English

 

الأحد. يوليو. 21, 2002

ثقافة وفن » تراث وحضارة

 

سوق الصفافير ببغداد.. علامات الحياة المحاصرة

ندي عمران

Image
في سوق الصفافير ما زالت للأصابع كلمتها
إذا أردنا أن نحصي الأسواق في بغداد، أو نتوقف عندها فسوف نكون مضطرين إلى ترديد عبارة يكرّرها الناس ويتداولها المثقفون هي أن بغداد سوق كبيرة.. فلا مناص من أن تخرج من سوق حتى تدخل إلى سوق أخرى تزدهر بالناس والضجيج والأشياء، لكنها تختلف أحيانًا بمعروضاتها من الحاجيات. 

قبل سنوات عندما أراد باحث غربي أن يدرس حياة الناس وتفاصيل يومهم لم يجد أكثر من أن يردد تلك العبارة الأثيرة بأنه وجد بغداد سوقًا كبيرة، لكنه أردف يقول: إن بغداد برغم الحصار الذي تواجهه مُصِرَّة على مظهر مثير هو أنها مغرمة بالسوق. وقد فوجئ شعراء المربد في إحدى دوراته السابقة أن يجدوا السوق وقد زحفت على مقربة من القاعة التي كانت تُلقى فيها قصائدهم، فقال أحدهم: إنه رأى بعد ذلك أن نهاية هذه السوق تقع في نهاية بغداد، فكتب يقول:

الشعر في بغداد يطوف بين الأسواق، ينتقي الحب ويتبادل القبلات. في إشارة منه إلى أن الشعر الذي يخرج من مثل هذه البيئة جدير به أن يكون بضاعة ثمينة.

ولكن لا بأس أن نعيد النظر في قيمة هذا الاستطلاع فلا نتركه يضيع بين أفق مزدحم واسع، إنما سنتوقف به عند بعض الأسواق الاختصاصية إذا صح التعبير، فقد أحصى الباحث التراثي أحمد الغرابي هذه الأسواق "الاختصاصية" وتوقف عند سوق الصفافير، سوق الوراقين، سوق الملابس القديمة، سوق الطيور، وسوق الساعات، وسوق المعدات الإلكترونية، وسوق الإطارات، وسوق الحديد، وسوق الجمعة.

وطبعًا فإن هناك عشرات الأسواق والمجمعات التجارية التي تمارس التداول المختلط لكافة مستلزمات الحياة وحاجيات الإنسان.. ويقول الغرابي: إن للأسواق الاختصاصية نكهة بغدادية تميزها عن غيرها من العواصم، وهي ذات جذور تاريخية، حيث إنها نشأت قبل مئات السنين، ويضرب على ذلك مثالاً بسوق الصفافير.

الصفافير.. حفاظًا على النكهة

إن سوق الصفافير مجموعة من الأزقة الضيقة الواقعة في منطقة الميدان، وهذه المنطقة بحد ذاتها منطقة تراثية، ولقد وضعت دائرة التراث العراقية يدها على كل منشآتها البنائية تنفيذًا لقانون وضعته الحكومة يقضي باعتبار أي بناء مضى عليه أكثر من مائة عام أثرًا تراثيًّا لا يجوز التصرف به، ويجب المحافظة على نكهته القديمة؛ ولهذا فقد وضعت دائرة التراث يدها على مناطق مهمة في بغداد، في مقدمتها منطقة الميدان التي تقع فيها سوق الصفافير وسوق الورَّاقين التي تسمى بشارع المتنبي.

أصوات الطرق أهم ما يميز هذه السوق التي تُعَدّ واحدة من أقدم الأسواق في العاصمة العراقية بغداد وأكثرها اجتذابا للسياح والزوار الأجانب، وفيها يمتزج عبق الماضي وأصالته بنكهة الحاضر وفنه وجماله.

