خاض الأديب الدكتور السيد نجم حرب العاشر من رمضان ـ أكتوبر 1973، وأصدر عددًا من الأعمال الإبداعية والدراسات الأدبية حول فكرة أدب الحرب، منها مجموعته القصصية "أوراق مقاتل قديم" 1988، وروايته "السمان يهاجر شرقًا"،
ودراسته "الحرب: الفكرة، التجربة، الإبداع" 1995 وما زال يواصل طريقه في الدراسات والأعمال الإبداعية وبالذات حول أدب المقاومة بعامة. وقد التقينا بالأديب الدكتور السيد نجم بعد قراءة أعماله الإبداعية حول أدب الحرب وبخاصة روايته الشيقة "السمان يهاجر شرقًا" وكان لنا هذا الحوار:
- ما أهم ملامح وخصائص أدب الحرب التي تميزه عن الأنواع الأدبية الأخرى؟
* أدب الحرب هو مجمل الأعمال الأدبية بكل أجناسها ـ من شعر ونثر ـ المعبرة عن التجربة الحربية. وإن لم يتفق على تعريف اصطلاحي محدد، فالتقديم التعريفي السابق أقرب الدلالات لفهمي الاصطلاحي لأدب الحرب.
ويتميز أدب الحرب بتلك الخصوصية التي يندر حدوثها، وإن حدثت يندر تكرارها، ألا وهي خصوصية تأثير معايشة التجربة الحربية على المحارب. وهي تتسم بالخصوصية جدا والعمومية جدا، ومع ذلك فالتجربة الحربية يختلف المعبَّر عنها من مشارك إلى آخر.
فالمكان مثلا له دلالته، بحيث يمكن الادعاء بخصوصية تأثير الأماكن في الأدب الحربي، مثلا "الخندق" ذلك المكان الضيق الذي يضم المحاربين والذي يعيش أو يبقى على أهبة الاستعداد للانطلاق وملاقاة العدو .. نقول: إن هذا المكان كفيل بأن يجعل مفاهيم: الخلاص / الهلع / الطمأنينة / في بؤرة واحدة ولا عجب ، فتصارع المشاعر وفيض الخاطر يشلان الألسن أو يجلبان الثرثرة، لأن ردود أفعالنا ليست متماثلة. بالجملة يمكن القول بأن المكان في العمل الإبداعي في أدب الحرب هو الوسيلة المهمة التي يمكن للمبدع توظيفها في بناء وتشكيل العمل الأدبي.
ـ هل من الضروري أن من يكتب أدب الحرب يكون قد شارك مشاركة فعلية أو حقيقية في الحرب ؟
* أدب الحرب لا يكتبه إلا من خاض التجربة الحربية، لكن أن يكون ذلك بالمشاركة في العملية القتالية فعليا، فهذا ليس ضروريًا. وإنما تمثل التجربة الحربية تجربة يلزم معايشتها. وهذا معناه أن المدني أو الذي يعيش في القرية يمكنه الحديث والتعامل مع إنتاج أدب الحرب من خلال معايشته التجربة في المدينة أو القرية، فالحرب تجربة عامة ويمتد تأثيرها ويشمل كل جوانب الحياة ومواقع الناس، وعلى الكاتب أو الشاعر أن يكون صادقًا مع نفسه فقط.
ـ "السمان يهاجر شرقًا" من روايات أدب الحرب التي كتبتها .. وكلها تدور في ساحة القتال وعلى الجبهة، ما ذكرياتك عن هذه الرواية ؟
هذه الرواية نشرت بعد روايتي الأولى "أيام يوسف المنسي" والحقيقة أنني كتبتها أولاً، ثم نشرتها بعد نشر "المنسي" وذلك لظروف النشر وليس لأي سبب آخر. إن التجربة الحربية التي عشتها لأربع سنوات أثرت في وجداني وربما إلى الآن، وإن اختلف التناول والرؤية.
كل ما يمكن قوله حول هذه الرواية أنها ليست تجربة خاصة نقلتها إلى الصفحات .. لكنني بالتأكيد عشت مفرداتها ولملمت جوانبها أثناء فترة المعارك تحديدًا، خصوصًا أن الرواية تبدأ في الأول من شهر رمضان أي قبل المعارك بعشرة أيام وحتى مارس 74 حيث انتهى حصار القوات الإسرائيلية عن مجموعة كتيبة المشاة المصرية التي احتلت حصن كبريت.
ـ الحاجة أم الاختراع كما يقولون .. وقد استطاع أحد الجنود في الرواية أن يصل إلى اختراع تحويل المياه المالحة إلى عذبة صالحة للشرب .. إلى أي حد يتطابق هذا الاختراع مع الحقيقة العلمية؟
* إن واقعة الجندي محمود الذي نجح في تحويل المياه المالحة إلى مياه عذبة أثناء فترة حصار كبريت .. هي واقعة حقيقية .. فمحمود هذا حاصل على بكالوريوس العلوم وضمن جنود الكتيبة المحاصرة، ولما عجزوا عن توفير المياه اللازمة والضرورية للحياة، كانت محاولته شبه المجنونة والتي نجحت بالفعل. ويقينا هذه المحاولة تعتمد على أسس علمية، وهي فكرة التكثيف وأن الأصل فيها هو معلومة علمية يعرفها "محمود" المجند والذي أثبت بحق أن الإنسان قادر في أشد فترات القسوة أن ينتج وأن يصبح إيجابيًا.
ـ قال أحد الجنود الإسرائيليين في الرواية "الآن عودوا إلى أعمالكم حتى لا نهزم بالخوف قبل أن تهزمنا أسلحة المصريين" ما الفرق بين الهزيمة بالخوف والهزيمة بالسلاح؟
* إن ما قاله الجندي الإسرائيلي تعبير عن لحظة عبور الجنود المصريين للعائق المائي ثم اجتياز الساتر الترابي، ثم اقتحام الحصون، هو موجز لكل ما سبق. لقد دهش الجندي الإسرائيلي المحصن داخل دشم قوية مدججة بالسلاح أن يجد ذلك الجندي المتسلح بجلده وإيمانه وبقليل من النيران في مواجهة أكبر عائق مائي في العالم، ثم اعتلاء الساتر الرملي الذي يرتفع عشرين مترًا، ثم يتقدم على قدميه لاقتحام الحصون الحصينة للإسرائيليين. إنه لمن المدهش حقا أن يرى الجندي الإسرائيلي المحصن جنديًا يكاد أن يطلق عليه الجندي الأعزل، ومع ذلك يتقدم .. يتقدم، بل يقتحم ويسيطر على تلك الحصون بإرادته قبل سلاحه.
ـ بدأت الرواية في ميدان القتال وانتهت فيه أيضا، ولم يغادر البطل طارق هذا الميدان. ألم تشعر أن القارئ قد يمل من متابعة القراءة خصوصا أن الرواية لا تضم أحداثًا تقليدية لجذب القارئ؟
* إن جذب القارئ للأعمال الأدبية والرواية خصوصًا لا يلزم معه بالضرورة قصص -أو لنقل حكايات- لشد الانتباه من باب قصص الحب أو غيره. هذا لا يعني رفضًا للتشويق في الرواية، لكن الحقيقة الرواية الحربية فيها من عناصر الإثارة وجذب الانتباه غير قصص وحكايات الحب الكثير. أليس في تجربة حصار مجموعة من البشر في مهب الريح معرضين للموت في كل لحظة إثارة أكثر كثيرًا من غيرها. المهم أن الموضوع مثير بالتأكيد، وإن لم يتوقعه القارئ، وهذا بسبب الاعتياد على أن تتضمن الرواية حكايات الحب.
ـ من وجهة نظرك .. ما أهم الأعمال الإبداعية التي تناولت الحرب بصفة عامة؟
* الحقيقة أن إبداعات أدب الحرب لم تلق الاهتمام النقدي الواجب، وإن اعتمدتُ على ذوقي الخاص فأقول بلا تردد إن أعمال يوسف القعيد وجمال الغيطاني ومحمود الورداني وفؤاد حجازي ورضا البهات وفتحي إمبابي وصلاح عبد السيد وأحمد الشيخ ومحمد عبد الله عيسى وأحمد حميدة ومصطفى نصر وسعيد بكر وكثيرين غيرهم من أصحاب الأعمال المتميزة، قرأتها بحب واستمتاع لأنها غطت الجوانب الفنية كأعمال إبداعية ثم الخوض في التجربة الحربية بصدق. وفي خارج مصر أعمال لوركا، وهيمنجواي، وغسان كنفاني .. غيرهم