|
| جنين مذبحة توثقها شرائط السينما وشواهد القبور
|
جنين (فلسطين)- في عالم الفن السابع العجيب تتكلم الصورة بإخلاص، وتضفي الموسيقى مسحة تحرض الجميع على المتابعة، ويعطي اللون للحدث واقعية، وتخلد الصورة في الذهن مع مزيد من الاندماج والارتباط.
في اليوم الثامن عشر من اجتياح الجيش الصهيوني لمخيم جنين في نيسان الماضي اختتم أحد المسؤولين الصهاينة حديثه معلنا تخوفه وقلقه الشديدين مما حدث قائلا: إن الفلسطينيين سينتجون مما حدث في المخيم فيلما سينمائيا!!
ومن فترة خرجت الأمم المتحدة علينا بتقرير حول مذبحة جنين التي قُتل فيها حوالي (58) فلسطينيا، وهُدم حوالي (400) منزل، لتساوي بين المجرم والضحية.. القاتل والقتيل.. المعتدي والمعتدى عليه.
كان الموقف الفلسطيني رافضا لمضمون التقرير متسائلاً: كيف تم إعداد التقرير طالما لم تأت أي لجنة تحقيق أصلا بعد رفض إسرائيل السماح لها بالدخول وإجراء التحقيقات اللازمة؟!! ولا يخفى على أحد أن مواقف كهذه تبقى خجولة؛ وبالتالي لن تستفيد الضحية والمخيم إلا مزيدا من أكوام الرفض والكلمات التي أصبحت هي أيضا جوفاء وفارغة من أي محتوى.
"37 دقيقة" الرد الكامل
أما الموقف الثاني فقد جاء على شكل صور، الصور هذه المرة كونت فيلما تسجيليا فلسطينيا خالصا "جنينغراد.. الشاهد والشهيد" الذي أخرجه المخرج فراس عبد الرحمن، وكان من إنتاج قناة فلسطين الفضائية، وعُرض عليها وفي كثير من المراكز والورش الفنية، والنتيجة التي يدركها المقارن بين موقفين لا مجال للشك فيها. فالفيلم الفلسطيني وفي (37) دقيقة فقط أعطى الرد والصورة الكاملة والإدانة الكاملة، ليس فقط للتقرير بل للعالم المتعولم الذي قلب معادلة الحق والعدالة.
فيلم جنينغراد خرج إلى النور بعد عمل ومجهود كبيرين، وصور وكلمات الـ (37) دقيقة اختيرت من بين آلاف الصور وملايين الكلمات، فتبدأ أحداث الفيلم منذ بداية الجريمة والمجزرة بجنازير الدبابات التي هرست الشوارع، ودمرت كل شيء، وتسير الصورة مع الحدث لتتماشى مع الموت والجرح والدم والتراب، فتكون الحقيقة الناصعة خارجة من أفواه الناجين بأعجوبة من الموت الذي فتح شهيته عليهم طيلة 18 يوما، فتُروى التفاصيل مع صوت الرصاص والقذائف ليظهر الدمع والخوف وكتل العذاب والمرارة.
تتسلسل الأحداث مع تسلسل الجريمة يوما بعد يوم، من الخامس إلى الثامن، وحين يقرر العدو تدمير البيوت في اليوم الثاني عشر و"تطهير" المخيم، ثم دخول بعض طواقم الإسعاف في اليوم الثامن عشر. تتكشف الجريمة وتخرج الجريمة من عمق الصورة ومن أفواه الدهشة والبيوت التي أصبحت أثرا بعد عين.. فتخرج الكلمات مندمجة مع الصورة لتسرد تاريخ الحكاية والموت والأسطورة بدون إضافات بل بواقعية حتى الصميم.
اعتمد الفيلم في دقائقه على تسجيل الأحداث، وعلى شهادات الناجين من المجزرة أطفالا وشيوخا ورجال، ونقل على ألسنتهم الرعب والعذاب وشعور الموت والحياة إضافة إلى الشهادات من طواقم الإسعاف واللجان الدولية والموفدين ومسئولي منظمات حقوق الإنسان وبعض تصريحات القادة الصهاينة، بمرافقة موسيقى تصويرية أدخلت الرهبة وشعور الموقف إلى قلوب الملايين.
هفوات بين الدمار والمقاومة
يمكن أن نعتبر الفيلم عملا سينمائيا تسجيليا، ونشكر الجهود التي أخرجَتْ مثل هذه الإدانة الواضحة، لكن المتمعن فيه يكتشف بعض الهفوات فيما لو ركز عليها لخرج إلى النور بشكل أفضل، ولا سيما أن عملا فلسطينيا يجدر به أن يحتوي الإبداع والتميز إلى أبعد حد.
الفيلم بُث على القناة الفضائية، وكان غير مترجم إلى أي لغة أجنبية، وعلمت في وقت لاحق أن هناك نسخا باللغتين الفرنسية والإنجليزية -نرجو ذلك- فهذا دليل اهتمام بالرأي الآخر، فنحن لا ننتج أفلاما لأنفسنا بل للعالم الذي نحاول أن نخاطبه بلغته.
أما على صعيد المادة الإعلامية التي تعاطى معها الفيلم فقد اعتمدت على إحصاءات خاطئة مثل اعتمادها عدد الشهداء بالمئات، بينما الإحصاءات الجديدة تؤكد أن العدد هو (57) شهيدا فإذا أدركنا أن الكثير من الدول الأجنبية ستتعاطى مع هذا الفيلم فسنكون عندها في موقف لا نُحسد عليه، وسترتسم صور "الكذب" أمام عيون العالم الذي سيفقد مصداقيتنا، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن مادة الفيلم إنما تعد وثيقة تاريخية مهمة للأجيال اللاحقة.
ومن ناحية أخرى يلحظ على العمل تركيزه وغلبة المشاهد التي تعكس المعاناة والدمار والحزن والعذاب… إلخ، وهذا بحد ذاته لا يعد نقيصة في الفيلم المذكور، وإنما فقدان التوازن بينها وبين صور المقاومة والبطولة هو ما يعيبه، فظهرت المقاومة عبر صور قليلة معدودة كأن الفلسطيني الذي يعاني من الإحباط والضغط وانخفاض المعنويات بحاجة إلى مزيد من الحزن والبكاء، مع العلم أن المقاومة الأسطورية في المخيم قدمت صورة رائعة من البسالة والتضحية والمقدرة على المقاومة والصمود.
وأخيرا.. كان الفيلم عبارة عن عملية تجميع لقطات لمشاهد عُرضت وشوهدت على أكثر من قناة فضائية مع بعض المشاهد الجديدة القليلة، ولشهادات قوية نسبيا، مع إيماننا أن هنالك الكثير من الشهادات والأحداث التي ما زالت مخبأة في الصدور تستطيع أن تجذب وتشد أكثر. فكان من الأفضل في عمل فلسطيني خالص أن يبحث عن الجديد والمميز بحيث يعرض ما لم يُعرض، ويقتنص ما لم تقتنصه كاميرا أخرى.
فيلم "جنينغراد…" دخل المعركة الإعلامية والأخلاقية أسوة بغيره من الأفلام التسجيلية ليشكل إدانة واضحة وأداة قوية للمساعدة في توثيق التاريخ، وتأكيد خيط الدم الذي ما زال يسيل إلى الحرية.
وأخيرا.. وبإجمال الحال والواقع تبدو السينما الفلسطينية مجرد محاولات تنمو ببطء وبمتابعة مفقودة من المواطن الفلسطيني الذي يعاني مما تعجز الجبال عن حمله من احتلال وحصار وتدمير، لتصبح السينما شيئا ثانويا أمام قطعة الخبز التي يُحرم منها، ويركض إليها كحريته المسلوبة.
تابع في نفس الموضوع:
ناقد فني ومحرر في النطاق الثقافي والفني في شبكة إسلام اون لاين.
|