English

 

الاثنين. يناير. 6, 2003

ثقافة وفن » تراث وحضارة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

من أوراق فتاة عربية:

في بلدات أيرلندا.. مسافر زاده نضال

Image
تتعدد حملات الاهتمام بالقضايا العالمية
هناك سببان رئيسيان دفعاني للكتابة عن تجربتي في أيرلندا، الأول: رغبتي في أن أشرك غيري فيما وجدته من حرص ودعم تجاه القضية الفلسطينية على بعد آلاف الأميال من موطن النضال الأصلي. والثاني: عثوري على نموذج يعتبر محط إلهام لشعب يناضل، بعد زوال "الاستعمار" وقهره في مقاومة الطغيان المتعولم أينما وجد وكيفما ظهر.

فقد وجدت في الأسبوعين اللذين أمضيتهما بأيرلندا شعبا مثابرا على المقاومة ونهضة مليئة بالتفاؤل والجهد.

وهنا أروي تفاصيل بعض ما قابلته في تلك البلد خلال شهر سبتمبر 2002، لعلي أستطيع أن أسهم في إيجاد مثال قد يدفعنا للأمام – فللتخاذل عندنا دواوين لا تحصى!

بين يوم وليلة أقنعتني إحدى صديقاتي بالسفر لأيرلندا، فطالما حلمنا سويا برؤية ذلك البلد الذي أخرج للعالم أعظم الأدباء والموسيقيين والسينمائيين، بجانب تاريخه السياسي الحافل في النضال. ولحسن الحظ تمكنت أنا العربية المسلمة من استخراج جميع أوراق السفر دون مماطلة أو التعرض لعجرفة ذوي التحضر الذين يعتقدون أن نضالنا يهدف إلى تدمير حضارتهم، تلك التي تضمن لهم حرية الرأي والتمدن!

دبلن اليقظة

وهبطت طائرتنا وأعيننا تدون ما نرى.. دبلن العاصمة نشطة، يقظة، نامية ومتطلعة.. غربية المظهر والملامح، شرقية العواطف والرونق. لكن كيف لعواطف الشرق أن تجد مستقرا في الغرب؟

بلى.. لقد هبطت طائرتنا في أوربا، لكنها ليست أوربا التي نعهدها، إنها أيرلندا، وهنا يطول الشرح. فهي كأوربا، نمط حياتها سريع، شعب يلهث بكد وراء إشراق جديد، إشراق قد لا يراه الآلاف الذين يلهثون وراءه، وإنما يقينه به يكاد يجعله كامنا في الأفق، لكنه شعب لا يمضي كعموم أوربا غير مبال بما حوله، إن تطلعه للمستقبل ينبع من وعيه وإدراكه لماضيه وحاضره ولأحوال العالم من حوله.

وكان لصديقتي زميل أيرلندي -يعمل معها بمجال السياحة في مصر- قابلنا بدبلن فور وصولنا، وأصر أن يرينا بلدته المسماة بـ "كورك".

وعلى متن القطار في طريقنا لكورك، رأيت أيرلندا الخضراء: مزارع مديدة خصبة، تلالا متنهدة، وقطعانا من الخراف أينما نظرت، عبر نافذة القطار شاهدت ديار الفلاحين المتواضعة.. وآثار دمار. نعم.. فعلى الجانبين قصور تبدو كأنها من العصور الوسطى، رمادية الحجر، شامخة، محصّنة لكن تشوبها ثقوب عميقة. تملكتنا الدهشة ليعلق رفيقنا الذي لاحظها: "هذا من حقبة النضال المسلح" وأسأل: "لكنها من آثار بلادكم، فلم لا ترمم؟"، وجاء الرد: "كي لا ننسى".

أصابتني الدهشة لجوابه في أول الأمر، ولكن لدى وصولنا إلى كورك وخوض سلسلة من التعارف بات رده مشروحا. فهناك قرأت على الجدران لافتات تحيي المقاومة الفلسطينية، تنهر الاحتلال الصهيوني، تصيح في الوجوه: "لن تقتل أطفال العراق بموافقتنا أو رضانا".. ودهشت! لكن ما خفي كان أعظم.

الحقيقة بتوقيع شاب أيرلندي

دعوة لمقاطعة شركة البترول التي تهدد البيئة 

ففي حفل خاص بأحد المنازل انهمرت علينا التحيات، وعلى ألسنة الجميع السؤال الحميم: "مصريات! عربيات!" وفي مجالس الحفل المختلفة لم يكن الحديث عن السياسة غائبا، بل لم يكف الشباب عن إظهار وجهات نظره دون صخب أو توتر.

وعلى أحد جدران المنزل رأيت ملصقا كبيرا كُتب عليه: "إسرائيل تهدم المنازل – تقتل الأبرياء – تعذب المناضلين – إسرائيل دولة استعمار! فأين الديمقراطية في ذلك؟ وحقوق الإنسان؟ ودرس المحرقة؟ لا تبالوا بشعاراتهم الخادعة! فقد رأيت معاناة الفلسطينيين بعينيّ"، والإمضاء كان لشاب أيرلندي بتاريخ الانتفاضة الأولى، أي في أواخر الثمانينيات.

وسئلت: لماذا يتخاذل العرب عن حقوقهم؟ لماذا لا تنهض شعوبكم صارخة بكلمة الحق؟ نعلم عن حكوماتكم… لكن الحكومات لا تنهج طريق العدل من نفسها دون رقيب. هذا دور بل وواجب الشعوب.. هذه هي المواطنة.. لماذا تحنون رءوسكم للغرب؟ الإنجليز استعمرونا مثلكم، ولقد هزمناهم مثلكم، والآن كلانا محاصر من قبل العولمة والهيمنة الأمريكية، لكن عند ذلك ينتهي تشابه مصيرنا. فنحن ما زلنا نقاوم مدركين أن أحدا لن يكرّمنا دون أن نفرض عليه احترامنا.. هل تعلمون ذلك؟ إذن لماذا أنتم صامتون؟ نحن لا نسمع صوتكم مع أننا مؤمنون بقضيتكم. لقد عانينا الكثير، وباسم كل ضحايانا، لن نتكاسل.

لفت نظري في البلدات الأربع التي زرتها -وليس كورك فقط- وجود مكتبات عند كل ناصية، وكتاب في يد أغلب المواطنين، كتب لا تقتصر مواضيعها على الروايات العاطفية ومجلدات الترفيه، بل على العكس، إنها بلد الأدباء والسياسيين، وعلى ذلك فالمواضيع متنوعة ومعاصرة، لا تبخل على العالم بمعرفة أحواله، وإنما تتعطش للعلم.. ولو في الصين!

وفي بلدة جولواي، وهي من المدن المأهولة بالطلاب الجامعيين، كان يستوقفنا شبان وشابات يوزعون البيانات لمنظمات حقوق الإنسان ومناصرة العدل. فعلى سبيل المثال، تحدثنا مع شاب يدعو للانضمام لمؤسسة "أمنستي إنترناشيونال"، وآخر كان يروج مقالات "أوكسفام"، وفتاة مهتمة بأحوال السجناء في العالم، وأخرى تجمع التبرعات من أجل مساندة ضحايا المجاعات في إفريقيا.

كما كان ذلك التنوع في المواضيع والنشاطات واضحا في كورك، حيث أمضينا آخر ساعتين لنا بالمدينة في حديقة "بيس بارك" العامة والتي كانت تشهد تجمعا مناهضا لضرب العراق ومطالبا بإنهاء الاحتلال في فلسطين.

وعلى الجانب الآخر كان هناك نموذج لنمر بري وحوله لافتات تُدين شركة إسو للبترول التي تتسبب في إهدار الحياة البرية، وأكشاك عديدة كل واحد منها منفرد بالتوعية عن موضوع ما (ولم أكن قد شاركت في مظاهرة من قبل لا يغلب عليها الهاجس الأمني، يحاصرها الضباط والهراوات والغاز. ولا أدري كيف أعبر عن انبهاري، ليس فقط لتغيب المدرعات وذويها، لكن لجو الحرية والانطلاقة الذي شهدته! وآهٍ!).

