English

 

الاثنين. يوليو. 9, 2001

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الخواطر والمقالات

 

المكي والنبوي والأقصى يتفاخرون

Image
  • أنا المسجد الحرام. أنا أطهر بقعة على ظهر الأرض.. أنا بيت الله العتيق، ومهبط الوحي الأمين، وموطن النبي الكريم، وحرم خليل الله إبراهيم.. انظروا إلى الآلاف الذين أتوا إليّ من كل فج عميق، تهفوا قلوبهم إليّ، وتشتاق أعينهم لرؤيتي، وتحن نفوسهم إلى الطواف بكعبتي، يعظمونني ويقدسونني، وما فعلوا ذلك إلا لأن الله عظمني وطهرني وقدسني.. بل انظروا إلى الملايين الذين يتوجهون إليّ بأفئدتهم ووجوههم في خشوع تام، ويكبرون جميعًا تكبيرة الإحرام، ويؤدون أعظم شعيرة في الإسلام، شعيرة الصلاة التي لا تتم إلا باستقبالي روحًا وقلبًا وجسدًا، كفاني بذلك عزًا وشرفًا ومجدًا، والله ذو الفضل العظيم.
  • وأنا حرم محمد سيد الأولين والآخرين، أنا بيت الإيمان، وموطن الصحابة الكرام، ومن مدرستي خرج أبطال الإسلام، لينشروا دين الله في كل مكان. في باطني دُفن خير إنسان وُجد، وأعظم مخلوق خُلق، محمدٌ عليه الصلاة والسلام، وفيّ مسجده ومحرابه ومنبره، وما زال جوي معطرًا بأنفاسه وذكرياته، هو وأصحابه العظماء الخالدون، وزوجاته أمهات المؤمنين. واختصني الله ببقعة عظيمةٍ من الجنة، ليس في غيري من البلاد مثلُها، هي الروضة الشريفة، التي تُشدّ إليها الرحال، وتُضرب إليها أكباد الإبل.. زادني الله حرمةً وتعظيمًا وتشريفًا ومهابةً في قلوب المؤمنين.
  • وأنا المسجد الذي شرفني الله وقدسني، وبارك حولي ورفع شأني.. أنا بيت الله، ومسجد سليمان وداود، وزكريا ويحيى وعيسى ومريم، لم يجتمع الأنبياء في مسجد سواي.. ولم يسبقني إلى هذه الأرض سوى المسجد الحرام.. لم تفرض الصلاة حتى أتاني محمد صلى الله عليه وسلم، وعُرج به إلى رب الأرض والسماء.. في خير ليلة وأشرف ليلة عشتها، ثم ودّعني وعاد.. ولم يزل يصلي إليّ ويستقبلني هو وأصحابه في صلاتهم، حتى أمرهم الله بالصلاة إلى أخي المسجد الحرام.. ولم أنتظرهم طويلاً، إذ أتوني فاتحين، فتهلل وجهي واستبشر، وفتحت أبوابي للفاروق عمر.. فدخلوني مكبرين، إيذانًا بدخولي في عهد الإسلام وكنف المسلمين… إليّ تُشدّ الرحال، وفي سبيلي تُبذل أعناق الرجال.. والله ربي، فله الحمد وإليه المآل.
  • الحرمان: أهلاً ومرحبًا بالمسجد الأقصى المبارك.. منذ مدة لم نرك ولم نسمع أخبارك، اشتقنا إليك.. ما هذا الحزن البادي عليك؟ وما لنا نرى الأغلال في يديك، وكل المسلمين فداء ناظريك؟.. هل عاد الصليبيون واستباحوا حرمتك، أو نالوا من شرفك؟.. ويح الصليبيين، رأوا ضعف المسلمين وتفرق الأمّة، فعادوا واستباحوا كل حرمة، ولم يرقبوا فينا إلاّ ولا ذمة.. هل عادوا إليك فأراقوا في ساحتك الدم، وزادوا المسلمين غمًا إلى غم؟
  • الأقصى: أهلاً أهلاً أخويّ العزيزين.. زادكما الله شرفًا وعزًا إلى يوم القيامة دائمَين.. عذرًا، شغلتني عنكما أمور ذات خطر، ولكني ما فتئت أرسل إليكما سلامي مع كل حاج ومعتمر، وأوصيهم بالدعاء لي عند كل موقف ومشعر، وكلما طاف حاج أو كبّر أو نحر، أو زار روضة الجنة فإذا الدمع انهمر.

آهٍ لو تعلمان ما أصابني آهْ، لكنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأشكو إليه كل مسلمٍ غافلٍ عني وساه. ما عادت إليّ جموع الصليبيين.. بل احتلني اليهود إخوان الشياطين، فأذاقوني مُرّ العيش ومرّ السنين، ولم يدّخروا جهدًا في إذلال أهليَ الأبرياء أهل فلسطين.. بل اعتدوا عليّ وقتلوا زوّاري من الراكعين والساجدين.. بل أحرقوا جزءًا من جسدي فويل للمجرمين.. واليوم يحفرون تحتي يريدون هدمي رويدًا رويدًا عبر السنين.. وأهلي الكرام يدافعون عني مستبسلين، ويَلقوْن لأجلي قتلاً وتشريدًا أو تعذيبًا في السجون.. وقد اشتدت محنتي وطالت حتى نيّفت على الخمسين. وحولي أمةٌ كبرى تُعدّ بالملايين، فلم أرَ من معظمهم إلا (صبرًا إنا لقادمون)!.. ويحكم يا أبناء صلاح الدين.. إلى متى تتركون جرحي ينزف في كل حين؟ أفتنتظرون أن يُقال: (قد كان هنا الأقصى منذ سنين)؟!

  • المسجد النبوي: اليهود؟! تبًا لهم وسحقا.. لقد جاوروني زمنًا فلم أجد أسوأ منهم سيرةً وخُلُقا، ولا أشدَّ على الإسلام حقدًا وحُنقا، حتى أخرجهم من جواري محمدٌ وأصحابه فِرَقًا فِرَقا. فما زالوا يكيدون للإسلام ويبغون لصرحه هدمًا ولنسيجه خرقا.
  • المسجد الحرام: صبرًا صبرًا يا بيت المقدس.. صبرًا يا أقصى لا تيأس، فإني قد وجدتُ في المسلمين صَحوةً بعد غفلة، وجدتُ فيهم قومًا بدينهم أعزّة، وبكتابهم متمسّكين، وإلى شرع الله داعين، وهم في كل يومٍ يَزّايدون. قد انتشروا في كل بلدٍ في سبيل الله يجاهدون، وهم في سبيل الحق صامدون.. يحاربون أهل الفساد والفتن، ويواجهون في طريقهم المحن، ويأخذون بأيدي إخوانهم ممن سقطوا في الضلال والعفن… كم شعرتُ بهم في جوف الليل يقومون، فيستقبلونني في خشوع، وتنهمر أعينهم من الخشية بالدموع، ويرفعون أيديَهم بالدعاء لك في انكسارٍ لله وخضوع..

وتذكر يا أخي.. كيف أخرجَ الكفارُ محمدًا صلى الله عليه وسلم من حرمي، فجاهد وربّى الأبطال، حتى عاد إليّ منتصرًا فاتحًا، وللأصنام حولي محطمًا، وإلى هدي القرآن داعيًا ومعلمًا … سترفرف على أرضك الطاهرة راية التوحيد، ويعود الإسلام لينشر النور من جديد… وحتى ذلك الحين يا أقصى.. سيحميك الله ويرعاك، ومن كيد اليهود سيحفظك.. كما حماني من الهدم ذات يوم.. (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟! ألم يجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيرًا أبابيل، ترميهم بحجارةٍ من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول).


النقد والتعليق:  

يقول لك الأستاذ أسامة الرحيمي- محرر الصفحة الثقافية بالموقع وصحفي بجريدة الأهرام المصرية:

كأنك يا صديقي تعيد لأذهاننا فن المفاخرة الذي أنشأه الأندلسيون حين أقاموا مبارياتهم في المباهاة، وكان ذلك نتيجة للازدهار الكبير الذي شهدته الأندلس؛ ولهذا فاخروا، وتباهوا حتى أصبح هذا الفن معروفًا، وأُلِّفت فيه كتب هامة.. وتطور لاحقًا للمقامات. وفن المقامات فن عرف في أخريات العصر العباسي الثاني- كما يقسِّم المشتغلون بالأدب العصور الأدبية في الثقافة العربية- وله ملامح محددة من أهمها: أن تدور المقامة حول بطل مشهور بالذكاء، أو كما يقول المستشرق الإسباني "فرناندو دي لاجرانجا": "إنه الصعلوك البليغ، المحتال المتسول، المزيف، العبقري، المستهتر".. كما تعتمد المقامة على النثر الذي يفشو فيه السجع، والموضوع في المقامة لا يكتسب أولوية في البناء؛ لأن الأساس فيها إظهار قدرة الكاتب على نظم النثر وحشوه بالسجع… والشخصيات في المقامة غير ممتدة ولا نامية، وإنما هي مسطحة تمامًا لا أبعاد نفسية لها… والبطل دومًا يتغلب على أزماته بالفكاهة والاحتيال.

وأشهر المقامات في الأدب العربي مقامات "بديع الزمان الهمذاني" وبطلها "عيسى بن هشام"، الذي يتخلص من كل ما يتورط فيه من مشاكل ومصائب بروح فكاهية ودعابات وحسن تخلص.

والمقامة- كما يراها د. علي الراعي- لا تقدم إلا حصيلة لغوية غزيرة، تعكس سعة إطلاع مؤلفها، وتمكنه من لغته.

كما يعكس العمل الذي بين أيدينا نوعًا آخر يحاكيه، وهو ما انتشر في الأندلس، وعرف باسم المفاخرة الأدبية، ويقوم في الأساس على مباراة أدبية تقوم بين شيئين متمايزين أو متقابلين، مثل: العلم والعمل، أو الزهد والغنى. ومن أشهر هذه الرسائل: "رسالة السيف والقلم" لأحمد بن برد الأصغر، وبداية العمل الذي بين أيدينا تقترب من المفاخرة في عرض كل مسجد لنفسه والمفاخرة بأفضاله ومآثره، ثم هو يقترب من المقامة في حشد الكاتب لعدد كبير جدا من أنواع السجع (ويقصد به اتفاق أواخر الكلمات) وفنون البديع المختلفة.

وبالنسبة لك يا مصطفى، فإننا نعتبر عملك نوعا من التدريب على امتلاك القلم الذي تمسكه برشاقة وتمكن ملائمين بالنسبة لعمرك.. وأنت لا تحتاج إلى التحليق في آفاق أوسع وأرحب من المقامات أو الاعتماد على التمكن اللفظي فقط، وإنما لا بد لك من الانطلاق نحو التعبير عما يعتمل في صدرك برؤية جديدة للقضايا التي تهتم بها، والاعتماد على الخيال والصور وتركيب علاقات جديدة بين عناصر الكون من حولك.

وإننا نستبشر بك وبموهبتك خيرا؛ لأن العمر أمامك فرصة متميزة جدا لكي تتطور وتنمو إن شاء الله.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم