English

 

الأحد. أغسطس. 11, 2002

ثقافة وفن » مساحات ثقافية

 

تُرى.. كيف يرى الروس العربي؟!!

عاطف معتمد عبدالحميد

موسكو - الكرملين
موسكو - الكرملين
سألت نفسي قبل الكتابة عن الهدف من الشروع فيها، هل إلقاء مزيد من زيت الضيق والتأفف على نار رفض "الآخر"؟!!. فمعلوم للكثيرين مدى الرفض الذي تبديه بعض المجتمعات الأوروبية للشخصية العربية.. ولكن ألا يمكن أن نتحدث من زاوية أكثر نفعًا، ولماذا لا يكون الهدف وضع أيدينا على أسباب هذا الرفض وإدارته ليتحول إلى الاتجاه الآخر؟

بداية يبدو من اللازم أن نتفق على أنه لا ينطبق على روسيا ذلك القول بأن مواطنيها يتحدثون عن أنفسهم "بنحن"، وعن الآخرين "بالأغيار". فالمركب العرقي الروسي يشمل خليطًا لا يجمع بينه سوى النطق بلغة واحدة. وكما يقول يال ريتشموند فإن "أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه الزائر لروسيا هو أن يفترض أن من يتحدث معه بالروسية من الضروري أن يكون روسيًّا. والهوية الثقافية لروسيا ذاتها محيرة، فكما يقول دوستيوفسكي فإن روسيا دائمًا ما تبدو آسيوية للأوروبيين، بينما تبدو أوروبية للآسيويين".

الأسرة.. سر الإعجاب

يتفق المنصفون على أن لدى العربي سمات يسجل الروس إعجابهم بها، وعلى رأسها العلائق الاجتماعية القوية، خاصة ما يمس منها ترتيب المكانة والمنزلة في الأسرة. فالعلاقات الاجتماعية المتشابكة وروابط العشيرة والجماعة، وتوسيع قاعدة المعارف والأصدقاء، فضلاً عن سيادة الرجل العربي في بيته، واحترام الصغير للكبير ومساعدة كبار السن والعجائز… كلها صفات يقدرها الروس في العرب، خاصة في بلد يعيش مرحلة "انعدام الوزن"، وبعد سقوط بناء اجتماعي سوفيتي كان نموذجًا في علاقاته الاجتماعية والثقافية للشرق والغرب على السواء.

كما أن قدسية علاقات الزواج تعد أكثر ما تحسُده المرأة الروسية في الأسر العربية، فرعاية الأبناء والاستقامة - مقارنة بعادات الرجل الروسي - صفات تراها الأسر الروسية (في العائلات العربية في المهجر) عوامل جذب ودافعًا للتقدير.

ومن المفاهيم التي لا يناقشها الروسي عن العربي ويأخذها كمسلمات - رغم ما فيها من مغالطة - ثراء الحال، الذي ينعكس بدوره على صفات أخرى كالكرم، والرغبة في الترويح وحب السفر والترحال… وكلها صفات تغري بالقبول المبدئي. كما أن وجود المرجعية الدينية سمة يراها المعتدلون أهم الصفات التي تستدعي احترام العربي.

وإذا كان الروس قد سجَّلوا - على مدى حروب إقليمية وعالمية - أمثلة بديعة في التضحية بالنفس للدفاع عن الوطن وقت الحرب، فإن ما يعجبون به في الشخصية العربية ويتحيرون منه في الوقت ذاته هو تضحيته بالنفس من أجل قضايا لا تبدو قابلة للتحقيق في المستقبل المنظور، وعلى رأسها حل المعضلة الفلسطينية.

اللاتواصل.. سر التحفظ

وعلى الجانب الآخر يتحفظ الروس من سمات عديدة في الشخصية العربية. وبداية لا بد أن نعرف من هو هذا العربي: فالعربي في المهجر الروسي إما طالب علم، أو لاجئ سياسي، أو رجل أعمال، أو سائح.

والنوع الأول تزيد نسبته عن 90% من عدد العرب في روسيا، ومن ثَم فإن الفئة العمرية التي تشكل الصورة العربية في مخيلة الروسي تتراوح بين 18 - 34 سنة، والأغلبية العظمي بين 18 - 25 سنة. والفئة الأخيرة تمثل - في كثير من المجتمعات - فئة الارتباك الفكري والانتقال من نقيض إلى نقيض، ومن ثَم فإن الروسي يرى في العربي إما شابا جامحا انتقل من قرية عربية مغلقة تحيط الحدود الدينية والعرفية به من كل جانب ليجد نفسه فجأة في بلد لا يعرف للحرية حدودًا، أو أن يجد شابًّا شديد التدين لا يجد سبيلاً لمخالطته للرفض المسبق من قِبل العربي، ذلك الرفض المبني على فرضية مسبقة تتحاشى مخاطرة إقامة علاقة مع الروس "اللادينيين". وبين طرفي النقيض - بين التسيب والانغلاق - قلَّما يصادف الروسي عربيًّا يبني معه علاقة تُفضي إلى تكوين صورة "نهائية" الحكم متزنة المعايير.

ولعلَّ أكثر جوانب الصورة العربية سوءاً هي ضحالة الثقافة وضيق الأفق، فكثير من طلابنا الذين قصدوا روسيا لم ينتقلوا إليها اقتناعًا بوجاهة المدرسة الروسية في الطب أو الهندسة أو العلوم السياسية مقارنة بغيرها من المدارس، بل كان السبب الوحيد عدم وجود عوائق "علمية" كتلك التي تفرضها الدول الغربية على الطلاب الوافدين، أو عوائق "سياسية" كتلك المفروضة أمام الآلاف من الطلاب الفلسطينيين واليمنيين والمصريين والسوريين… إلخ؛ لذا فإن درجة الكفاءة "الثقافية" للطلاب المتجهين إلى روسيا ليست في أحسن مراتبها. ناهيك عن الدعم السابق الذي كانت تمنحه الحكومات السوفيتية المتعاقبة لطلاب العالم العربي في سبيل تحقيق أهداف أيديولوجية، وهو ما سمح للغربال الذي تدفق منه مئات الآلاف من العرب على روسيا أن يمرر أغلبية من الطلاب لم يجدوا غير روسيا مخرجًا.

وقد ساهمت الإدارة السوفيتية، بتساهلها لأسباب أيديولوجية، والإدارة الروسية الحالية، لأسباب اقتصادية، في ألا يصل المستوى العلمي والثقافي للحدِّ المأمول بعد فترة تتراوح بين 4 - 10 سنوات لقطاع ليس صغيرًا من الدارسين.

أما ضيق الأفق والانغلاق الثقافي فلا يُسأل عنه العربي بمفرده، فالبيئة الثقافية الروسية ليس من الميسور اختراقها إلا على المتمكنين في اللغة والضالعين في خلفيتها التاريخية والجغرافية، ويتساوى في هذا العربي مع الصيني والياباني والهندي والإيراني… إلخ. وإن لم يمنع هذا من قدر من المسئولية يتحملها العربي، لا لأنه يعيش في جيتوهات عربية (ليته يفعل)، بل لأنه يعيش في جيتوهات فردية، أكبرها حجمًا قرناء الدرس والسكن.

فهناك عوز شديد في تنسيق التجمعات العربية بروسيا، بحيث لا يمكن أن تقرأ إعلانًا عن اجتماع لجمعية عربية أو منتدى أو احتفال عربي (هكذا تفعل التجمعات اليهودية).

وتُسأل السفارات والقنصليات العربية عن جزء آخر من الصورة "الانعزالية" المتخيلة عن العربي؛ نظرًا للضعف الشديد الذي يعتور سعيها إلى ذلك، فالمكاتب الثقافية التابعة للسفارات العربية منشغلة بأمور "أكثر أهمية" من جمع شتات جالياتها في تنسيق ثقافي يقف عند حده الأدنى.

ألف ليلة.. التصور العتيق

وجزء من الصورة التي تحملها المخيلة الروسية عن العربي عتيق للغاية، مبني على حكايات ألف ليلة وليلة، التي تحتل مكانة هامة كمصدر ثقافي في العقلية الروسية، وستندهش عندما يسأل أحدهم رجلاً عربيًّا عن أحوال "الحريم" التي يمتلكها في وطنه قبل المجيء إلى روسيا، أو عن أحوال "زوجاته الأربع" وكيف تأتَّى له إقناعهم بالتزوج منه!!.

ومن المصادر التي تقدم صورة مغلوطة عن العربي - خاصة في روسيا ما بعد السوفيتية - وسائل الإعلام التي تصور العربي آتيًا إما مفتونًا بالجمال الروسي "بكافة أشكاله" أو للمساهمة في تقويض وحدة الأراضي الروسية بمشاركته إلى جانب الانفصاليين الشيشان. وهكذا صار الشيشان العرب - نسجًا على منوال الأفغان العرب - هم الذين يرسمون جزءاً حديثًا من الصورة المتخيلة للعربي، وصار وجه أي ملتح يستدعي في المخيلة صورة "خطَّاب" القائد العربي الأشهر في الشيشان، الذي كبَّد الروس خسائر فادحة بتكتيكه المتميز في حرب العصابات التي شارك فيها إلى جوار الشيشانيين الساعين إلى الاستقلال.

وعلى خلاف مجتمعات غربية نجح فيها العرب وبزغ نجمهم جنبًا إلى جنب مع اليهود، لا يعرف المجتمع الروسي كوادر عربية ناجحة بقدر ما يعرف يهودًا صاروا أطباء مشهورين، وموسيقيين مبدعين، وإعلاميين، ورجال سياسة واقتصاد.

وعلى عكس الفترة السوفيتية التي قدمت شخصيات عربية إلى الشعب السوفيتي على أنهم أبطال (نال عبد الناصر لقب بطل الاتحاد السوفيتي)، وترجمت أعمال أدبية لمفكرين عرب (ومنها أعمال نجيب محفوظ، وأعمال أدبية لشعراء وأدباء فلسطينيين… إلخ) صار الشعب الروسي، بحكم الانحسار أو التلاشي الأيديولوجي، لا يعرف عن العرب شيئًا.

وبحكم انفتاح الإعلام الروسي على مصارعه ولجت إلى الثقافة الروسية كافة أطياف التقارير الإخبارية الأمريكية والغربية، وصرنا نقرأ المقالات الأمريكية باللغة الروسية، ناهيك عن الثورة التي أحدثها صدور الصحف على الإنترنت وتوفير الروابط Interlinks  من مصادر غربية متعددة مع ترجمتها إلى الروسية.

تراجع عربي.. هرولة إسرائيلية

وكما فعلت دول غربية عديدة، حاولت روسيا أن تنفي عن نفسها ما يدعيه اليهود من "معاداة السامية" السوفيتية، ففتح لهم ما كان مغلقًا من قبل. وفي الوقت الذي لم نسمع أحدا في روسيا ينادي بالاستعانة بالخبرة العربية في مجال ما، يُستدعى الإسرائيليون على وجه السرعة لتقديم الخبرة في المجالات الأمنية ومكافحة الإرهاب.

لا نود أن نسهم في قائمة الاقتراحات الطويلة التي عادة ما تكون مسبوقة بلازمة "لا بد" أو "من الضرورى أن"، فجزء معتبر من تحسين الصورة المغلوطة عن العربي في روسيا لا يتحملها الجانب العربي؛ نظرًا لاعتبارات تاريخية وسياسية وثقافية متداخلة تحكمها في الأساس العلاقات الروسية – العربية أكثر ما تحكمها سلوكيات أفراد أو حتى جماعات عربية في المهجر. وحري بنا حينما نناقش كيفية تحسين هذا الصورة وجعلها أكثر إشراقًا أن ندرك أن روسيا تتحول يومًا بعد يوم إلى جزء أساسي في المجتمع الغربي، ومن مصلحتنا - إذا كنا نعمل جاهدين لتقديم أنفسنا بشكل صحيح إلى المجتمع الغربي - أن نحضِّر "النسخة الروسية" التي تلائم هذه العقلية، ولهذا حديث آخر.


كاتب وأكاديمي مختص في الشئون الروسية

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم