English

 

الثلاثاء. يناير. 16, 2001

ثقافة وفن » لغة وأدب

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الحركة النقدية.. تقتل بلا وعى

محمد الحمامصي

Image
الأزمة الحادة التي تمرّ بها الحركة النقدية تنظيريًّا وتطبيقيًّا حتى ليمكن القول: إنها تعاني من غيبوبة الاحتضار ليست وليدة اللحظة الراهنة، ولكنها قائمة منذ ما يقرب من ربع قرن، ففي فترتي الخمسينيات والستينيات وما قبلهما كانت الحركة النقدية تعتمد اعتمادًا أساسيًّا على التفسير والتأويل والتقييم والشرح والآراء الانطباعية، مستعينة بذائقة أدبية إلى حد كبير اتسمت بالرقي والشفافية، وفي ظل هذه الحركة ترعرعت ونشأت أجيال كبار الكتاب والمبدعين العرب منها جيل نجيب محفوظ وجيل يوسف إدريس وحتى جيل جمال الغيطاني.

وبالطبع هذا لا يعني أنها كانت حركة نقدية ممتلئة وقوية تمتلك أدوات صحيحة يمكن أن تتطور، لكن سلبياتها لم تكن بالسوء الحادث الآن، لأن أحدًا من النقاد آنذاك لم يلتفت إلى تحديث وتطوير الأدوات النقدية العربية الموروثة، بل ركنوا - لكن على استحياء - إلى التيارات النقدية الغربية بأدواتها وتقنياتها يأخذون منها ما يعين على فك بعض شفرات النص الأدبي.

واستمر الأمر وتطور تطبيقات التيارات النقدية الغربية بعد ذلك، ورفع كما يقولون برقع الحياء لتشهد العقود الثلاثة الأخيرة اتخاذ الحركة النقدية من النقد الغربي ركيزة أساسية لتأسيس الرؤية النقدية وتطبيقها على النصوص العربية؛ لتغرق فجأة حتى أذنيها في هذا الوافد بمدارسه المختلفة والمتباينة والكثيرة والتي تحمل في طياتها التوجهات الأيديولوجية، وتصير الدراسات النقدية التنظيرية والتطبيقية تُحشى حشوًا بأقوال النقاد الغربيين وأدواتهم، البعض يكون حشوه مناسبًا، والبعض الآخر غير مناسب، وتوزع النقاد على هذا الوافد، فهذا الناقد بنيوي، وذاك تفكيكي، وآخر أسلوبي… وهلمّ جرّا، دون وعي بأن ما يتم زرعه لن تقبله الأرض العربية/ النص العربي، وأن أرضه هناك في الغرب حيث النص الغربي.

ودخلت الحركة النقدية في دوامة من المصطلحات المترجمة غير المنضبطة والغامضة؛ ليصبح هناك معجم خاص تتردد مصطلحاته بفهم أحيانًا، وأحيانًا بغير فهم بين المبدعين والكتاب، أما بين النقاد أنفسهم فكل حسب اختصاصه، فالبنيوي قد لا يفهم مصطلحات التفكيكي وهكذا، وزاد الأمر سوءًا اتساع دائرة ترجمات النصوص النقدية وتوزعها بين العديد من البلدان العربية، ودخول مترجمين غير متخصصين على الأمر، حتى بتنا نرى مثلاً كتاب رولان بارت "لذة النص"، وقد ترجم خمس ترجمات ما بين لبنان وسوريا والسعودية والمغرب ومصر، وكل ترجمة مختلفة عن الأخرى خاصة في المصطلحات، أيضًا زاد الأمر سوءًا أن جُلَّ هؤلاء النقاد كانوا أكاديميين أي مجموعة من الدارسين ليس إلا، تقوم رؤيتهم النقدية على ما تم ترجمته واقتطاعه من سياقه، وقد أثر ذلك تأثيرًا واضحًا على دراساتهم التنظيرية والتطبيقية التي جاءت مشوهة إلى حد بعيد؛ لأنها اعتمدت اعتمادًا كاملاً على المترجم من التيارات النقدية الغربية التي قامت لتتعامل مع نص غربي وليس عربيًّا، وفضلاً عن ذلك فإن الأغلبية منهم لا يتمتعون بذائقة إبداعية تتيح لهم الولوج إلى عالم النص الإبداعي، وجس نبضه، ولم يحاولوا الاستفادة من هذا الوافد الغربي في تطوير وتجديد التراث النقدي العربي، وذلك بعكس النقاد الأوائل الذين كانوا - رغم قصور أدواتهم - ينغمسون في النصوص الإبداعية بذائقة عالية؛ ليكشفوا عن مكنوناتها موجهين وناصحين ومقيمين، فضلاً عن استيعابهم لما كانوا يتعاملون معه من التيارات النقدية الغربية.

الأوبئة والأمراض

وهكذا استفحل أمر الحركة النقدية إلى الحد المخيف الذي نراه ونقرؤه، والذي انتهى بها إلى العقم، يشهد على ذلك الدراسات الأكاديمية التي تجيء الآن عبارة عن حشو لأقوال النقاد الغربيين وكبار النقاد العرب الذين ترتكز رؤيتهم أيضًا على النقد الغربي، أيضًا المجلات الثقافية المتخصصة التي لم يَعُد يقرؤها ولا يتابعها أحد وتم إغلاق معظمها، لكن يظل خروج النقد إلى دائرة الصحافة هو كما يقول المثل - المسمار الأخير في نعش الحركة النقدية، فقد حوَّلت أقلام الصحفيين والهواة النقد إلى ساحة تعجّ بالأوبئة والأمراض، فصارت تتاجر وتجامل وتنافق به من خلال آراء انطباعية رديئة لا تمتلك الحد الأدنى من الذوق الأدبي والفني الجمالي، ومن ثَم سيّدت الأعمال الفجة والقبيحة التي وصلت بالذائقة الأدبية في المجتمع العربي إلى درجة خطيرة، تكاد تمثل وبالاً على النقد والإبداع والكتاب والقارئ.

جديد الإبداع والمبدعين

لقد انعكست الأزمة على القارئ المتابع للحركة الإبداعية، والتي تمثل الحركة النقدية له دليلاً ينطلق منه لمتابعة الجديد في الإبداع من شعر وقصة ورواية ومسرحية، وغير ذلك من الإبداعات، فهجر القراءة والمتابعة وتوقف عن رصد جديد الإبداع والمبدعين، فإذا أجرينا استطلاعًا نحاول من خلاله الوقوف على ما يقرؤه الناس اليوم على المستوى العربي لوجدنا أنهم توقفوا عند مرحلة بعينها من مراحل الإبداع العربي، وهي مرحلة الستينيات، حيث كتابات رواد الثقافة العربية والإبداع العربي الأوائل ، لكن أيًّا من الأجيال التي جاءت بعد ذلك فلا أحد يعرف عنها وعن كتاباتها شيئاً كثيراً..

ومن جانب آخر أدت أزمة الحركة النقدية وانتشار ما تتبناه من تيارات غربية غير مستوعبة إلى حدوث بلبلة في حركة الإبداع التي تأثرت بشدة، حتى باتت أمور النقد تشغلها أكثر من الإبداع، وصار الإبداع يتبع خط سير النقد بدلاً من أن يكون هذا الأخير تابعًا له، من جانب بحثًا عن التجريب والحداثة وما بعد الحداثة، ومن جانب آخر إرضاء لأذواق النقاد والصحفيين وتفاخرًا بالتشبه بالغرب، فاختل التوازن واختلطت الأوراق، فظهرت الكتابات المشوّهة والغامضة والمعقدة واختلط النص الشعري بالنص القصصي والروائي، وهكذا تراجع الإبداع تراجعًا كبيرًا على مستوى الكيف على السواء بين الكبار والصغار.

وبالإضافة لكل ما أشرنا إليه سابقًا تظل هناك الكثير من النقاط التي تