|
تمثل إعادة "مكتبة الأسرة" إصدار الترجمة العربية القيمة التي قام بها الأستاذ زهير الشايب لموسوعة "وصف مصر" التي كتبها علماء الحملة الفرنسية المصاحبون للغازي نابليون بونابرت إبان حملته على مصر 1798-1801م، حدثا ثقافيا جليلا، خاصة أنها تصدر بسعر زهيد مقارنة بالقيمة العلمية للعمل.
وقد دفعني إصدار هذه الموسوعة إلى أن أجمع حولي ما هو متوافر في مكتبتي من أعمال الرحالة والباحثين الأجانب لوصف مصر وغيرها من بلادنا العربية، والتي كتبت أغلبها في أوقات مبكرة أقدمها من قرنين ونصف القرن، وأحدثها من حوالي ثلاثة أرباع القرن، والتي تم ترجمتها وإصدارها في السلاسل الثقافية المختلفة.
وقد حفزتني تلك المجموعة من الدراسات الوصفية العرقية "الإثنوجرافية" - أنا الدارس للأنثروبولوجيا العاشق لها - أن أكتب بعض الهوامش (الهموم) التي أثارتها في تلك المجموعة من الأعمال.
على الشاطئ الغربي
تمثل تلك النوعية من الكتابات الإثنوجرافية أحد الجذور المهمة التي غذت شجرة الأنثروبولوجيا ، وساعدت في نشوئها وارتقائها. لكنها إلى جانب ذلك تمثل مع شقيقتها الدراسات الاستشراقية أحد أدلة صحوة الغرب ونهضته في مقابل نومة الشرق ووهدته.
وإذا كانت الدراسات الإثنوجرافية تهتم، كما هو واضح من سفر "وصف مصر"، بدراسة جوانب الحياة المختلفة اجتماعية وثقافية واقتصادية وبيئية، فإن الدراسات الاستشراقية تهتم بدراسة النصوص المدونة أيا كان موضوعها.
كانت تلك النوعية من الدراسات - سواء الإثنوجرافية أو الاستشراقية - أداة الغرب لـ "استطلاع" أحوال الشرق وأهله، ودراستهم ومعرفتهم حق المعرفة، ودائما ما يأتي الاستطلاع قبل الفعل، مقدمة تؤدي إلى نتيجة، سواء كان ذلك الفعل غزوا عسكريا، أو استغلالا اقتصاديا، أو تسللا ثقافيا (دينيا تبشيريا أو تعليميا).
ومن ثم فلم تكن تلك العلوم أبدا بدافع مجرد حب الاستطلاع لمجرد المعرفة أو لتحصيل المكانة الاجتماعية.. وإن كان أصحاب تلك الجهود قد حظوا في أغلبهم بالفعل بالمكانة الاجتماعية العالية في بلدانهم لدى عودتهم.
ومن المعروف في تاريخ الأنثروبولوجيا والاستشراق، وتاريخ الاستعمار والتبشير، تلك العلاقة الرباعية التي نتجت بين تلك المجالات الدراسية والعلمية من جانب، والمجالات التطبيقية من جانب آخر، بحيث أثر كل واحد من أطراف تلك العلاقة في الآخر بما يساهم في تطويره.
على الشاطئ الشرقي
وعلى الجانب الآخر من الهوامش نتأمل في المقابل الأحوال عندنا، سواء على مستوى الدراسات الأكاديمية أو على مستوى الاستفادة من الحصيلة المعرفية لتلك الدراسات.
فقد تأسس لدينا في جامعاتنا الكثير من الأقسام لعلم الأنثروبولوجيا منذ ستينيات القرن العشرين، والتي صدر عنها الكثير من الدراسات والرسائل الجامعية التي تفتقد إلى رؤية إستراتيجية على المستوى القومي لتحديد أهدافها أو موضوعاتها في ظل غياب المشروع القومي العربي أو حتى المشروع القومي القُطري.
وفي ظل سيادة الأحلام الفردية، أصبحت تلك الدراسات مجرد وسيلة للحصول على الشهادات الجامعية، وتحصيل المكانة الاجتماعية، أو لمجرد المعرفة والمتعة الشخصية.
وبالرغم من تعدد تلك الأقسام، وتوافر الكثير من الباحثين المتخرجين منها فإننا لم نر سفرا موسوعيا كوصف مصر يصدر عنها ليرصد على الأقل منحنى التغير في الأحوال منذ صدور تلك الموسوعة منذ قرنين من الزمان.
وإذا كان هذا هو الحال على المستوى الأكاديمي، فإن الحال على المستوى العملي ليس أفضل كثيرا، فالدراسات الجزئية التي تصدر لا يتم الاستفادة بها على أي مستوى اللهم إلا النزر اليسير منها.
وفي المقابل فإن الأعمال والمشاريع التي تتم في بلادنا، والتي تمس حياة المجتمعات الإنسانية لا يتم فيها الاستعانة بالدراسات الإنسانية -الأنثروبولوجية- المسبقة كجزء من دراسات الجدوى التي تتم لأي مشروع.
إن إعادة إصدار مثل تلك الأعمال ليكشف أننا لا نزال -على المستوى الثقافي- نستمتع باجترار أمجاد الماضي التليد، حتى لو كان هذا الماضي نتاجا لجهد غيرنا في تفحصنا، وكأننا نفعل فعل الإبل، التي تعيش على اجترار الغذاء الذي سبق وازدردته، ورغم ذلك فلا أنكر سعادة أمثالي باقتناء مثل تلك الأعمال والتمتع بقراءتها.
قائمة ببعض الدراسات الإثنوجرافية المترجمة
من أسرة شبكة إسلام أونلاين
|