|
منذ فجر السينما و عرض الإخوة "لوميير" أفلامهم الأولى في ليون بفرنسا عام 1895، وهناك من يعترض على الصور المتحركة والسينما.. فقد أبدى البعض -وقتها- تخوفهم من التأثير الفوضوي للأفلام على الناس؛ حيث كثيرًا ما حدث الهرج ووقعت إصابات نتيجة لتدافع الجمهور داخل قاعات العرض هربًا من القطار القادم نحوهم! وتحدث بعض رجال الكنيسة في فرنسا عن الشيطان داخل الآلة، ومحاكاة الآلة، وطالبوا بحرق آلات العرض والتصوير! وهكذا، فمع بداية السينما ظهرت الرقابة على الأفلام، فكل الأشياء تنتج أضدادها.
للرقابة أسباب
نعم.. كانت الاعتراضات الأولى ساذجة لكنها كانت اللبنة الأولى في صرح مواز لصرح صناعة السينما، ألا وهو صرح الرقابة والاعتراض على مضمون الأفلام ومغزاها والتخوف من تأثيراتها المحتملة. ومع تطور الصناعة وتحول السينما من الحالة العجائبية الأولى إلى حالة أكثر نضجًا تقدم فيها الرواية والقصة وتعيد تصوير الواقع برؤية خاصة، تطورت الاعتراضات؛ فرأى البعض -مثلا- أن الأفلام التاريخية غير دقيقة، كالاعتراض على فيلم "ماري ملكة أسكتلندا" عام 1895 أحد أول الأفلام في تاريخ السينما.. واعترض آخرون على فيلم "مصرع دوق دي جيز" عام 1903، وأخذ الاعتراض في الحالة الأخيرة شكل اللجوء للقضاء لمنع عرض الفيلم. وكان المبرر في الحالتين هو الضرر الواقع على أفراد نتيجة عدم الدقة التاريخية.
وهكذا كان شكل الرقابة الأولى أهليا وشعبيا، وتبلور في اتجاه جماعات ضغط تحس بأن فيلمًا معينًا سيوقع ضررًا عليها فتلجأ للقضاء لإيقاف الفيلم وهو ما استمر حتى الآن في مختلف دول العالم. فمن الأمثلة الحديثة نسبيًا في مصر سنجد تضرر مجموعة من المحامين من فيلم "الأفوكاتو" لرأفت الميهي، بطولة عادل إمام الذي يصور شخصية محام بشكل كوميدي صارخ رأى فيه البعض إهانة لمهنة المحاماة فلجئوا للقضاء. وتكرر الحال مع تجربة فيلم "المهاجر" ليوسف شاهين والتي رأت فيها بعض جماعات الضغط الدينية إساءة للأنبياء فلجأت للقضاء لإيقاف عرض الفيلم.
ولم يتوقف ذلك على العالم العربي والإسلامي، فقد تعرض فيلم "الإغراء الأخير للمسيح" للمخرج الأمريكي الشهير مارتن سكورسيزي لهجوم شديد ولجوء للقضاء في مختلف دول العالم من جانب جماعات ضغط دينية، بل ومن جانب الكنيسة الكاثوليكية بصفتها مؤسسة في ذاتها.
بل أخذ الاعتراض أحيانًا شكلاً عنيفًا جدًا وصل إلى حد إحراق دور العرض التي تعرض الفيلم! وهو ما تكرر مع الفيلم الفرنسي "الشرس" بطولة سامي نصري وإخراج جيل دي ميستير والذي يتحدث عن شخصية زعيم يميني متطرف في فرنسا، واعتبر جان ماري لوبان زعيم حزب الجبهة الوطنية أن الشخصية تعرّض به فلجأ للقضاء لإيقاف عرض الفيلم.
هذه الأمثلة توضح كيف أن التقويم الشعبي لفيلم ما يعتمد على درجة الضرر التي تعتقد جماعة ما أنها قد تعرضت لها، وأن هذا النوع مستمر منذ بداية صناعة الصور المتحركة وحتى يومنا هذا. والتقويم هنا يختلف عن الرقابة الرسمية التي هي جهاز من أجهزة الدولة له حق الضبطية القضائية ويمارس أعمالاً أخرى بخلاف مراقبة الأفلام أو المصنفات الفنية، فله دور التسجيل للمصنف الفني وكذلك دور حفظ المصنف الفني وتصنيفه، كما هو الحال في بلد كمصر على سبيل المثال.
وفي مقال يعود إلى بداية عشرينيات القرن الماضي كتب الرائد السينمائي المصري محمود خليل راشد عن ضرورة وجود رقابة رسمية لمنع عرض الأفلام التي تحض على اللهو والفساد، ربما بسبب أن معظم الأفلام الأجنبية كانت تعرض مناظر عارية حيث لم تكن الرقابة الرسمية على الأفلام قد استقرت في أي دولة.
لكن الحاجة لتقويم الأفلام لا تتوقف فقط عند المناظر العارية أو اللقطات المخلة، فثمة حاجة لرؤية ما يسمى أحيانًا بالرسالة الضمنية للفيلم ومدى تمشيها مع الرؤية الخاصة لمجتمع ما في فترة تاريخية محددة، فربما كان الفيلم الأجنبي يتحدث عن قضية مغايرة تمامًا للقضايا المطروحة في مجتمع معين أو ينظر نظرة تختلف كلية عن نظرة هذا المجتمع لقضية ما؛ وهو ما يؤدي لخلل في التواصل مع الفيلم كما حدث مع الفيلم الهولندي "البداية" الذي عرض عام 1978 في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. وكان الفيلم يعالج قضية العلاقة الجنسية الأولى في حياة الفتاة وهي قضية مطروحة في المجتمعات الغربية بشكل كبير ومختلفة تمامًا عن طرحها هنا في مجتمع مسلم يمثل الدين العماد الأساسي لثقافته، وأدى عرض الفيلم -وقتها- إلى احتجاج شديد ورفض كبير من جانب مختلف الاتجاهات السياسية والدينية في مصر في هذا الوقت.
الشيء نفسه حدث مع فيلم "رحلة الحجر" الإيراني الذي عرض في مصر عام 1979 ولاقى نجاحًا نقديًا كبيرًا واعتبره البعض نذيرًا بالثورة الإيرانية، فالنقاد الإيرانيون يرون الفيلم معاديا للثورة الإسلامية ومليئا برموز ضد التراث الإسلامي في إيران؛ وهو الأمر الذي لم يدركه النقاد المصريون والعرب.
التقويم بديلا عن الرقابة
ولذا يمكن طرح الحاجة للتقويم لصناعة "الفرجة"، بما تتضمنه الصناعة حاليًا من مختلف الأنواع كالمسرح والفيديو والتلفاز والسينما، وربما أدوات اتصالية مستقبلية كالتليفون المحمول الذي يستقبل الإرسال الفضائي وغير ذلك، من خلال ثلاثة محاور:
المحور الأول: اجتماعي يتعلق بعلاقة المجتمع والأسرة بما تقدمه الصناعة من مواد ترفيهية وإمتاعية. فمن المتوقع أن تكون هناك مواد غير ملائمة للأبناء من وجهة نظر الآباء، ولذا نجد محطات تليفزيونية غربية وأحيانًا عربية تضع تلك المواد ذات العنف الزائد أو الجنس أو الكلام الخارج في أوقات متأخرة، كنوع أيضًا من تقويم العمل أسريًا. بل نجد أن هناك ما يسمى بنوعية الفيلم التليفزيوني أو فيلم الأسرة حيث لا توجد مشاهد عنف ولا جنس ولا كلام خارج. هنا ستواجه قضية الحظر أو الرقابة أو مدى الحرية كما طرحها المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، حيث يرى أن القيد على الحرية هو أمر واقع حتى لو رفضناه، ولكن لا بد من وجود مبرر قوي جدًا لوجود هذا القيد، فلا نستطيع القول بأن منع الأفلام سيمنع الأبناء من رؤية هذه الأنواع بل ربما أدى المنع والحظر الشديد إلى نوع من الترغيب الناتج عن قاعدة "كل ممنوع مرغوب".
هنا يأتي دور التقويم الشامل للفيلم حيث يتم تقديم تغطية شاملة لكل جوانب الفيلم: من رسالة ظاهرة تعرضها القصة، أو رسالة ضمنية تأتي عبر التقنيات المستخدمة، أو مشاهد معينة ذات ضرورة فنية أو درامية أو غير ذلك، ومن ثم يصير بوسع الأسرة الاختيار والمناقشة، وتصير عملية رؤية الفيلم في التلفاز أو الذهاب لمشاهدته في السينما عملية ديمقراطية إيجابية تفاعلية، ومن ثم نصل إلى قرار المشاهدة أو المنع دون قسر أو إجبار.
المحور الثاني: حكومي مجتمعي، حيث نجد أن ثمة جماعات مختلفة ذات مصالح متباينة داخل المجتمع، وهذه الجماعات تهتم كثيرًا بصورتها في الإعلام، خاصة مع النظر إلى التأثير المتزايد للإعلام على الفرد. وربما يمكننا رؤية هذا من خلال عدة أمثلة سواء أكانت عربية أو عالمية. ففي مصر أثار مسلسل "فارس بلا جواد" ضجة كبرى بسبب اعتماده جزئيًا على كتاب بروتوكولات حكماء صهيون؛ الأمر الذي اعتبر "معاداة لليهود" وتحريضًا على مشاعر الغضب ضدهم وخرقًا لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.
وفي الولايات المتحدة عندما أعلنت محطة NBC عن عرضها لمسلسل كرتوني بعنوان "الأب والشيطان وبوب" يتحدث عن علاقة شخص عادي بالإله وبالشيطان في إطار كوميدي، تحركت جبهة من جماعات ضغط دينية ضمت جماعات إسلامية ومسيحية ويهودية، وأدى الرفض العارم للمسلسل إلى امتناع المعلنين عن الإعلان في المسلسل؛ وهو ما أدى إلى أن ترفعه المحطة!
يمكننا كذلك الإشارة إلى دور آخر في هذا المحور تلعبه عملية التقويم وهو "تصحيح الأخطاء"، فمثلاً يعتمد فيلم "همام في أمستردام" على الصراع الذي يدور بين المصري "همام" وشخص يهودي، فيما يشاهد اليهودي المصري مرتديًا سترة جلدية عليها علامة الصليب المعقوف أو السواتسكا النازية! وهذا أمر لا يمكن حدوثه لأنه ممنوع وفقًا للقانون الهولندي. يمكننا أيضًا أن نذكر في هذا الصدد دور "إذاعة الأمل" في رواندا والتي كانت تبث برامج مليئة بالأغلاط والتحريض حتى اعتبرها البعض أحد أهم أسباب المذابح هناك ضد "التوتسي".
وفي هذا الإطار لو كانت هناك عملية تقويم للمادة بشكل تاريخي ومجتمعي فربما أمكننا تجنب بعض المشاكل على الأقل وتصويب الأخطاء، سواء الموجودة في المادة أو الممكنة نتيجة تفسير خاطئ لها، وبالتالي تصبح "عملية التقويم" جزءًا من العملية الديمقراطية ككل.
المحور الثالث: هو المحور الفردي المتعلق بحق الفرد في المعرفة وخاصة في إطار العملية الفنية بوصفها الآن عملية تفاعل لا مجرد تلق وانفعال، ومن ثم يصير التقويم الفني للمادة جزءًا من تفاعل الفرد معها، ومن خلال التقويم يتم تقديم رؤية نقدية للعمل المتاح أمام الفرد؛ وهو ما ييسر عملية التفاعل معه بحيث لا يقتصر التفاعل على مضمون العمل ولكن يتجاوزه إلى كيفية تقديم العمل والآليات الفنية التي تدخلت في العمل وأدت لإخراجه بالشكل المقدم، ومن ثم تصبح عملية التقويم عملية معرفية معلوماتية تفاعلية تقدم للمشاهد المتفاعل معلومات عن العمل وتعرفه بآليات الصناعة الفنية وتيسر تفاعله مع العمل، خاصة في إطار الشبكة العنكبوتية التي تتيح للمشاهد المشاركة في التقويم والتداخل في إبداء الرأي في كل أنحاء العالم.
ومن أمثلة التقويم المعمول بها حاليًا نجد "التقويم التدرجي" المعمول به في الولايات المتحدة، وهو نظام يعطي للمشاهد فكرة عن محتوى الفيلم عبر حروف تمثل رؤية شاملة، سواء لاتحاد المنتجين أو عينة عشوائية من المشاهدين حيث G تعني General أو عام وPG تعني Parental Guidance، أو يفضل أن يشاهد الآباء العمل مع الأبناء، وهكذا. وهذا النظام ليس رقابيًا ولا حصريًا ولكنه تقويمي واختياري ومتاح سواء عبر المادة نفسها (يتم طبع الحرف على المادة الفيلمية وإعلاناتها أو غير ذلك من مواد مصاحبة) أو عبر وسائل الإعلام والإنترنت.
كذلك سنجد موقعي IMDB وEOL حيث يتم تقويم الفيلم أو العمل المرئي فنيًا وفقًا لنظام خاص بكل موقع. وتتاح مساحة رأي للمشاهد من خلال الحوار التفاعلي. ويعتمد موقع IMDB على إعطاء درجات للفيلم من 10 حسب رأي المشاهد ووفقًا لنظام خاص موضوعي لتعديل الرأي؛ حتى لا يتم تعرض الموقع لهجمة متكررة للتأثير في الرأي، ويعلن الرأي في الفيلم بعد وصول 5 أصوات على الأقل.
بينما يعتمد موقع EOL على إعطاء معلومات نقدية عن الفيلم في شكل تقويم فني دون درجات، والمشاهد يستطيع تقديم رؤية نقدية في عدد محدود من السطور دون تحويل هذه الرؤية إلى درجات.
ومن المواقع المشابهة العربية سنجد موقع سينما العرب على شبكة "عجيب" لكن الجزء النقدي في الموقع لا يعمل، رغم وجود أيقونة النقد فيما يتعلق بالمعلومات حول الفيلم. ناهيك عن أن ثمة معلومات كثيرة خاطئة حول العمل الفني في هذا الموقع.
كذلك يمكن الرجوع إلى مواقع أرشيفية مثل Pathe أو Metro حيث يعرض رأي المشاهد في أفلام خاصة من إنتاج الشركات صاحبة الموقع.
وعملية التقويم في المنطقة العربية موجودة منذ قيام السينما، وتظهر أحيانًا في شكل درجات النقاد في المجلات المتخصصة أو على مواقع مثل سينما أون لاين، ولكن ما يعيب هذه العملية أنها فردية وغير منظمة وتخضع أكثر للجانب الذاتي ويقيم العمل في أغلب الأحيان بشكل انطباعي.
التجربة المنظمة المستمرة في إطار التقويم هي تجربة مركز الفيلم الكاثوليكي، وهي تجربة تُقوّم الفيلم اجتماعيًا من حيث تأثيره في الأسرة وتقديمه لرؤية جيدة حولها، بل ويتم إعطاء جوائز لأفضل الأفلام من هذا المنطلق، وهي تجربة تتجاوب مع رؤية الكنيسة الكاثوليكية في الأساس ويتم الرجوع فيها لنقاد فنيين، ولكن أساس الحكم هو المعيار الأخلاقي لا الفني. وتفيد تجربة المركز الكاثوليكي في كونها تقدم أرشيف بيانات عن الأفلام منذ إنشاء المركز، وبداية التجربة رغم أن بعض معلومات هذا الأرشيف ناقصة وأحيانًا خاطئة.
الخدمة.. لا القيد!
مما سبق نرى أن ثمة ضرورة خدمية لوجود تقويم عربي لصناعة المتعة المقدمة للعالم العربي والإسلامي، يراعي هذا التقويم كافة الجوانب والمحاور السابقة، ويكون بمثابة أرشيف وملتقى للحوار ومدرسة فنية للجمهور.
وهذا التقويم سيكون بمثابة تصحيح لكثير من المعلومات الخاطئة، وأيضًا سيتيح للباحثين فرصة التعرف على رأي الجمهور في الأفلام؛ وهو ما يوفر أرضية أكبر للتطوير داخل الصناعة.
وجود موقع عربي للتقويم أصبح ضرورة ملحة، وسيمثل تطويرًا كبيرًا لأداء المواقع العربية الخدمي على الشبكة العنكبوتية.
|