قلباه، لتمتط صهوة الفكر فإني أشعر أن لك مع الحزن "موعد"...! ما بين العافية والبأس سوى غمضه جفن، وما بين السلوى والحزن سوى أن يقال كان كذا وكذا، وما بين أن أراك وأسمع كلامك سوى أن يأذن الله لي ولك بذلك.
ألامس كفيك لكني لا أشعر فيها بحرارة المصافحة كما عهدتك، أقبل رأسك لكنك لا
ترد القبلة بمثلها، أناجيك لكني لا أسمع إلا صرصرات الأجهزة.
أحدق النظر فيك، أغوص في أعماقك فأراك تفتح عينيك.. أراك تبتسم.. أسمعك تقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
أرى يدك تمتد لتصافحني.. أمد يدي لألتقطها، لكنها تصطدم بسياج مرقدك لتخبرني أن
الوهم قد نال مني، أنفض هذا الوهم عني لكن يبقى قوله:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
عندها سألت نفسي:
أين الابتسامة التي من صدقها تحال ضحكة توزع على شفاه الحاضرين... أين الجبين الأغر الممتلئ بمعالم الصدق؟ أين الصفاء المنبلج من كلتا وجنتيك؟ أين الأهازيج التي ميزتك عن غيرك؟ أين الوفاء المنبعث من كفك المصافحة، وثغرك المقبل للجبين؟ أين وأين؟أسأل نفسي كل هذه الأسئلة حين رأيت من قالوا لي بأنه محمد! لكني رأيت أمامي من لا حراك له.. وإن كنت محمدا كما قالوا فما رأيت أمامي إلا عينين طوتها الجراح، ووجنتين نخرتها الكلوم، وثغرا يعز عليه أن يلتقط الأنفاس بعد أن كان يبعثها في قلوب البائسين. إن كنت "محمد" كما قالوا فما رأيت أمامي إلا من تشبث به الحديد، والتف حوله الضماد، وعانقته الخراطيم فظل مستسلما لها لا ينبس ببنت شفة.
إن كنت محمدا كما قالوا فمالي أراك قد استبدلت محبيك بتلك الأجهزة التي أحاطت بك من كل صوب تحدثك بصرصرات تمن عليك بها نبض قلبك ومرات أنفاسك.
أخي، ما عهدتك هكذا.. إن كنت محمدا كما قالوا فجاهد ثم جاهد كي تعيد البسمة لثغور محبيك، وتنشر السلوة في قلوبهم المكلومة، وتعيد لهم أهازيجك التي يمتطونها ليهربوا بها من هموم الحياة.عفوا أخي فقد تكسرت كل أسئلتي على صخرة الواقع التي نقش عليها: محمد يرقب.
لطف الله وعافيته ليخرج من مصابه الذي حل به إثر تعرضه لحادث سير. عندها رفعت يدي لمن أنزل لنا رحمة وترك له تسعا وتسعين أن من عليه برحمتك عافيتك يا رب.
قلباه: آن لنا أن نكمل مشوار هذه الحياة التي قضت بأن تجعل أبوابك مشرعة لهمومها وأبت إلا أن تكون همومك أوجاع الآخرين... ألا فكفي يا صروف الدهر غلت يداكي.
التعليق:
عماد مطاوع:
إن أكثر الأعمال الأدبية التي تتماس مع المتلقي وتترك في نفسه عميق الأثر هي تلك التي تقتنص اللحظات الإنسانية العميقة، وتنسج منها منظومة تطبيق إلى الموروث النفسي الإنساني، وكان هذا هو المحور الذي قامت عليه الفكرة الأساسية لنص "موعد مع الحزن"…
أخ/ صديق يرقب أخاه/ صديقه، بينما هو راقد على سرير في مستشفى تتدلى منه الأسلاك والخراطيم ممدد أمامه، ومهدد بالموت بين لحظة وأخرى، ونراه يقوم باستدعاء للحظات إنسانية تعكس بجلاء شديد سمو شخصية هذا الوافد/ المفارق للحياة.
لكن هل نبل القصد وحده يصنع فنا جميلا؟ كلا بالطبع لقد تعجل كاتب النص وأسرع ليفرغ على الورق مجموعة من المشاعر المتضاربة، وهو ما جعله ينتج نصا - لقيطا- يبحث عن جنس أدبي يندرج تحته، وإن كان يتأرجح في الاقتراب من الخاطرة رغم استعانته بالسجع وببيت الشعر الوحيد الذي يعكس حالة العدمية التي تقطر من النص، ولم تكن مصادفة أن يكون بيت الشعر هذا محل خلاف وتنازع وائتلاف أيضا في نسبته لقائل بعينه فتارة ينسب لآدم عليه السلام وتارة أخرى ينسب لقصي بن كلاب، ويقول هذا البيت:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
علينا أن نتوقف قليلا أمامه بعض الأشياء الإيجابية والهامة أيضا:
أولها: كما قلنا سابقا محاولة تجسيده للحظة إنسانية غاية في العذوبة والأهمية.
ثانيا: قدرة عالية على امتلاك موروث لغوي راق وقوي ومقدرة عالية على تشكيلها، لكن للأسف الشديد لم يتعد ذلك بضعة مقاطع بعينها فقط مثل… "ألامس كفيك لكني لا أشعر فيها بحرارة المصافحة كما عهدتك، أقبل رأسك لكنك لا ترد القبلة بمثلها، أناجيك لكني لا أسمع إلا صرصرات الأجهزة".
ولم يكن هذا هو الإهدار الوحيد للفحوى العميقة لهذا النص؛ إذ إننا نفاجئ ببداية خطابية إنشائية "قلباه لتمتط صورة الفكر فإني أشعر أن لك مع الحزن ما بين العافية واليأس سوى غمضة عين وما بين السلوى والحزن سوى أن يقال كان كذا وكذا…".
فهذه البداية تصدر لي انطباعا جاهزا عن بقية النص، ويمكن ساعتها أن أكتفي بها ولا أكمل الغوص في معانية العميقة. مع الأخذ في الاعتبار أن النص يحوي مناطق هامة كان يمكن الاستفادة منها لتفجير دهشة أولية تقودنا بسحر إلى اقتحامه.
ليت كاتبنا العزيز يترك هذه التجربة لتنضج قليلا وليستفيد من قدرته العالية تلك على بناء الصور والتراكيب مع ضرورة هضمه للمنجز القصصي العربي/ العالمي، وإيمانه بضرورة تقديم إي كاتب لكل ما هو جديد ليسهم في مسيرة الحداثة بكافة جوانبها خاصة، وهو يمتلك قلما يمكنه أن يثبت جدارة وتفرد بقليل من الصبر وكثير من المعرفة.
|