تقع سوق الصفارين أو سوق الصفافير كما أشيعت تسميتها في نهاية شارع الرشيد أهم وأقدم شارع في بغداد، حيث تزدحم المنطقة بالأسواق التراثية والتجارية وتكتظ بالناس المتبضعين والزوار.

وإذا كانت الأسواق الأخرى تشهد في كل فترة ظهور باعة جدد لا تحتاج منهم إلى كثير من الدقة والصبر والذوق، فإن من مميزات سوق الصفافير وجود الحرفيين الذين ورثوا المهنة أبًا عن جد، وتوارثوا أيضًا البراعة في الطرق على النحاس والقدرة على الخيال والابتكار، فهاتان يدان ترتجفان وهما تطرقان على النحاس تجدان متعة كبيرة في هذه العملية التي قد تبدو شاقة للآخرين، لكن هذا الشيخ الطاعن في السن لن يتخلى عنها؛ لأنها تأخذه من متاعب الحياة إلى متعة العمل والإبداع، فقد أبدعت يدا هذا الرجل الآلاف من الأعمال النحاسية التي انتشرت في أغلب البيوت البغدادية وحملها السواح إلى بلدانهم كأثمن شيء يحصلون عليه من زيارتهم لبغداد.

الأصابع سيدة الموقف

أسواق الكتب ..القراءة رغم أنف الحصار 

هذه المهنة ربما تكون واحدة من مهن قلائل لم تزحف إليها عجلة التكنولوجيا، فالصفارون في هذه السوق البغدادية يصرون على أن أصابعهم هي سيدة الموقف، كما أن النحاس يصبح طيّعا حين يقع بين يدي محترف ذكي، دقيق، محب لعمله. 

أيام زمان كانت الأدوات المنزلية تتكون في الغالب من النحاس، وكانت العروس تتجهز بكل حاجيات منزلها الجديد من سوق الصفارين: القدور، سماور الشاي، أدوات الحمام، الأواني، وغير ذلك، أما اليوم فإن أغلب الناس يقتنون هذه الأشياء من قبيل الزينة أو الاحتفاظ بها كتحف و"أنتيكات"، كما أنها تصلح هدية ثمينة وتحفة تحتفظ بقيمتها كلما تقدم بها العمر.

وللسجاد حصة أيضا في هذه السوق التراثية، فبالإضافة إلى السجاد الإيراني والروسي هناك السجاد العراقي المتميز بصناعته اليدوية ونقشه المستوحى من الحضارة العراقية القديمة. 

من بين هذه الطرقات التي تشكل نغمة موسيقية غير متجانسة على طول ساعات العمل التي تعد العلامة الفارقة لهذه السوق، تخرج كل يوم مجموعة من الإبداعات التراثية: أوانٍ، قدور، مباخر، سيوف، دلال، فناجين، لوحات يستوحيها الحرفي من الشواهد الحضارية والأثرية التي يزخر بها تاريخ العراق القديم.

وإذا كان الحصار قد طال هذه السوق وأثَّر في حركة البيع والشراء فيها منذ أكثر من عشر سنوات، فإن السوق تحتفظ بزبائنها ممن يبحثون عن الأصالة والتراث، كما تحتفظ بهذه الصناعات اليدوية التي تتلألأ مثل كنوز من الذهب وسط عالم ساحر جميل تفوح منه رائحة الأصالة وبراعة هذه الحرفة وهي تحاول الإفصاح عن سر من إسرار الجمال والفن.

الطيور تهاجر رغم الحصار 

إن سوق الصفافير رمز تراثي فاخر، غير أن سوق الغزل رمز فلكلوري عجيب في بغداد.. ويعود ذلك إلى كونها سوقا تختص ببيع الطيور والحيوانات النادرة، وتقع في قلب بغداد من موضع كان قديما ملتقى لباعة الأصواف والغزل، وأصبح مختصا بباعة الطيور والحيوانات، لكنه ظل محتفظا باسمه القديم.

المكان يثير الدهشة، ويسمح للزائر أن يستغرق كثيرا بهذا العالم الخاص، فللطيور هنا أنواع لا حصر لها، وأسماء لا حصر لها، وبينها باعة الأفاعي والجرذان والسناجب والعقارب والصراصير والفهود والكلاب.

كان برفقتنا في هذه السوق السيد صلاح السامرائي وهو شاب يقضي معظم وقته بعيدا عن المدن لملاحقة الحيوانات والطيور النادرة ويقول: أنا أعرف مواسم الطيور والحيوانات التي تدخل العراق خاصة أيام الشتاء عندما تكون المناطق الشمالية من العالم شديدة البرودة فتهجرها الحيوانات، ولذلك فإن العراق يشهد هجرتين: الأولى من الشمال في الشتاء، والثانية من مناطق الجنوب أيام الصيف، ويقول أيضا: عرفت أن هناك منطقة تقع بالقرب من ناحية الزبيدية التابعة إلى محافظة واسط (200 كم إلى الجنوب الشرقي من بغداد) تشهد تجمع الطيور والحيوانات المهاجرة، فعلى سبيل المثال اصطدت أخيرا حيوان "الوشق" وهو لا يعيش في العراق أبدا بل لا يأتي إلا عدد قليل منه.

إننا الآن في سوق الغزل حيث يطلعنا السيد السامرائي على كثير من أنواع الطيور النادرة التي لا تعيش في البيئة العراقية، غير أننا بمواجهة أعداد كثيرة من طيور الزينة المعروضة بشكل مثير فهي تغنّي برغم ذلك الجو الشديد الحرارة، وما يهمنا هنا أنها ذات ألوان مختلفة. ويقول الباعة: إن الناس يشترونها للزينة وأحيانا لمجرد أنها طيور غريبة، ومع ذلك فإنها ليست بالإثارة التي يمنحها بائع الأفاعي السيد عدنان محمود الذي يقول: إن صيد الأفاعي عملية صعبة، لكنني أبيعها للباحثين، فأدركنا أن الباحثين في علوم الأحياء هم الذين شجعوا هؤلاء الشباب على عرض أنواع نادرة من الزواحف والعقارب والحشرات، وقالوا: إن بعض الباحثين يدفع أسعارا عالية لشرائها.

سوق الغزل تشهد مراهنات وأحداثا أخرى أيضا؛ فقد شهدت انبثاق جمعية خاصة لأصحاب "الحمام الزاجل" وقام أعضاؤها بتنظيم مسابقات مثيرة أشارت إليها الصحف وتابعتها وسائل الإعلام. وعلى أية حال فإن سوق الغزل نوع خاص ونادر.

ويقول العراقيون: إنهم لم يشاهدوا مثلها في البلدان التي زاروها، وربما رأوا أسواقا للطيور ولكن ليس بهذا الشكل الهائل المثير.

سوق الجمعة من برلين 

الحرفيون مستمرون رغم الحداثة والحصار 

ما زلنا نتحدث مع الباحث الفلكلوري "أحمد الغرابي" الذي وضع العديد من البحوث عن الحياة الخاصة في بغداد، وقال: إن الأسواق نوع من المزايا الخاصة لهذه المدينة، ويرجع ذلك إلى اهتمامها بالسوق فكأنها ترتبها هي ذاتها وتعطيها من نفسها روحا مميزة، وأكثر من هذا فإنها أحيانا تبتكر الأسواق، فمنذ عامين أو ثلاثة ابتكرت بغداد لنفسها سوقا تدعى "سوق الجمعة".. وتعالوا في هذا اليوم (الجمعة الثامن والعشرين من حزيران / يونيه 2002) لنطوف به. 

