة الخليج وصورة احتراق آبار النفط الكويتية التي أشعلها صدام حسين أثناء حرب الخليج الثانية.

وكذلك يربط تحولات هاملت عبر مشاهد متعددة تعكس نفسها على شاشة العرض تظهر الممارسات الأمريكية التي دفعت به للتحول إلى إرهابي متمسك بالحفاظ على جذوره حتى لا يذوب في عالم لا يرحم.

واستطاع البسام بتقنيته التي تحول الشخصية إلى جزء من المشهد المصور، وتحول المشهد المصور إلى بطل فاعل يؤثر بالتطور الدرامي وأبطاله إلى فعل سياسي يفضح ما يجري في المنطقة، ويحمل الأطراف المختلفة مسئوليتها تجاه المصير الإنساني للعرب والمجتمع الإنساني بصفة عامة.

تاجر البندقية.. الجميع يصبح "شايلوك"

ومن جهتها ركزت مسرحية "تاجر البندقية" التي أعدتها وأخرجتها السورية المقيمة في هولندا "علا مفعلاني" على تحول الرأسمال الربوي الذي أدانه النص الأساسي (الشكيسبيري) إلى رأس المال المهيمن الذي تدينه المخرجة مفعلاني.

يدخل المشاهد أجواء المسرحية منذ البداية على أساس كسر الوهم بين خشبة المسرح والمشاهد من خلال إنارة القاعة بطريقة إضاءة خاصة ذات تقنية عالية استُخدم فيها نوع جديد من المعدن ليعكس الإنارة من على الخشبة لإضاءة القاعة وجمهورها بما يعنيه ذلك من المطالبة بالتركيز على ما يدور على الخشبة والتواصل بين طرفي العمل (الخشبة والجمهور).

أثناء ذلك يقوم الممثلون بلعب "القمار" على طاولة تتوسط المسرح تحت ظلال برج مرسوم بطريقة توحي بأحد برجي مركز التجارة العالمي لتوحي بانتقال عالم شكسبير في مسرحيته بشكل كلي إلى عالم تحول فيه الجميع إلى شخصية شايلوك اليهودي.

بما في ذلك النماذج المدافعة عن البعد الإنساني في العصر الشكسبيري التي يمثلها بشكل كبير مكانيًّا مدينة البندقية، وإنسانيًّا شخصية أنطونيو الذي يضمن بلحمه قرض صديقه من المرابي اليهودي.

هذه التغيرات التي أضفتها مفعلاني على شخوص ومكان وزمان المسرحية، وتحويلهم إلى مقامرين يسعون وراء مكاسبهم الخاصة، ودمجهم بشخصية المرابي اليهودي شايلوك - تحمل إدانة صارخة لزماننا المعاصر الذي يهيمن عليه الأمريكيون، فيقتُل الرأسمالي والاحتكاراتُ كل ما هو إنساني.

"لير" العربي.. فتت الوحدة

لير في عرضه العربي عكس مفهوم تفتيت الوحدة 

وتأتي مسرحية "لير.. بروفة جنرال" للمخرج والمؤلف سامح مهران لفرقة مسرح الشباب خاتمة التجريب العربي السياسي على المسرح الشكسبيري، عمل خلالها المخرج على عكس ونقض شكسبير من خلال فكرة الوحدة؛ فقد وقع الملك في النص الشكسبيري في تناقض بين فكر العصر التوحيدي الذي ساد أوروبا تلك الفترة والفكر الذاتي والعلاقات الشخصية الأسرية؛ فقام بتفتيت مملكته والأمة التي يقودها؛ مما قاد إلى التهلكة التي ألمّت بالأمة وخسارة الملك نفسه وكل شيء أمام مطامع ابنتيه.

وعكس مهران الصورة بتطرقه إلى وضع مفتت يقوم بفضحه بدعوة غير معلنة إلى الوحدة، وذلك عبر السخرية من الواقع العربي القائم، وتعرية الفساد والاستبداد والديكتاتورية التي تمارسها الأنظمة العربية والواقع العربي بمستوياته الاجتماعية المختلفة.

واستطاع مهران باستخدامه تقنية بناء مسرحية داخل مسرحية، والانتقال بين النص الشكسبيري والنص المحلي ضمن مستويين مستوى العرش ومستوى القاعدة بما يحمله هذا الانتقال من سخرية رغم فقر الإمكانات والديكورات المستخدمة في العرض.. أن يصل في النهاية إلى القضاء المبرم على البراءة والإنسانية التي أبقاها شكسبير في مسرحية الملك لير عبر شخصية أصغر بناته بتحويل الفتاة الصغرى في الواقع المعيش إلى فتاة شوارع.

وذلك من خلال تسليط الضوء على إظهار الأمة العربية مفتتة ومنهارة خلال المشاهد؛ حيث يظهر الجانب الأناني للجميع في تغليب المصلحة الفردية والقطرية.

تابع فى نفس الموضوع:


ناقد سينمائي  

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم