English

 

السبت. أغسطس. 10, 2002

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الخواطر والمقالات

 

محراب القلب

Image
تراتيل الكنيسة الهادئة تشق أنفاس الليل الساكن، وتصل إلى أفنية المنازل الباردة... وتبلغ أعالي الجبال المبللة.. وتناجي نجوم السماء المتلألئة، ولكن من يحول هذه الصلوات الضارعة إلى شدو لا ينقطع؟ ربما هذا القس الذي يحفظ الإنجيل، ويقرأ آياته منذ أربعين عامًا.. هو وحده من يفهم سر الأرواح المحلقة، وهو أيضًا من تكرمه الأيام بفيض الحقيقة المتدفق، أليس هو من نذر حياته حبًّا للعذراء واستنقاذًا للحيارى التائهين؟! وكم جثا تحت ركبتيه من عربيد معاند أفرغته أهوال الاحتضار من كبره الكاذب، وانتهت به إلى اعتراف لا يدر عليه إلا الشفقة الساخرة، ولكن هل حقًّا أن الضراعة التي تجلل مظهر القس ليست إلا تلفيقًا ملتفًّا برداء الرهبنة المغشوش؟ وهل حظه من مواعظ المساء هو حظ البائع للألفاظ يشتري بها المقت واللعنة؟ إذن من يملك قلبًا لا تحرقه لذة البكاء الصامت؟ كل الوجوه الشاخصة تحلق في سماء مظلمة، وتتأمل مشهدًا فيه السكينة المصنوعة، وتغشاه مراسيم قاسية …

لولا براءة الأطفال لقلت إنها ساحة للمنهزمين في حروب مهلكة..


  النقد والتعليق: 

عماد مطاوع - سيناريست وقاص 

في أقل من صفحة، وفي بداية قوية مقتحمة تلج إلى هذا النص الذي كاد ينتمي إلى فن القصة القصيرة لولا بعض الجمل التي كانت لسان حال الراوي (المفترض بالطبع) والتي خرجت بهذا العمل إلى سياق الخاطرة القوية القائمة على التأمل العميق الذي يسبر أغوار الذات الإنسانية يتعرى ضعفها الشديد الذي لا ينجو منه أي من البشر، حتى أولئك الذين نضفي عليهم نحن هالات من الإكبار والتقديس.

رجل دين يظل لمدة أربعين عامًا يتلقى الاعترافات ويمنح وعود الغفران ويقوّم مَن حاد عن الجادة وترك سبيل الفضيلة، يوضح لنا الكاتب جانبا آخر من شخصيته/ شخصيتنا ليعرينا أمام أنفسنا؛ لأن الوقوف على مناطق ضعفنا يهبنا قوة ومقدرة على التجاوز والعطاء. ولم يكن اختيار الكاتب لهذا الرمز –في ظني- إلا ليكون أكثر عمقًا وأكثر تعبيرًا عن فكرته.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم تناول هذه النماذج في أعمال إبداعية، فلقد كانت شخوصًا فاعلة في العديد من الإبداعات العربية والعالمية، ففي رائعة الكاتب الفرنسي فيكتور هوجو "أحدب نوتردام" نجد رجل الدين الذي بلغ من العمر عتيًا وهو مخلص لدعواه كابح لجماح نفسه نجده في غرام "أزميرالد" الغجرية التي رآها ترقص في أحد الميادين؛ فتنقلب حياته رأسًا على عقب، ويحدث تحول خطير في شخصيته يؤدي به إلى أن يرتكب الجرائم التي كان ينهى عن اقترافها سابقًا.

وفي رواية "قصة حب مجوسية" للروائي العرين عبد الرحمن منيف نجده يصور شخصية رجل دين يصدر أحكامه النهائية التي توزع الوعيد وتحذر من الويل والثبور وعظائم الأمور كل ذلك دونما مراعاة للحظات الضعف الإنساني العابرة.

ورغم حساسية تناول هذه الرموز في الأعمال، والرفض الذي يصل أحيانًا إلى درجة المصادرة.. رغم ذلك كله نجد أن تناولهم في الأعمال المختلفة -بشرط الجدية والفهم في هذا التناول- ينفي فكرة التقديس الإنساني هذه، ويبرهن على حقيقة هامة في تكويننا البشري، وهي الضعف الذي يوجه بوصلة تصرفاتنا في الكثير من الأحيان.

ورغم هذا الطرح الهام الذي قام به النص فإن كاتبنا العزيز وقع في هذه الصفحة في الكثير من المشكلات التي حالت دون اكتمال تجربته هذه. بداية لم يكن موفقًا في اختيار هذا العنوان الجاهز "محراب القلب" والذي لم يضف إلى العمل، كما أنه لم يكن عنصرًا فاعلاً ضمن نسيجه. وأيضًا استخدام الكاتب للحيل البلاغية التي لا يتسع لها المقام في مثل هذه النصوص والتي جعلته يقترب بشدة من الكتابات السمعية التي تعتمد على الجرس الموسيقى أكثر ما تعتمد مثل: "وتبلغ أعمالي الجبال المبللة.. وتناجي نجوم السماء المتلألئة، ولكن من يحول هذه الصلوات الضارعة" كما أن استخدام كلمات صارت كالقوالب أو الأكليشيهات حدّ من سلاسة العمل وهذه الكلمات مثل: المقت واللعنة، الوجوه الشاخصة، سماء مظلمة، براءة الأطفال... إلخ.

جاء إطلاقه للأحكام الجاهزة المقولبة سلفًا وبشكل يتنافى أساسا مع ما قام النص بمحاولة طرحه، وهو عدم الانسياق لكل ما هو مقولب ومعد بالفعل إلا بعد أن نترك عليه طابعنا ونعمل معه عقولنا.

وهذا النص يحمل فكرة هامة وعميقة كان من الممكن بقليل من التأني وسعة الرؤية أن تصنع عملا إبداعيًا هامًا ومؤثرًا، لكن دائمًا الأهداف النبيلة لا تصنع وحدها فنًا جميلا. إلا أن هذا النص يبرهن على أن كاتبه يمتلك وجهة نظر نقدية جدلية يمكنها أن تنتج الكثير والكثير من الإبداعات الهامة والمؤثرة، بشرط المحافظة على الخطوط الفاصلة بين الأجناس الأدبية المختلفة، وذلك بالطبع يتطلب الغوص في بحار الأدب والفكر بحثًا عن لآلئه وأصدافه أيضًا.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم