English

 

الأحد. يونيو. 3, 2007

 
   
روابط من إسلام أون لاين

بقايا صور في يوم الخامس من حزيران

نوال السباعي

دمشق تلهث، تهرول نحو لا شيء، الناس يخافون أن يُفْقَدُ البُنُّ والسُّكَّر أكثر من خوفهم فقدان الحليب والدقيق والملح، وكُلُّها مواد يجب أن تُكَدَّس في بيت المؤونة، الأشرطة اللاصقة نلعب بتثبيتها في قُطْرين متقاطعين على نوافذ بيتنا حتى لا يَتَكَسَّر الزجاج، كلما اخترقت طائرات العدو جدار الصوت فوق رؤوسنا.

في المدرسة طلينا كل النوافذ بالدهان الأزرق، أبي مهموم بشراء المؤونة، نظارته على عينيه، والمذياع دائمًا إلى جانبه، أو هو إلى جانب المذياع، يصيح بنا بين الحين والآخر كي نخرس أصواتنا حتى يستطيع أن يسمع، فالحرب على الأبواب.

أمي منهمكة في أعمالها، وقصص مدرستها وتلاميذها، وأهل هؤلاء الذين لم ينقطعوا عن التردد على المدرسة طوال النهار لاصطحاب أبنائهم قبل أن يحصل مكروه!، "حسن" ابن جيراننا بسنواته الخمس، ومن شرفة بيتهم، يتعلق على "درابزين" الشرفة من تحت إبطيه، ويتأرجح هناك في عملية خطيرة مرددًا - وبأعلى صوته -: "يا جماهير الأمة، أيها الشعب العربي الصامد، إن ساعة الحقيقة قد أزفت، وأن جنودنا الأبطال يقفون بالمرصاد للعدو، أيها المواطنون، سنهزم الأعداء، وسنرميهم في البحر، وستبقى الأمة العربية رافعة الرأس، كريمة أبية، ثم يصمت لحظات، ويعود إلى الخطابة: "أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة".. "أهدافنا: وحدة، حرية، اشتراكية". أمي تقبض على يد أختي الصغيرة من يدها، وأنا معها، نهرول نحو بيت الجدة للاطمئنان عليها، الشوارع كئيبة كل شيء فيها رمادي، حرس الدفاع المدني من الرفاق الحزبيين بأسلحتهم الرشاشة، ولفافات التبغ، وشعورهم المنكوشة، والشارلستون الكاكي العسكري، ينتشرون في كل مكان، يوقفون السيارات؛ لِدَهْن فوانيسها، باللون الأزرق، ويوزعون التعليمات على الناس في "بَرَوْظَة"[1] وانهماك وعصبية، أصحاب الدكاكين مشغولون ببيع بضائعهم وبأبهظ الأسعار على الرغم من تحذيرات الحكومة المتتالية عبر الإذاعة، والإشاعات في الشارع تسري كالنار في الهشيم،… وأنا ألعب بأربع خوخات حمراء كان قد أعطاني إياها أبي لدى خروجنا من الدار.

وصلنا بيت جدي، اطمأنت أمي على أمها المريضة، وقفلت عائدة، ولم تَرْضَ أن تنتظرني؛ لأبحث عن خوخاتي التي تركتها مُخبَّأة في حديقة البناء، فضاعت، وقبل أن نصل حارتنا كان أبي في تلهف بانتظارنا، وسأل عن سبب بكائي، وقال: "غدًا نشتري لك غيرها"، ثم شدني من يدي، وعاد أدراجه إلى بيت الجدة، صفارات الإنذار تنطلق على حين غِرَّة، ذلك الصوت المريع ما زال يمس قلبي بتيار من الرعب والقرف والرفض، وأبي وأنا نهرول ملتصقين بالأبنية، مختفين أحيانًا داخل البوابات ننظر نحو السماء، خوفًا أن تنزل علينا صاعقة، وفي أقل من ربع ساعة وصلت إلى بيت الجدة، وَوَجَدْت الخوخات فرحت بها وأخذتها، وقفلنا عائدين ركضًا نحو بيتنا وأبي يكيل لي جميع أنواع الشتائم.. ويقول: "كأنه لم يَبْقَ خوخ على وجه الأرض".

أصوات الإذاعات تنطلق من كل مكان، بأناشيد النصر، وزغاريد الثورة العربية المجيدة، والوطن الأكبر الذي كل يوم أحلامه تكبر، وانتصاراته تملأ حياته، وهو يعيش ويتبختر.

هدأت أصوات الإنذار، وخرج "حسن" إلى الشرفة من جديد؛ ليردد بصوت عالٍ كل ما كان سمعه في المذياع أثناء تجربة الغارة آنفًا: "أيها الشعب العربي، هذا هو جيشك المناضل على أبواب التاريخ على الجبهة الشمالية والجنوبية، وهؤلاء هم رجالك الأشاوس قادمون لغسل العار، واستعادة الأرض لأن العربي لا يسمح أن تُهان كرامته، ولا أن تُدَنَّس أرضه وسيرى الأعداء انتقامنا وبأسنا.

في العشية كان كل شيء في بيتنا أزرقًا، النوافذ، الآمال، النصر الآتي، مكتبة بيتنا كلها زرقاء، كنا قد قضينا شهرًا نغلف كل كتب مكتبتنا بورق التجليد الأزرق، ونضع على كل كتاب بطاقة بيضاء تطرزها يد الوالدة بورق باسم الكتاب واسم الكاتب ورقم يُميِّزه، ونحن غارقون في القص واللصق، نأتي "بتفسير الجلالين"، ونذهب "بماجدولين"، نأخذ "الرافعي" و"مي زيادة"، ونعيد "فرويد" إلى رفوف المكتبة حتى صارت كل المكتبة زرقاء، استأنسنا بزرقتها في ذلك الليل الأسود ليلة الخامس من حزيران.

كنت اقرأ في كتاب جاءت به أمي من المدرسة اسمه "صاحب الخيمة الزرقاء"، و"حسن" الصغير ما زال في الشرفة يردد بأعلى صوته: "إن جنودنا على أتم استعداد لمعركة الكرامة، والنصر، سنمزق الأعداء إربًا إربًا، وسنجعلهم عبرة لمن يعتبر، إن هذه الأمة لن تسمح لهذه الشرذمة أن تَعِيْثَ فسادًا في الأرض، وأن رجالنا البواسل قابضون على الزناد بانتظار لحظة الصِّفر؛ ليدمروا شُذَّاذ الآفاق، وأن لقاءنا في القدس، وإن غدًا لناظره قريب".

وجاء الغد، ويوم آخر مُرْ، وشهر، وأكثر، كانت شاحنات عسكرية كبيرة تمر في حارتنا، وعساكر يسيرون بالقرب منها يجمعون أكفانًا للجنود، الذين قضوا نحبهم، كان الرجال في الشرفات يبكون ويرمون بمسابل الأسِرَّة وأغطية المناضد، وكلما وصل نبأ استشهاد أحد أبناء الجيران تعالى العويل وكثرت الويلات، وشقَّت النساء جيوبهن، وضربن وجهوهن، لم يكن للشهادة طعم ولا رائحة، لم تكن الشهادة حينذاك شرفًا.. كانت أحزاننا تخنق آلامنا، في كل بيت رنة وعويل، وصورة لمفقود لم يعرف أحد مصيره.. فلم يذكر إذ ذاك أحد أن الشهيد لا يُكَفَّن ولا يُغَسَّل، وأن الذين يجمعون الأكفان كانوا أي شيء إلا جنودًا.

العائدون من الجبهة، تسللوا تحت جناح الظلام إلى بيوتهم واختفوا فيها، الضباط المنسحبون بذلهم وعارهم كانوا يقصون حكايات مفجعة عن أوامر بالانسحاب لا يدرون من الذي أصدرها، وذلك بعد أن وصل بعضهم طبرية وأقسم أنه غسل بمياهها وجهه.

المدارس أصبحت مراكز لاستقبال النازحين، شاحنات عسكرية كانت تفرغ هناك حمولتها الإنسانية القادمة من "القنيطرة"، نساء ورجال وأطفال يصافحون الشمس بجباه أبيَّة، ويتأففون من أخذ المساعدات التي كانت تفرغها هناك شاحنات أخرى، تحمل صناديق الطعام واللباس المتدفقة من الاتحاد السوفييتي، أهل القنيطرة وكلهم من "الشراكس" الذين كان أجدادهم قد فروا من أقدارهم في البوسنة والشيشان كانوا واثقين من عودتهم إلى مدينتهم بعد أيام من تلك التعضوضة([2]).. لكن ذلك لم يحدث حتى اليوم. "حسن" ما زال هناك أراه في غربتي اليوم، وأسمعه على الرغم من مر السنين، يردد ما يسمعه من نشرات الأخبار، وخطب الرؤساء، وكل التناقضات عن النصر والزحف الأكبر، والمعارك البطولية الرهيبة، أو عن الموت والدمار والخراب والذل والعار، والفضيحة.. والخوف وحده الوحيد الذي انتصر، الشعب صامت، والحكومات والجيوش يتبادلون الاتهامات، وكلمة واحدة ملتفحة بالسواد، عنقاء تجوب العقول والقلوب، من المسئول؟! من المسئول؟!

مرَّت السنوات.. وسُرِقَت طفولة "حسن" وبراءته وعبقريته، كما سُرِقَت طفولتي وأحلامي الزرقاء، والمجرمون كثيرون، وكلما نظرت إلى وجه من حارتي رأيت في جبهته ظلمة الجريمة، كل أبناء ذلك الوطن حملوا وزرًا فوق أوزارهم وساهموا في طعن وطنهم، كلهم كان فرعونَ صغيرًا أو هامانَ كبيرًا. سقطت القدس، ونصف الأردن، وربع سورية، وسيناء، ودُمِّرَت جيوشُنا، وضاعت فلسطين، اغْتُصِبَت كرامتُنا، وانكسرت في داخلنا كل الأشياء، ولم تبق إلا الشعارات، والكذب، والنفاق، والبطش، والظلم والفراعنة منتشرون في البيوت والوزارات، والأسواق، والجامعات لم تبق إلا خوخاتي الأربعة التي خاطر والدي بنفسه من أجل أن يعيدها إليَّ، "وبقايا صور" كان قد اتخذها شيخ الروائيين السوريين "حنا مينة" عنوانًا لكتاب تحدث فيه عن مجتمع متفسخ مريض يختنق بِعَفَنِه، تسبب من حيث ندري أو لا ندري بوصولنا إلى تلك الهزيمة المُريعة.

ووجدت نفسي واحدة من أبناء جيل النكسة جيل الخديعة، جيل أضاع ثلاثين عامًا، يبحث عن نفسه التي فقدها ذات يوم من أيام حزيران عام 1967م، وعلى الرغم من أنه بدأ يضع الآن قدميه على أول الطريق، لكنه ما زال، يتخبط في آلامه وإحباطه، هائمًا على وجهه، هناك مع أشباح أولئك الجنود المفقودين، أشباح وأرواح ما زالت تطوف تلك البقاع تطالب الأمة أن تشق لها قبورًا، أو أن تمتلك الجرأة الكافية لإحصاء أسماء ضحاياها ونشر أسماء الجلادين.


[1] كلمة عامية سورية تعني التعالي والترفع والغرور.
[2] الزمن الشديد الكَلَبْ.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم