|
الانتفاضة ! كلمة بلون الدم ارتسمت على جدران أيامنا، فأعطتها رائحة الثورة! مشاهد وصور تلهث محاولة اللحاق بواقع المأساة الفلسطينية لعلّها تحمل مِسْك الشهداء وتنثره خيوطًا من نور تضيء عتمة الواقع العربي.
الانتفاضة إرادة حرّة استطاعت أن تحطّم أغلالها وترفع أكفها للشمس، صبية أثارتهم حرارة الوعد، وأشعلت أرواحهم بالتمرّد على كل مبررات الخنوع، وعلى الصمت العربي المطبق على شفاه الكلام ! الانتفاضة الفلسطينية حجر مقابل رصاصة، وجدار مقابل صاروخ، ساعد مقابل مصفّحة، وقلب ثائر مقابل تكنولوجيا حربية بيد ترتعش ولا شيء يطمئنها كالدم !
والأدب ارتعاش الروح بين الواقع ورؤى المستقبل، انفعال القلم بين ما يريده الأديب وبين ما يجده ! بين ما يظنه الحقيقة والعدل وبين ما تفرضه تفاعلات الحياة من أنماط فكرية وسلوكية.
الأدب مرآة لا تريك الوجوه وإنما تحمل إليك أسرارها وما تخفيه وراء الأقنعة، ميراث البشرية التوّاقة للتحرر من عجزها ! قدرتها على الحديث عن نفسها، أحلامها، آلامها، وأسرار التواصل فيما بينها.
الأدب هو الحرية بروحها وعنفوانها وانسياب معانيها في الذهن والشعور، طريقة ابتدعها الإنسان ليتحدّث بلسان الآخرين حين يتحدّث عن نفسه ومكنونات روحه، وهو كائن حي لأنفاسه أثرها في تضاريس الزمن، وعلى جلده الرقيق ترتسم بصمات الأحداث والتجارب الإنسانية على اختلاف مستوياتها.
والانتفاضة الفلسطينية التي حملت للعالم العربي هذه المرارة وهذا الألم لم تكن بمنأى عن الأدب، بل إنها منحته من روحها، وكانت إلهامه في كثير من الأعمال التي بدت للقارئ وكأنها روح جديدة وقالب جديد له ملامحه الخاصة وحضوره المميز، فمنذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، والتي بدأت بشرارة أدخلها الشهيد "خالد أكر" إلى الأراضي الفلسطينية بطائرته الشراعية في 25/ 11/1987م في معسكر إسرائيلي تم فيه القضاء على ستة من جنود العدو وإصابة العشرات منهم، احتفظت الذاكرة العربية بحالة الذعر التي أصابت جنود العدو وهم يصورون ما حدث أثناء العملية وكأنه كابوس استيقظوا منه على الموت البارد، والرعب الملتصق على حواف البصر.
أدب المقاومة:
وقبل ذلك التاريخ بوقت قصير كان العدو الإسرائيلي قد بدأ يصدّق نفسه بأن الفلسطينيين تفهّموا قواعد لعبة المحتل، وآثروا التعايش مع الجرح في ظل الصمت العربي، ولم يَعُد ممكنًا إلا الرضوخ، والرضى بفتات الكرامة في ظل حياة ممرغة بالقهر.
في تلك الأثناء كان أدب المقاومة يمارس دوره في تسليط الضوء على القضية التي بدا الجميع فيها وكأنهم اتخذوا قرارًا بالنوم على الحجارة بدل حملها. واقع عربي مخدّر، وحياة تسير على جلود المهجّرين وتدوسهم فيقاومونها بقصائد عن المنفى بذُلِّه وضياع الأمنيات، وعن المرافئ حين تلفظ الراحلين عن أوطانهم وما زالت الأغلال تلقي بصدئها على أيديهم، وتحدثوا عن غضب حزين، ولوم امتد من الأسلاك الشائكة حتى آخر شبر في أرض العرب. كان الغضب في أدب المقاومة مريرًا، ومحملاً بانكسار الفدائيين، بعد أن توالت الهزائم في واقع وشعور الفلسطينيين، كان أدب المقاومة ساخطًا على الأنظمة والحكام، وحالة السبات العربية، بل ومارس جلد الذات في كثير من الأحيان، ولم يحمل للمنتظرين تحت سماء الوطن الصبور غير فراغ الأكف وكثيرًا من حسرة واعتذار. حتى بدا مرآة عكست المراحل التي مرّت بها المقاومة الفلسطينية من التفاؤل المطلق في البداية، إلى التراجع المحمّل بوزر القرارات السياسية غير الحكيمة، وهذا ما لمسناه جليًّا في حرب لبنان حيث لمع في سماء الشعر طفل( الآر بي جيه)، الذي سريعًا ما حمل عذاب الجلاء، ومرارة الذبح في صبرا وشاتيلا؛ ليترك في الأدب غصة خلّفت وراءها قصائد وقصصًا حملت خيوط تساؤل يائس، وأبعدت مع الوقت القارئ العربي عن أدب المقاومة الفلسطينية، وبدا أدبًا محزنًا، محبطًا، متشبثًا بالقلق والنقمة على العدو وعملائه في الداخل والخارج.
ولم يكن ممكنًا إظهار التفاؤل، وإن عمد إليه عدد من الأدباء؛ وذلك لأنه سيبدو غير منطقي وسيُدان من قبل القرّاء، فلا يوجد في الواقع العربي المعاش ما يبرره، فحتى صيف 1987م لم يكن في الواقع الفلسطيني ما يوحي بفقدان حالة الصبر، وتتأجج الشعور بالقهر، وتخلّي الشعب الفلسطيني في الداخل عن إستراتيجية انتظار النجدة من الخارج لتحرير الأرض وعودة المهجرين إلى بيوتهم التي ما زالت تحنّ لأنفاسهم.
أدب الانتفاضة
إن الانتفاضة الفلسطينية ثورة في الفكر الشعبي والواقع اليومي، فمشعلوها قوة سياسية واعية، وتشمل مجموع السكان. إنها إرادة جماعية نظمتها العفوية، فخلقت حالة من التضامن بين الأفراد، صهرتهم في بوتقة واحدة، وأوجدت لهم نظامًا جديدًا للحياة تحت ظروف مقاومة طويلة المدى، وهي ثورة معدية استطاعت أن تمتد بتأثيرها إلى المجتمعات العربية؛ لتهز ذاكرتها وتعيد لأدبائها روحهم العتيقة، ولسيوفها ذاك المضاء ! فإن كان السجين في أدب المقاومة يتخيّل شمس الوطن فهو في أدب الانتفاضة يحفر بأظافره جدران الزنزانة ليراها.
(1)
أيها المارّون بين الكلمات العابرة
آن أن تنصرفوا
ولتموتوا أينما شئتم ولكن لا تموتوا بيننا
فلنا في أرضنا ما نعمل
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الأول
ولنا الحاضر، والماضي، والمستقبل
ولنا الدنيا هنا والآخرة
الانتفاضة أعطت لأدب المقاومة مصداقيته، وأعادت إليه قُرّاءه، فهو لم يَعُد يكتفي بالتعبير عن هذا الغضب، وإنما صار يزرعه في سطور الأدب توقًا للتحرر، يلوّن شوارع العرب بالغضب !
وعاد الأدب لممارسة دوره الذي بدأ به بشحذ الهمّة العربية وتوحيد الصف تحت راية الجهاد، فأدب الانتفاضة نساء يحمين الصغار بأجسادهن، وأدب الانتفاضة شاب حمل القرآن بيد وبيده الأخرى حجر، وهو شهداء صغار تلطخت دفاترهم بدمائهم، شيوخ صاروا أوتادًا حول أراضيهم المهددة بالمصادرة.
وقد تجاوز أدب الانتفاضة الأنظمة والسخط عليها وصار يخاطب الشارع العربي بعد أن أثبت أنه جدير بالثقة، وقد ابتعد الأديب وفي ظني دون تعمّد منه عن المبالغة بالأناقة اللفظية وصارت العاطفة محور الأدب وجوهره، واختفت إشكالية الكتابة للعامة أو النخبة، فصار أطفال الحجارة هم النخبة !
(2)
أريد أن أُفجِّر الحروف
قصائد تطوف
وتعتلي منابر الوطن
تخاطب الجمهور والنظارة
عن فتية قد خرجوا
من جرحنا قد خرجوا
من سورة الحجارة
كما أن الانتفاضة جعلت الأديب ينضم لصفوف المتظاهرين في الشوارع المشتعلة؛ ليصور بعين الأديب النابضة حرب الشوارع الخالية من أبسط قواعد العدل. إنه أدب تسوده الحركة والانفعال، وتتفاوت فيه مناطق النور والظلال عبر قمم وقيعان ممتلئة بالدهشة والتمرد.
(3)
كان كالسرو منتصبا
والبنادق من حوله
تتقيأ أحشاؤها
لهبًا وحديدا
لم تكن تتطامن أغصانه للرياح
أو يدير لهم ظهره
لم يكن يتخلص من حجر
هو في يده ترسه والسلاح
ففي حين يصوّر أدب المقاومة في معظمه فلسطينيي الشتات عائدين بالبنادق، يصور أدب الانتفاضة التحرير من الداخل بحجارة تشعل الأرض بدم غاضب يكون بوابة العبور للعائدين! فجيل الانتفاضة لم يحمل مخاوف الآباء بل حمل مرارة ذاكرتهم، نشأ في ظل الاحتلال البغيض، وتمكن من رؤية الجنود وهم يرتعشون فاشتدّ ساعده، وعرف أن القوة الحقيقية في ما يحمله الصدر، لا فيما يحمله الكف !
لذلك نجد أدب الانتفاضة يمجّد صورة الطفل المقاتل، ويستوعب مصطلحات حملت هويته مثل الحجر والمقلاع والمولوتوف..
(4)
حجارتنا، تنبض بالأطفال، بالنهارات الجديدة
حتى المطر، يدخل الأفق مطرًا، ويخرج أطفال حجارة
حاذر، حاذر الحجارة تمر فوق رؤوسنا
النقود، التيجان، النياشين، صارت عقارب
والحكام تلقيهم ثيابهم، أوراقًا في الريح
حدق بالحجر جيدًا وناده هو طفلك
حان آذان الفجر
الوقت حجر، الماء حجر، الزيت حجر
لا حي سوى أطفال الحجارة
وبالرغم من المحاولات الدؤوبة لإجهاض الانتفاضة وعلى رأسها مفاوضات السلام، إلا أن الأثر الذي تركته تجربة الانتفاضة في روح الشارع العربي والفلسطيني لا يمكن تجاوزه، وهذا ما أثبتته انتفاضة الأقصى التي رويت بدماء زكية عرفت طريقها إلى السماء، ففي حين راهن أعداؤنا على انتهاء زمن الانتفاضة، ينتفض الجزء الآخر من الجسد الفلسطيني لتكتمل الثورة ! وما محمد الدرة إلا شعلة يستضيء بها المجاهدون والأدباء؛ ليتحدثوا عن وطن لا يموت؛ لأنه يحمل في كل قطرة دمٍ تُراق عمر مجاهد.
(5)
هو رامي أو محمد
صورة المأساة تشهد:
أن طفلاً مسلمًا في ساحة الموت تمدد
أن جنديًّا يهوديًّا على الساحة عربد
وتمادى وتوعد
ورمى الطفل وللقتل تعمّد
هو رامي أو محمد
صورة المأساة تشهد
أن طفلاً وأبًا كانا على وعد من الموت محدد
مات رامي أو محمد
مات في حضن الأب المسكين
والعالم يشهد
المقاومة وليدة الظلم وقاتلته، وهي الشكل الواقعي للتغيير، والمجاهد الذي يصنع النصر بإذن الله، تصنعه الكلمة! إنه دور الأدب في كل مراحل حياة البشرية (بناء حياة تليق بإنسانية الإنسان)، وهذا ما يدعو إليه أدب الانتفاضة الفلسطينية حين يتحدّث عن بطولة الأطفال في شوارع الموت الصارخ، عن زغاريد النساء حين تصبح قلوبهن مساكن للصبر الجميل، عن معاناة المعتقلين في سجون العدو بين العتمة والتحرّق للجهاد، وعن حرارة التكبير على أفواه صغار عرفوا من القرآن صفات اليهود الذين ضُرِبَت عليهم الذِّلة والمسكنة.. وتخيّلوا خلود الشهداء بقلوب تطير.
الانتفاضة الفلسطينية شرارة الأرض العربية والمسلمة، وإيذانًا ببدء الملحمة! وسيظل أدب المقاومة متأثرًا بها كأغزر تجربة جهادية عرفتها المقاومة الشعبية، حيث أعادت ثقة العربي بنفسه، وأعادت للأدب مصداقيته.
هوامش ومصادر:
(1) الشاعر الفلسطيني "محمود درويش".
(2) "جان الكسان" ناقد من سوريا، قصيدة (تهوي ولا تريم).
(3) الشاعر "علي الفزاع" من الأردن، قصيدة (لوحتان للفتى الفلسطيني).
(4) الشاعر الليبي "علي صدقي عبد القادر"، قصيدة (حجارتنا تنبض).
(5) الشاعر السعودي "عبد الرحمن العشماوي"، قصيدة (رصاص وسكون).
|