|
| شين بن أو سام اجاد دوره
|
شاهدنا في دور العرض بالقاهرة مؤخراً فيلمين من الأفلام الأمريكية الحديثة، هما هوية بورن أوThe Bourne Identity بطولة مات دامون، والسيد ديدز أو Mr. Deeds بطولة آدم ساندلر ووينونارإيدر. وأتى مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ 26 ليقدم لنا الفيلم الأمريكي الثالث "أنا سام" I am Sam من بطولة شون بن وميشيل فايفر وداكوتفاننج ومجموعة من البشر متحدِّي الإعاقة الذهنية، وهو من نوعية سينمائية أخرىGenre ، ورغم أن الأفلام الثلاثة متباينة تماما فإنها تنحو نفس المنحى، وهو إعادة النظر في الحالة المادية الزائدة والمفرطة التي تسود العالم الآن. فهل حقًّا هناك اتجاه إنساني وروحاني في السينما الأمريكية؟
دعونا أولا نستكشف العلاقة بين السينما الأمريكية والجمهور؛ إذ يمكننا القول بأن عبارة "هذا ما يريده الجمهور" تلخص تلك العلاقة.
ورغم أن هذه العبارة سيئة السمعة وتستخدم للتدليل على ضعف الفيلم فنيا فإنها عبارة حقيقية تدل على جانب هام من جوانب السينما، وهو أنها صناعة تقدم منتجا لجمهور معين، ويجب أن يتفق هذا المنتج والسلعة مع ذوق هذا الجمهور كي تربح الصناعة.
شباك التذاكر.. أداة تحليل
والسينما في أمريكا لا تعتمد على دعم الدولة أو شبكات التلفزيون، ولكن على نقود الجمهور الذي يذهب لشباك التذاكر، ولذا نستطيع أن نستخلص وبقدر عال من الدقة ذوق الجمهور الأمريكي واتجاهاته من تحليلنا لخطاب الأفلام الأمريكية في فترة معينة من الزمن، ومن ثم يمكننا الربط بين المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في هذه الفترة والسينما المنتجة في الفترة نفسها.
وعلى سبيل المثال فقد انتشرت أفلام عُرفت باسم الأفلام السوداء أو Film Noir وهي تعبر عن الجريمة والاضطراب والاكتئاب، وكان ذلك في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، ومعها ظهرت الأفلام المدعوة بالشعبية أو التي تدعو لدور أكبر للجمهور في الاقتصاد، وكلها تعبر عن فترة ما بعد الكساد العظيم سواء في الاتجاه السلبي (الأفلام السوداء) أو الاتجاه الإيجابي (الأفلام الشعبية).
ولو أخذنا مثالا آخر أقرب زمنيا وأكثر التصاقا بالأفلام التي نتكلم عنها سنجد أن السينما الأمريكية في الثمانينيات وأوائل التسعينيات قدمت مجموعة كبيرة من الأفلام العنيفة والدموية والمليئة بالجنس غير المبرر، مثل: "توين بيكس" لدافيد لين، و"الغريزة الأساسية"، ومجموعة أفلام شوارزنجر العنيفة مثل "يوم القيامة" وDooms Day وغيرها، فإن هذه الأفلام إنما تعبر عن حالة اللاجدوى واليأس والإحباط التي اعترت المجتمع الأمريكي، وخاصة مع التدهور الاقتصادي الذي شهدته الولايات المتحدة الأمريكية في الثمانينيات وارتفاع معدلات البطالة، ومع التغير العلمي والتكنولوجي في المجتمع ذاته. ولذا تأتي أفلام العنف والدم والقسوة والجنس معبرة عن حالة التشظي التي نتجت عن هذه الأزمة الاقتصادية التي جاءت مع سياسات حكومة ريجان والإنفاق المتزايد على البرامج الحربية مثل برنامج "حرب الكواكب"، ويمكننا الحديث عن أفلام هذه المرحلة بوصفها أفلام "ما بعد الحداثة الأولى" حيث الرسالة التي يريدها الجمهور هي: "كل شيء مباح، وكل شيء وفقا للمزاج الفردي".
في 1995.. تغيير نحو القيم
هذه الحالة الجماهيرية التي لبتها تلك الأفلام لم تستمر؛ فالمجتمع الأمريكي تغير؛ فعلى المستوى الاقتصادي حدثت حالة من الرخاء وانخفضت البطالة، وانتعش الاقتصاد في مجالات عديدة، وخاصة مع ظهور الإنترنت والمجتمع الإلكتروني. وقد أثر هذا على مزاج الجمهور بشكل إيجابي وتصاعدت الأصوات تطالب بنوعية أخرى.
ومثّل عام 1995 نقطة مفصلية مع المرحلة الأولى حيث بدأت الأفلام الأمريكية تتجه نحو الكلام عن القيم الأسرية والقيم الإنسانية، وفسرها النقاد وقتها على أنها عودة للرومانسية، وخاصة مع فيلم “Titanic” "تيتانيك" الذي اعتبر نقطة التحول.
وقد تسأل: لماذا عام 1995؟
اللافت للنظر أن هذا العام شهد ذروة النجاح الاقتصادي للإدارة الديمقراطية لكلينتون مع تراجع للاقتصاد الأوروبي عامة والألماني والياباني خاصة، أي لمنافسي الولايات المتحدة. ومع كل هذه المؤشرات الاقتصادية الإيجابية كانت ثمة مؤشرات سياسية تبدو إيجابية، فقد حدث انفتاح على صعيد الشرق الأوسط (أوسلو وما بعدها، وشهد هذا العام أيضا انفتاحا على الجبهة السورية/ اللبنانية/ الإسرائيلية)، كما انتهت الحرب في البلقان باتفاقية "دايتون" التي هي صناعة أمريكية، وبدا أن الولايات المتحدة في سبيلها لإقرار "السلام الأمريكي".
كل هذه المؤشرات التقت مع تصاعد دور الأمم المتحدة والمجتمع المدني، أي فكرة الفرد المؤثر في العالم السياسي والاجتماعي المحيط، وظهور فكرة المشاركة والدور الإيجابي الذي لعبته الجماعات المدنية الأمريكية في قضايا عديدة مثل الإجهاض، وأيرلندا الشمالية، والهجرة، والحقوق المدنية، إلى غير ذلك.
كل هذه العوامل أدت إلى جو من التفاؤل، وإعادة التقييم داخل المجتمع الأمريكي، وازداد الاهتمام داخل المتفرج الأمريكي بالأفلام التي تقدم هذه النوعية من الأمل والقيم كقيمة أساسية بصرف النظر عن النوعية السينمائية.
نستطيع الآن أن نجيب على الأسئلة السابقة: نعم، هناك اتجاه إنساني وروحاني في السينما الأمريكية المعاصرة، ويرجع هذا الاتجاه إلى رغبة الجمهور الأمريكي أولا وأخيرا، وحاجته إلى ظهوره في الأفلام التي يشاهدها، ويدفع ثمنها أي يستهلكها. بمعنى أن الجمهور الأمريكي حاليا مستعد تماما لتقبل قضايا إنسانية وروحانية، بل لنقل: متعطش لهذا، وتلك قضية ينبغي الانتباه إليها. كيف ذلك؟
من "بورن" إلى "سام"
دعونا نحلل الأفلام التي ذكرناها: "هوية بورن" ينتمي إلى تلك النوعية من الأفلام التي نسميها "أفلام الحركة"، حيث جاسون بورن (مات دامون) عميل سري في برنامج للمخابرات الأمريكية، مطلوب منه أن يقتل ديكتاتورا أفريقيا مخلوعا أصبح مصدر قلق لقادة المخابرات بسبب تهديداته المتلاحقة لهم بأن يعيدوه للحكم أو يفضحهم. المطلوب هو قتل الرجل بحيث تنسب الجريمة لحكومة بلاده الحالية، أي جريمة قتل نظيفة!!
بورن ينجح في الوصول إلى الرجل في يخته، لكنه لا يستطيع قتله لأن الرجل كان مع ابنته الصغيرة، يطلق الرجل الرصاص على بورن وينجح الأخير في الهروب من اليخت، ولكن بورن يفقد وعيه في الماء، وينقذه قارب صيد، ويكتشف أنه فاقد للذاكرة، ويبدأ الفيلم ببحث بورن عن هويته أو ميلاده الجديد من البحر، حيث يلتقي بشابة سويسرية تحاول الخروج من حياة الفشل التي تحياها، ويتعرضان معا لمطاردة البوليس وعملاء المخابرات، وينجح بورن في التصدي لهم، ويبدأ في استعادة خيوط ذاكرته حتى يلتقي في النهاية بقائده المباشر فيتذكر ويختار أن يترك هذه الوظيفة أو المهنة المدمرة. إنه يختار أن يولد من جديد، ونراه يذهب للفتاة التي أحبها وينسى كل شيء عن حياته السابقة.
الرسالة الضمنية هي: هناك دائما فرصة ثانية، ويمكن دائما أن نتوب عما اقترفناه من معاصٍ. وهي رسالة روحانية كما نرى، ولكنها تصل إلى الجمهور الأمريكي من خلال فيلم الإثارة والحركة.
ولو انتقلنا إلى فيلم "السيد ديدز" فسنجد أنه ينتمي إلى نوعية أفلام الكوميديا الصارخة أو "الفارس"، وهو يحكي قصة ذلك الفتى القروي "لونجفلوديدز" أو ديدز، كما يناديه كل الناس في قريته النائية، الذي يرث عم أمه الملياردير الكبير وملك صناعة الإعلام وصاحب الإمبراطورية الإعلامية الهائلة.
ديدز يصل لنيويورك محملا بكل قيم القرية من الصداقة والصدق وكراهية المادية والإحساس بالرغبة في الحلم والبراءة، وكلها تظهر في كتاباته الشعرية البسيطة. مديرو الشركة يحاولون شراء الشركة منه ليتمكنوا من بيعها وتقسيمها والحصول على ربح كبير فيها دون النظر للعاملين بها، فالمهم هو المال.
محطة تليفزيون منافسة ترسل فتاة جميلة للتعرف على هذا الشاب لتقديم صورته للناس، وتتم عملية تشويه كاملة لصورة ديدز البريئة ليتحول إلى صبي تافه مجنون غني لا يأبه للشر.
ديدز يغير حياة كل من حوله بأعماله، فهو اسم على مسمى (ديدز Deeds بالإنجليزية تعني أفعال) وتقر الإعلامية أن تعترف لديدز بأنها تحبه، ولكن يتدخل الأشرار، كما في كل الأفلام من هذه النوعية، ويفضحونها ويصاب ديدز بأزمة نفسية ويبيع حصته ويرحل لبلدته.
لكن التغير قد حصل!! وهكذا ترحل الفتاة إليه وتشجعه ويعودان سويا لمواجهة الأشرار والانتصار عليهم لأن القيم النبيلة دائما تنتصر.
الرسالة الضمنية في الفيلم بسيطة للغاية، بل إنها قيلت مباشرة في مشهد المواجهة النهائية في الجمعية العمومية للشركة: "دعونا نعُد لأحلام الطفولة والبراءة".
مرة أخرى الرسالة إنسانية وروحانية بصرف النظر عن القصة أو النوعية.
أما الآن فنعود إلى فيلم مهرجان القاهرة 26 "أنا سام" الذي ينتمي لنوعية الأفلام الاجتماعية عن البشر ذوي المتطلبات الخاصة. (في حالتنا هذه البشر متحدو الإعاقة الذهنية، وهي نوعية جديدة ظهرت بشكل خاص مع تزايد اهتمام المجتمع بكافة أفراده. ومع تغيير فكرة السواء السخيفة التي طرحت بشدة مع أفكار الحداثة في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وأدت إلى إنتاج الأفكار الشمولية كالفاشية والنازية، وهي نوعية "ما بعد حداثية" حيث الإنسان إنسان في كل الأحوال، ويجب الاهتمام به بصرف النظر عن قدراته الذهنية أو الجسدية).
في فيلم "أنا سام" البطل هو الممثل والمخرج الأمريكي "شوت" ابن بطل فيلم "رجل ميت يمشي"، وميشيل فايفر النجمة الأمريكية الكبيرة، ومعهما مجموعة من الممثلين من متحدي الإعاقة الذهنية.
والفيلم يتحدث عن قصة "سام داوسون" الذي يحاول أن يربي طفلته بعد أن تركتها أمها، وعمله جرسون في كافتيريا. ويعكس الفيلم حبه للناس وعلاقته بأصدقائه، وكيف تكبر الطفلة ويتجاوز عمرها العقلي عمر والدها، وكيف يسبب هذا مشاكل دراسية واجتماعية لها! وكيف تتدخل إحدى المشرفات مطالبة بأخذ الطفلة من والدها كي تُمنح فرصة أفضل في النمو! وكيف يقرر سام وأصدقاؤه الدفاع عن طفلته والذهاب لمحامية كبيرة تعيش حياة ناجحة وتتورط في الدفاع عن سام من أجل إثبات أنها ذات نفسية خيرة وتقبل القضايا المجانية، وكيف تتعلم المحامية من سام الحب والصدق والتعامل البسيط والإنساني حتى إنها تقتنع أن الحيل القانونية ليست مهمة، ولكن المهم هو الإيمان بالعدالة السماوية التي هي العدالة الحقيقية. المحامية تتعلم من سام، وتستفيد منه أكثر مما يستفيد منها.
"سام متحدي الإعاقة" يعلم الجميع الحب والصدق والبساطة. وينتهي الفيلم بسام يحكم مباراة لكرة القدم تلعب فيها طفلته والكل فرح بهما، فالحب قد انتصر.
في الفيلم تحليل للعلاقات الأسرية في نموذجي الأسرة البسيطة للأب وابنته، والأسرة الناجحة الغنية للأم المنشغلة دائما والأب المنشغل دائما والابن الذي يعتقد أنه مهجور من الجميع أيهما أكثر صدقا؟ وأكثر صحة؟
والقصة مرة أخرى انتصار الضعيف على القوي، الفرد على المؤسسة، ومرة أخرى تكتمل عناصر الفيلم لتلبي رغبة الجمهور في الحصول على الأمل والشحنة الروحية.
رسائل روحانية عميقة، وقيم إنسانية أساسية تمثل الرسالة الضمنية لهذه الأفلام ويتقبلها الجمهور حيث المجتمع بكل مجالاته يدفع في هذا الطريق.
الفرد الأمريكي الآن يحيا بشكل مريح نسبيا على المستوى الاقتصادي، ويشعر بخواء سياسي وانعدام ثقة في السياسيين، وتجلى هذا في الانتخابات الأخيرة غير الحاسمة، فالرئيس الحالي غير منتخب بالأغلبية، ولكنه نجح لانسحاب المنافس، والأهم من كل هذا الإحساس المتزايد بالحاجة للتقارب مع الآخر والحاجة لملء الفراغ الروحي الذي نتج عن المادية التعاقدية المفرطة. وهكذا تعطي السينما للجمهور ما يريده لأن "هذا ما يريده".
|