أما عن تاريخ النضال الأيرلندي، فيصعب علي أن أختصر مئات الأعوام من المقاومة في عدة سطور، وعلى المريد أن يبحث في هذا التاريخ الحافل. لكنني أظن أنه من المنطقي أن أكتفي بالتذكير بموقع أيرلندا المجاور لإنجلترا، تلك البلد الذي احتل العديد من الدول، ونهب مواردها وأذل شعوبها. فلنا أن نتخيل ما وقع بأيرلندا وهي على مقربة من القصر الملكي البريطاني، ومن الأمثال الصاخبة لذلك الطغيان والتي ما زالت تحمل مردودات في الحاضر: "اللغة الأم" للشعب الأيرلندي.. فالإنجليز لم يكونوا ليتركوا شعباً بأكمله، مجاورا لهم، ناهيك عن معارضة هذا الشعب لنفوذهم. ولذلك فقد قُمعت لغة البلاد من قبل الإنجليز حتى جاء القرن 19 معلناً عن شبه انقراضها وانفراد اللغة الإنجليزية ليجيدها 85% من شعب أيرلندا، أما اليوم ومنذ استقلال أيرلندا في القرن العشرين فيعمل الشعب الأيرلندي على إعادة لغته إلى الحياة بتدريسها في المدارس، وجعل جميع اللافتات في الطرقات والأوراق الرسمية تضم اللغتين الإنجليزية والأيرلندية، وعلى هذا نشأت مؤسسة حكومية تدعم انتشار اللغة الأيرلندية.

(أما الشباب الأيرلندي، فيجدون بهجة وسببا للتفاخر في كونهم أجادوا لغة الإنجليز لدرجة أن أعظم أدباء تلك اللغة كانوا وما زالوا أيرلنديين!!).

"نيس" و"ماكدونالدز"

دعوة للمسيرة المليونية لمساندة القضية الفلسطينية 

وهناك مثال آخر.. أجد دلالاته أكثر تعبيراً عن موقف الشعب الأيرلندي في رفضه لمحاولات السيطرة حاليا، وهو إعادة استطلاع الرأي في معاهدة نيس المقدمة من قبل الاتحاد الأوروبي. ففي أول استطلاع للرأي حول هذه المعاهدة، صوتت الأغلبية العظمى من الشعب برفضها، ولا يصعب على المرء فهم دوافع هذا الشعب في الرفض. فالمعاهدة من شقين، الأول يتضمن تكوين "جيش للرد السريع" مكون من 60000 ويخضع لتحكم الاتحاد الأوروبي، ويتعاون مع حلف الناتو. أما الشق الثاني من المعاهدة فيطالب برفع معدلات التعاون بداخل الاتحاد الأوروبي بحيث يؤثر ذلك على البرلمانات والمحاكم وفرق البحث والتطوير بشكل عام، وأسباب المعارضة هنا كامنة في قلق الكثيرين من أن يجعل هذا التعاون من أوربا قارة خاضعة لنفوذ قطبين فقط دون غيرهما بداخل الاتحاد وهما فرنسا وألمانيا.

وقد أدهشني قرار الحكومة بإعادة استطلاع الرأي مرة أخرى مع التركيز هذه المرة على حملات دعاية مناصرة لنيس. وكان من الواضح خلال فترة زيارتي أن المناصرين والمعارضين لنيس لن يبقوا مجالا لإعادة استطلاع الرأي هذا؛ فإن وجدت لافتة تقول "نعم لنيس، الوحدة والرخاء" فتجدها محاصرة بلافتات تقول: "لا لنيس، معاهدة الذل والادعاء" والعكس صحيح.

كانت الشوارع عامرة بتلك اللافتات بحيث يجد المرء نفسه لا يجول بباله سوى كلمات نعم ولا! والمناقشات على الراديو لا تفرغ من الندوات المحللة لـ نعم ولا.. (ولم تسنح لي الفرصة لمشاهدة التلفاز).. وأخيراً ظهرت النتائج في منتصف شهر أكتوبر (بعد عودتي بحوالي شهر).. تمكنت الحكومة الأيرلندية من هزيمة الأصوات المعارضة، بكسبها نسبة 62,89% أدلوا بنعم!!

ولم أفهم، وقرأت التحليلات والمقالات، لكن شيئا ما ظل غامضا.. ولكن النتيجة جاءت لتذكرني بأن المقاومة أمدها طويل، وأن العبرة في الاستمرار. وأظن المعارضين في أيرلندا لن يسأموا.

وعندما علمت بنتيجة الاستطلاع تذكرت واقعة في كورك حول مطعم ماكدونالدز، فعندما مررنا بمطعم لماكدونالدز في قلب المدينة علق رفيقنا: "آهٍ لو تمكنت الرأسمالية من هذا البلد! لقد سهر أهل كورك على جعل هذا المبنى التاريخي مكتبة عامة يستفيد منها المواطنون. فجاءت اللعنة الأمريكية بأموال طائلة ووعود وردية أعمت المسئولين، وأصبح مشروع المكتبة عبئا اقتصاديا. وهاهو ذا قصرنا الأثري يبيع الماك برجر!!".

من الممكن قراءة أحداث استطلاع نيس وحادثة ماكدونالدز كآيات عن عجز المعارضة وعدم جدواها، ومع أنني كثيراً ما أنتقد لكوني متفائلة أكثر مما يجب، لكني ما زلت أتذكر المسيرات واللافتات والمناقشات والحماسة، والتاريخ مليء بأحداث مشابهة يبدو فيها أن نفوذ القوي لا يقهر، وأن العدل مبدأ منقرض، ولكن…

اعرف أعوانك

لا لضرب العراق نداء خرج من العواصم الغربية 

وجاء يوم 11 سبتمبر ليجدني وصديقتي في بلدة صغيرة بالشمال الغربي لأيرلندا، وهي المسماة بسليجو. وأثناء تجوالنا بالشوارع رأيت العديد من الأعلام الأمريكية ترفرف في سماء البلدة الصغيرة من المحال والمنازل. فسألت: "لم؟"، فقد اتهم الأيرلنديون مرارا وتكرارا بالإرهاب، لكن الرد لم يكن قاطعاً. ففي حادثة أبراج نيويورك مات الكثيرون من الأيرلنديين الأمريكان، وللضحايا ترفرف هذه الأعلام.

أما الإسلام.. فقد سئلت عنه من قبل أغلب من قابلت، وابتغاء المعرفة واضح في الأعين، كما أن لهجة السؤال كانت تدل على فضول من لا يعرف. وكانت من بين قائمة الاستفهامات:

  • لماذا يقولون عنكم ما يقولون؟

  • ماذا أراد محمد؟

  • لماذا تزوج كثيراً؟

  • والقرآن.. ما هو؟

  • ونساؤكم، لِمَ "يتكتفن" هكذا بداخل زي خانق؟

وأجبت على قدر علمي. اقتنع البعض ولم يوافقني البعض الآخر.. تفكر البعض وتحير البعض الآخر.. وسعدت بكل الحالات، سعدت برغبتهم في المعرفة وبوجه أخص برغبتهم في معرفة ذلك مني.

وأدركت أننا قد غفلنا كثيرا عن الدعوة، فهي واسعة النطاق لا تقتصر على استقطاب مسلمين جدد بل تتسع لتضم -وفي رأيي لتهتم بالدرجة الأولى- بالتوعية بحضارة عريقة، نشأتها قديمة، وتطورها طويل، امتدت بعيدا وما زال لها مستقبل مديد. ولكن، هل من داع؟

علينا أن نتعدى عزلتنا هذه، فما هي باكتفاء ذاتي، ونضم صفوفنا بالداخل والخارج حتى نكّون جبهة واحدة، لا تعطي المجال لدسيسة قد تهدم وحدتها أو تجرّح وتشكك في أهدافها.

وبات واجبا علينا أن نقرأ كي نعلّم وأن نقرأ كي نتعلم، فمثلما تستوجب المعركة على المناضل دراسة أعدائه فإنها تلح عليه أن يعرف ثم يخاطب ثم يعانق أعوانه أينما وجدوا.. بعيدا عن الاستكبار والمكابرة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم