|
| أفلام عند نقاط التفتيش
|
في سابقة هي الأولى من نوعها قام الكيان الصهيوني بمنع عرض فيلم "جنين.. جنين" الذي أخرجه المخرج العربي محمد بكري من بلدة بعينة النجيدات في فلسطين المحتلة عام 1948.
وقد أثار الفيلم الوثائقي الذي يتحدث فيه شهود عيان من مخيم جنين عن المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال في نيسان (إبريل) الماضي 2002 بحق سكان المخيم، والتي أسفرت عن مقتل العشرات منهم، وهدم أجزاء واسعة منه -نقاشا حادًّا داخل الدولة العبرية، لا سيما بين مخرج الفيلم وعدد من الأوساط اليسارية من جهة والحكومة الإسرائيلية وأحزاب اليمين من جهة أخرى، كما وضعت قضية الديمقراطية الإسرائيلية التي طالما تغنت بها الدولة العبرية واعتبرت نفسها واحة لها وسط صحراء الديكتاتوريات العربية في المنطقة على المحك.
جنين في المحكمة الإسرائيلية
ويعترف مخرج الفيلم الفنان محمد البكري بأنه لم يرد كشف زيف ادعاءات الدولة العبرية بأنها دولة ديمقراطية، بل إن إنسانيته وشعوره القومي الفلسطيني هو الذي دفعه إلى إخراج هذا الفيلم؛ إذ أراد منه تقديم شيء إلى شعبه في مخيم جنين بعد أن عجز عن تقديم أي مساعدة خلال الاجتياح الإسرائيلي للمخيم، مع أنه يقيم في بلدة لا تبعد سوى 30 إلى 40 كم عنه، ومع ذلك فهو لم يتوقع أن يلقى الفيلم كل هذه الضجة والمعارضة في داخل الدولة العبرية.
ويقول البكري: إن منع عرض الفيلم من قِبل الرقابة الإسرائيلية كان مفاجأة له؛ لأن تل أبيب تدعي أنها ديمقراطية، وإذا بها ليست كذلك، أو هي ديمقراطية محدودة، عندما تمنع عرض فيلم مثل فيلم "جنين.. جنين"، وتدعي أن الفيلم أحادي الجانب.
وهذه الحجة هي حجة وهمية؛ حيث إن جميع الأفلام التي تنتج على خلفية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في الدولة العبرية هي أفلام أحادية الجانب، ومع ذلك لم يُمنع عرضها حتى ما صُنع عن مخيم جنين وهو من عمل إسرائيليين مثل "يوميات جنين" لم تمنع الرقابة عرضه، و"هذا ما أثار دهشتي وشكَّل مفاجأة لي"، بحسب قوله.
وأكد أن منع عرض الفيلم من قبل الرقابة الإسرائيلية ليس آخر المطاف، مشيرًا إلى أنه سيتابع الموضوع قضائيا، وأنه تقدم بالتماس للمحكمة العليا يعترض فيه على موقف الرقابة الإسرائيلية، معربًا عن أمله في أن تحكم المحكمة لصالحه، لكن في حال إذا كان موقف المحكمة كحال الرقابة فسيكون ذلك مشكلة في عرض الفيلم، حيث سيتوقف عرضه.
وأوضح أن "أوساطا يسارية ودعاة سلام وفنانين وقفوا ضد قرار الرقابة، وطالبوا بعرض الفيلم رغم القرار، ولذلك أنا متأمل خيرا".
المنع بقرار شارون!
ورأى البكري أن منع عرض الفيلم جاء بقرار سياسي من رئاسة الحكم في تل أبيب، أي من رئيس الحكومة الإسرائيلية إريل شارون بالتحديد؛ فهو لا يريد أن تصل هذه الحقائق إلى الجمهور الإسرائيلي؛ حيث إنه هو المسؤول عن ارتكابها في مدينة جنين ومخيمها؛ لكي يضمن كرسيه في الانتخابات.
وأضاف أن "تزامن منع عرض الفيلم مع الانتخابات الإسرائيلية لم يأت صدفة، وإنما جاء بقرار سياسي واضح ومكشوف، ورغم ذلك فإنه سواء عرض الفيلم أو لم يعرض فمجرد الحديث عنه والضجة التي أثيرت حوله داخل الأوساط الإسرائيلية يمكن أن يكون لها تأثير على الانتخابات، فإذا سقط شارون وإن شاء الله سيسقط، فقد يكون بعض الفضل لفيلم "جنين.. جنين"، وهذا ما أرجوه.
وأشار البكري إلى أن من بين الأسباب التي تسوقها الرقابة في موقفها منع عرض الفيلم، أن الفيلم يزيف الحقائق تحت غطاء وثائقي، وهو ما يمكن أن يؤثر على الجمهور، كما تدعي أن الفيلم أحادي الجانب ويمثل وجهة نظر العدو الذي ما زلنا في حرب معه حتى الآن، فهي تعتقد أن هذا الفيلم يصور جنود الاحتلال كمن يقوم بجرائم مبرمجة وموجهة؛ لهذه الأسباب قررت الرقابة بالإجماع منع عرض الفيلم.
الفيلم.. بكائية السلام المفقود
ونفى البكري ادعاءات الرقابة الإسرائيلية، وقال: "ما تدعيه كاذب ومزيف للحقيقة الدامغة؛ فالفيلم ليس أكاذيب كما تدعي الرقابة، بل هو جملة كاملة من الحقائق على لسان شهود عيان عاشوا أسبوعين من الدمار الكامل والقصف بجميع أنواع الأسلحة، ما عدا الأسلحة البحرية؛ لأنه لا يوجد بحر قرب جنين".
وأضاف البكري أنني لم أتعمد صناعة ريبورتاج حول ما حدث في جنين، وما قمت به هو بمثابة رحلة في ضمائر وأحاسيس الناس وأحلامهم وأمانيهم تجاه ما أحسوا به خلال الاجتياح وما تمنوه؛ ولذلك فالفيلم هو بكائية حول حال هؤلاء الناس المعزولين والمضطهدين، والذين يبكون ذلك السلام المرتجى الذي طالما تمنوه، فهو يتحدث عن العقاب الجماعي الذي تمارسه إسرائيل، والذي يدفع ثمنه أناس أبرياء، وأنا لم أهدف إلى أن أصور الجنود الإسرائيليين كمجرمي حرب كما يدعون، وإنما أردت تصوير آثار هذا الاجتياح، وما أحدثه في المكان والزمان والنفس الإنسانية.
ما لم يصل في نشرات الأخبار
وأكد البكري قائلا: "لقد حاولت من خلال الفيلم إيصال ما لم يصل من خلال نشرات الأخبار، أي إيصال التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي قد تبدو أنها غير هامة للعالم أجمع؛ ولذلك لم أقصد تشويه الدولة العبرية كما يدعون، وإنما أردت إيصال نقطة أساسية هي معاناة هؤلاء الناس الذين وجدوا أنفسهم منذ 35 عامًا أو أكثر معزولين عن العالم، ولا توجد أي جهة تسمع أصواتهم، أو تهتم بشؤونهم، يعانون حياة المخيم، وبعد كل ذلك هذا النوع من الاجتياح الغاصب الذي لم يُبق حجرا ولا شجرا في مكانه".
وقال البكري: "إن موقف الرقابة الإسرائيلية، ولشدة غباء هذه الرقابة، وقصر نظر القائمين عليها والحمد لله، جعلت العالم بأجمعه ووسائل الإعلام بالتحديد تهتم بالفيلم، ومحاولة فهم لماذا منعت الرقابة الإسرائيلية عرض هذا الفيلم؟".
وأكد البكري أنه "بعد الضجة التي أثارتها الرقابة الإسرائيلية حول الفيلم كثرت الطلبات من الخارج لعرضه، وهناك استمرار في طلب الفيلم، خاصة من قبل وسائل الإعلام حتى في إسرائيل نفسها؛ فبعض قوى السلام تعرض الفيلم في عروض خاصة في أماكن مختلفة، احتجاجا على قرار الرقابة، بدون حضوري؛ لأنني إذا حضرت فقد أعتقل، ولا أريد أن أعتقل؛ لأنني أريد أن أكمل المشوار، ليس خوفًا من الاعتقال فلست أحسن من غيري من أبناء شعبي الفلسطيني، و "لكنني أخاف على الزمان الضائع، ولا أريد أن أضيع الزمان في الاعتقال، ولا أريد أن ينقطع الوصال بيني وبين العالم".
وحول موقف المجتمع الإسرائيلي من هذه القضية قال الفنان الفلسطيني: "إن بعض الأوساط اليسارية تقر بحق الشعب الفلسطيني، وترى في الاحتلال السبب في كل هذه الجرائم، وهؤلاء الناس يتعاطفون مع الفيلم، ولكن النسبة قياسا بالكم الكبير لعدد الإسرائيليين، لا تشكل شيئا كبيرا". وقال: "هذا الموقف يساعدني ويشجعني في إثارة هذا الموضوع أمام الرأي العام الإسرائيلي. أما موقف فلسطينيي 48 فهو ليس مشجعا فقط، وإنما يرونني كممثل لهم، يمثل مشاعرهم وأحاسيسهم ومواقفهم المبدئية تجاه قضية شعبنا الفلسطيني ونيل حقوقه".
تابع في نفس الموضوع:
|