السوق عبارة عن معروضات فوق الأرض، امتدت على مساحة واسعة فلا يكاد الزائر أن يلم بكل أطرافها، فهي مترامية إلى درجة فظيعة، وقبل أن أدخل في تفاصيلها فقد وجدنا أنها تلاشت تماما في الساعة الثانية عشرة ظهرا.. إذن فلهذه السوق مزايا سوف نحاول التعرف عليها.

السوق تزدهر يوم الجمعة وهكذا اكتسبت اسمها، وما يميزها أن الباعة فيها ليسوا من بغداد وحدها إنما من جميع أنحاء العراق، يصلون إلى السوق الخميس، ويقضون ليلتهم هنا حتى الصباح.. وتتخذ السوق لنفسها طرقا غير منتظمة يعرض الباعة حاجياتهم على جانبيها.. لا تدخله السيارات أبدا لكنه يشهد ازدحاما لا تشهده الأسواق الأخرى على الإطلاق. 

يأتي الباعة بكل شيء من الأثاث إلى المفروشات إلى الأجهزة الكهربائية إلى أدوات السيارات إلى الكتب إلى مكاينات الخياطة إلى أدوات الزينة إلى الملابس، إلى أي شيء يحتاج إليه الإنسان.

ولكن علينا الانتباه إلى أن الزوار لا يقصدون السوق لشراء المواد العتيقة إنما للبحث عن أشياء نادرة وقديمة وغير متوفرة في الأسواق العادية. ولكن لهذه السوق قصة يحدثنا عنها المهندس عبد الأمير سالم فيقول: كان هناك رجل سافر إلى ألمانيا عام 1955 فرأى شيئا أعجبه وهو أن الناس في العاصمة برلين يقومون كل يوم أربعاء بوضع حاجياتهم الزائدة في أمكنة معينة ثم تقوم البلدية بجمعها في سوق يطلق عليها سوق الأربعاء، وبعد عودة هذا الرجل إلى بغداد بدأ بتنفيذ فكرة في رأسه وهي أن يعرض الحاجيات التي يستغني عنها الناس في سوق، كل يوم جمعة.. ثم تطورت السوق وتوسعت وأصبحت لا تستقبل الحاجيات الزائدة وإنما النادرة والغريبة.. وظلت تسمى بسوق الجمعة. 

يقول السيد عبد الكريم راضي: إنه يقصد السوق للبحث عن تحف نادرة وغريبة، فقد تسنى له أن يعثر على لوحة للموناليزا، ولكن على سطح خشبي محفورة بشكل مثير وموقعة باسم رسام تركي يدعى "شير بت نئوم" واعتبرتها تحفة ثمينة، وكذلك اشتريت قلما كتب عليه باللغة الإنكليزية: إنه هدية إلى ملك العراق، وقال: إن الناس الذين يرتادون السوق أنواع: منهم مثلي ممن يبحث عن أشياء قديمة جيدة، ومنهم تجار صغار يحاولون البحث عن احتياجات خاصة بهم كالأثاث ومواد السيارات. غير أن اللافت للنظر أن أسعار هذه السوق أغلى من الأسواق التي تتعامل في المواد الجديدة، ويفسر السيد سعدون مالك هذا الأمر بقوله: إن المواد هنا أصلية ونادرة، في حين تتعامل الأسواق التجارية الأخرى بحاجيات ذات كفاءة تجارية متواضعة. 

يبقى أن رحلتنا مرّت مرورا كريما بسوق الورّاقين أو شارع المتنبي موئل الكتاب وملتقى الثقافة.. الموضع الذي يختلف عن تلك الأسواق اختلافا كبيرا؛ لأنه يتعامل بالفكر والأدب والفن.. مع عدد كبير من المثقفين العراقيين.

إن الكلام عن هذا العالم كلام مليء بالألغاز والأحاجي والقصص، وتمر من خلاله أسماء لامعة كبيرة، وكتب وقصائد وأحاديث في المقاهي الخاصة، وأشياء لا حصر لها.


صحفية عراقية

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم