English

 

الأربعاء. مايو. 5, 2004

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الخواطر والمقالات

 

صرخة الألم

مطيع الله تائب

أحمل قلبا يملؤه الندم..

يعصره الألم..

تسكنه بقايا حب.. وجروح.. وكلم..

أحمله بالدموع الساكبات..

من الخدود.. إلى القدم..

أحمله.. وأحمل ألف هم..

جاثمات فوق صدري..

وآهاتي وأناتي.. يسمعها الصمم

أحمله.. من شتاتي..

إلى أرض الحرم..

يا سيد الأمم..

هاك قلبي المهموم..

وهاك دموعي.. وأوراقي المبعثرة..

وهاك الندم..

يا منبع النور.. يا صوت الهدى..

الليل قد ادلهم..

والموج قد التطم..

وضاع الركب..

وضاع السائرون والدرب..

وضاع الحصن المنيع..

وانهدم..

يا سيد الأمم..

أسرى حبِّك الجميل.. حيارى..

والقبة الخضراء..

ملأى بهم..

يمزجون دمعة بدم..

يصرخون من الليل الطويل.. ومن الألم..

من هبل العصر.. ولاتِه ومناتِه.. وكل صنم..

يشكون الطاعنين من الوراء..

يشكون السادة اللاهثين كما الخدم..

والمتساقطين على الطريق..

والعابثين في القيم..

يشكون هول المصيبة..

والأقفال السوداء الثقيلة..

على اللسان والقلم..

يشكون الزبانية.. ويشكون النقم..

يشكون.. وهم المليار في دنيا الرقم!!

يا أمة المليار.. هل يغني الرقم؟؟

أعراضنا لا تحترم..

أشلاؤنا تحت "الجزم"..

السوط يلهب ظهرنا..

اللص يسرق بئرنا..

والدار يحكمها القزم..

والصرخة المكتومة.. تهمس..

أين المعتصم..؟؟

وأين صهيل الخيل.. بريق السيف.. أين العلم؟؟

أسائلكم.. وقد طوى الزمان صحائف مجدنا..

وسلمها للغابرين إلى الوراءْ..

أسائلكم.. وقد شتت الطوفان ركب السائرين إلى العلاء..

وألقى بهم في الشتات.. وفي الظلم..

أسائلكم.. يا أمة المليار.. وقد جف القلم..

أسائلكم..

هل جيش محمد آت من القمم..؟؟

ليعيد المجد والقدس الأسيرة..

ويعيد الحصن المنيع.. ويرفع العلم..

ويعيد البسمة المسروقة.. والأرض المسلوبة..

وينتقم..

هل جيش محمد آت..؟؟

أسائلكم.. أجيبوني..

أجيبوني..

بلاء..

أو نعم..!!


النقد والتعليق/ عبد العظيم بدران:

هذه القصيدة التي بين أيدينا تحمل هموما وأحزانا يبثها "مطيع الله" ليطلعنا على شيء مما يمور به صدره، وتتميز به حناياه من الغيظ والألم.

إنه يخبرنا بأن قلبه الذي بين جنبيه يمتلئ بالندم الذي سيوضح لنا أسبابه لاحقا، هذا الألم يعصره إلى الحد الذي جعله يبوح لنا بهذه الخواطر. إن في قلبه بقايا من الحب تختلط بالجراح، فهو يشعر بشيء يسير من الفرحة، وكثير من الهم والألم... إنه يرسل هذه الأنات والآهات والشكوى من شتاته الذي يقطنه مُبعدا عن وطنه ومنشئه، إلى أرض الحرم أرض النبوة والمقدسات.

وبعد هذه المقدمة القصيرة ينتقل "مطيع الله" إلى التحاور بالطريق المباشر مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم شاكيا وباثا لهمومه وأحزانه، مستثمرًا ذكرى مولد النور الهادي صلوات الله عليه، فهو يخبر الرسول الكريم بأن الهموم قد ملأت عليه قلبه، وقد دل على ذلك ما ظهر من الدموع والبكاء، واضطراب أحواله ومصالحه، التي عبر عنها هذا التعبير الحسن: الأوراق المبعثرة.

يقول مطيع: هذا ندمي ظاهر على حالي التي لا تخفى على بصير، وأسباب ذلك يا منبع النور ويا صوت الهدى أن ليل الظالمين قد بلغ المدى، وأن بحر الحياة لم يعد مستقرا كما كان الحال، وأن ركب حضارتنا لم نعد نجد له أثرا في الحياة، كما لم نعد نجد حصنا نحتمي به من سهام الأعداء؛ لأن حصوننا كلها قد هدمت ولم تجد من يذب عنها.

والحق أنني لا أود الاسترسال في كتابة خواطري حول هذه المقطوعة الأدبية، لكنني أود أن أقف مع "مطيع الله" أمام نصه هذا وقفات تأمل وتبصر، في حوار أدبي من النوع النقدي.

بداية القصيدة التي معنا أقرب إلى أن تكون "خواطر أدبية"؛ لأنه من المعلوم أن للشعر مقاييسه المعلومة من أوزان وموسيقى وقافية، وحتى الشعر الحر فإن له مقاييس أقرها رواد الشعر الحر، مع أنهم تراجعوا عن كثير مما أقروه، وعدلوا فيه، وما زالوا...

ولا يخفى على مشتغل بالأدب والثقافة أنه لا بد للكاتب أو المبدع أن يقرأ أكثر مما يكتب، وأن يسمع أكثر مما يتكلم؛ لأنه ينبغي أن يضيف جديدا إلى عالم المعرفة، لا أن يُخرج نتاجا بُدائيا ربما كان موضعه المناسب له - على أهميته ومكانته - قبل عشرات السنين.

أول ما لفت انتباهي في مقطوعة مطيع هذه: مطلع كلماته حيث قال:

أحمل قلبا يملؤه الندم

يعصره الألم...

أستطيع أن أقول: إن المطلع لا يتسم بالحركية أو الديناميكية، إنما قرر شيئا يعتبر عند كثير من الناس عاديا وطبيعيا.

إن بداية المقطوعات الأدبية أو مطالعها تعد أهم شيء فيها، كذلك الخاتمة. انظر مثلا إلى قول عبد الرحيم محمود:

سأحمل روحي على راحتي * وألقي بها في مهاوي الردى

فإما حياة تسر الصديق * وإما ممات يغيظ العدا

وأيضا قول الشاعر الدكتور جابر قميحة:

قم عطر الفجر بالإسرا وياسينا * ورتل الفتح والأنفال والتينا

وعانق الفجر في شوقٍ وفي لهفٍ * واكتب على الشفق الوردي "ياسينا"

غني عن الإشارة هنا ما تتسم به هذه المطالع من حركية وديناميكية وهو ما أعطاها مزيدا من جذب الانتباه.

وربما يقال: إن الحالة النفسية التي تغلب على "مطيع الله" في كلماته هذه، وهي الحزن والألم، جعلت هذا المطلع يأتي بهذه الصورة. لكنني أقول: إن حالة الحزن التي يشعر بها الأديب تستوجب عليه أن يعصف ذهنه خاصة في مطلع كلماته ليهيئ المتلقي كي يصل إلى حالته الشعورية.

ولا تخلو هذه المقطوعة من تعبيرات أدبية جديرة بالإعجاب، ومنها:

وهاك دموعي.. وأوراقي المبعثرة.. (فكنى بالأوراق المبعثرة عن حالة عدم الاستقرار النفسية والجسدية)

يشكون هول المصيبة..

والأقفال السوداء الثقيلة.. (وهذا وصف يستحق أن ينال الإعجاب في موضعه)

اللص يسرق بئرنا.. (ويعني منابع البترول، وهو رمز لكل المسروقات وعنوان لها)

كما لا يفوت النظرة الأدبية أن تستخرج مواضع كانت تستحق من الأديب أن يعاود فيها النظر لإخراجها بثوب أفضل مما هي عليه الآن، ومنها:

الليل قد ادلهم..

والموج قد التطم..

وضاع الركب..

وضاع السائرون والدرب..

(وتتضح فيها الخطابية دون مواربة)

وأيضا:

يمزجون دمعة بدم.. (لماذا التقليل في قولك: دمعة؟ ولو قلت: دمعا، كان أجمل)

يصرخون من الليل الطويل.. ومن الألم.. (خطابية ظاهرة)

وفي النهاية أجدني بعد قراءة هذا العمل الأدبي عدة مرات، أشعر بأن بين أيدينا أديبًا يقف على عتبات المجد الأدبي، فلئن اكتفى هذه المرة بالشكوى دون أن يقدم حلا مقترحا، ووجه النداء لأمة المليار، وهو نداء تضيع صيحاته في دهاليز العمومية والتعميم؛ لئن فعل هذا كله الآن فإنني واثق من أنه سيحقق قفزات ووثبات نحو أعالي المجد الأدبي بشرط أن يكثف من متابعاته وقراءاته وتذوقاته للمجال الذي يجد في نفسه ميلا إليه، وهو هنا فيما يبدو لي: الشعر.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم