|
بعدما أفرجت عيناك
عن كل الكلمات
المغلولة داخل القواميس
وأعمت شمس النهار
وسرقت البرق والرعد
من عيون الشتاء
بعدما أخرس صوتك
زقزقة البلابل وهديل الحمام
بعدما أغرق كلامك
كل سفن الشعراء
وأبكى جمالك
كل الشموع الحمراء
لم يبق للشاعر
أي قطرة دم ينزفها
فوق الأكفن البيضاء
فأنت سرقت كل العصور
من جيوب الأوطان
وأحرقت كل السطور
التي لوّنها أعظم العشاق
ودمّرت مراكز الحب
التي احتلتها أرقى النساء
أيتها الداخلة كالخنجر
في كتب التاريخ
تمّهلي
احجبي عينيك قبل
أن تصطدم الكواكب
وتجن الزلازل والبراكين
ويعلن الله موعد القيامة
بالله يا امرأة
احجبي عينيك
فاليراع عطشان للمياه الزرقاء
واليم مشتاق
لحضن الشمس ودفء النهار
أيتها الطاغية
يا من شرّدت آلاف الكتّاب
يكفيك ظلما
فأنت لن تهربي حية
من سيوف الثائرين
فسحر عيناك
ما طالت جبين إنسان
إلا وأردته قتيلا
النقد والتعليق:-
للناقد / مدحت خليل العراقي
أخي الفاضل علي، لي بعض الملاحظات على قصيدتك، أرجو أن يتسع صدرك للأخذ بها ..
أولا- الوزن الموسيقي:
دائما ما أتلمس كل الأعذار للشاعر عند وزن قصيدته، ولكن أعيتني الحيلة..
فقبل أن تطالب حبيبتك بالعدل، لا بد أن تعدل في وزنك، فزن بالقسطاس المستقيم، ولا تخسر الميزان ..
وأحسبك كتبت القصيدة دون وزن، أي أنك لم تراع الوزن الموسيقي لبحر معين، وهذا ما لا غناء عنه بحال؛ إذ الوزن هو ركن الشعر الركين، الذي لا يقوم للشعر بناء إلا عليه ..
وإن أردت سعة وفسحة فاعمد إلى بحر الرجز: وتفعيلته (مستفعلن /0/0//0) ويدخله عدد كبير من الزحافات، بل هو أكثر البحور زحافا، ويمكنك أيضا الكتابة على بحر المتدارك، وتفعيلته ( فاعلن /0//0 )، وله العديد من الزحافات كذلك ..
ملحوظة: ذكرت لك هذين البحرين لأنك أتيت في بعض الأسطر بخمس متحركات، وهذا ما لا يمكن حدوثه إلا في هذين البحرين، والبعض يظن أن المتحركات لا يمكن زيادتها عن هذا العدد، فاعلم أن أكبر عدد من المتحركات المتواليات في الشعر العربي هو (13 حركة) وردت في سطر شعري يقول: حكم فعدل فأمن فنام ( فعل /// فعل /// فعل /// فعل ///) .
ثانيا- اللغة:
في القصيدة خطآن واضحان: الأول صرفي والثاني نحوي:
أما الأول: فكلمة الأكفن، وصحتها الأكفان، جمع كفن، وليس لها جمع غيرها..
والثاني: في السطر 39 تقول: "فسحر عيناك" وصحتها فسحر عينيك: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه مثنى..
كما أن استخدامك الضمير الظاهر في السطر 16 في قولك "فأنت سرقت". وفي السطر 37 في قولك: "فأنت لن تهربي" استخدام منكر، نعيبه على الناثر، فكيف بالشاعر؟!
هناك جمل وكلمات زائدة لم تضف معنى ذا بال..
أما الأسطر الكاملة: فالسطر 3 (المغلولة ...)، س 6 (من عيون الشتاء)، س 15 (فوق الأكفان البيضاء)، س 17 (من جيوب الأوطان)، س 19 (التي لونها أعظم العشاق)، س 29 (بالله يا امرأة)، والأسطر من 31 إلى 34 بالكامل، س 36 (يكفيك ظلما)، وكلمة (حية) في س 27 .
وهناك كلمات لا ترد كثيرا في قصائد الغزل، فمن العجيب أن يتحدث الشاعر عن عيني حبيبته وكيف أنها:
( أعمت ـ سرقت ـ أخرست ـ أغرقت ـ أبكت ـ أحرقت ـ دمرت ) .
ويقول لحبيبته: أيتها الداخلة كالخنجر ـ أيتها الطاغية ـ يكفيك ظلما ـ لن تهربي حية ..
ويتحدث عن: دم ـ نزف ـ أكفان ـ اصطدام الكواكب ـ جنون الزلازل والبراكين ـ موعد القيامة ـ سيوف الثائرين ..
وهذا ما يدعونا إلى الادعاء بأن المقصود هنا، ربما لا تكون امرأة من لحم ودم، ولعلها تكون دولة ـ مثلا ـ ..
فمن حقك أن تقول ما شئت، ولكن فرِّق بين النثر والشعر ..
فإن نزعنا مجموعة من الأسطر من سياقها هنا وعرضناها على من يقرؤها سيقول: هذا جزء من رواية أو قصة قصيرة ..
اقرأ: بعدما أفرجت عيناك عن كل الكلمات المغلولة داخل القواميس .
لم يبق للشاعر أي قطرة دم ينزفها فوق الأكفان البيضاء .
دمرت مراكز الحب التي احتلتها أرقى النساء .
لقد أتيت بالجثث (بالجسوم) ولم تنفخ فيها الروح ـ بإذن الله ـ يا شاعر .
ثالثا- التجربة والأفكار:
جميل أن تلقي غلالة رقيقة فوق قصيدتك، فلا يبدو إن كنت تتحدث عن حبيبة من لحم ودم أم إلى دولة طاغية متجبرة، أم تتحدث عن صورة في خيالك ..
فالمعنى دائما في بطن الشاعر؛ لذا فلا نستطيع إلا الأخذ بظاهر النص ..
رابعا- الصور والتعبيرات الفنية:
في القصيدة صور ولكنها كالمصابيح المطفأة ..
ومثلك مثل معلم الأطفال، لا بد أن يفسر ويشرح كل جملة أو كلمة يقولها ..
فقولك: سرقت كل العصور (جيد)، ولكن ما الداعي لقولك: من جيوب الأوطان ..؟!
وقولك: وأحرقت كل السطور (معقول)، فما الداعي للسطر الذي يليه .. ؟!
وقولك: ودمرت مراكز الحب (صاروخ جيد)، فلماذا تقول: التي ... ؟!
يا أخي الفاضل، لا تفترض غباء المتلقي، فتفسر له كل شيء، كما لا تفترض عبقريته فتعمي عليه كل شيء ..
ونصيحتي:
لا تحاول تحويل مجرى السيل (سيل المشاعر المتدفقة)، فكل سد تقيمه في مجرى السيل منهدم لا محالة ..
ولو كتبت نتفة (من بيتين إلى ستة أبيات) جيدة، خير من قصيدة طويلة فيها نظر ..
وأتحداك يا أخ علي، فدبابتك (قصيدتك) القادمة، ستحتل تبة (موقعا) أعلى، وستنال مدفعيتك الثقيلة (صورك) من حصون الأعداء ..
وننتظر المزيد ..
|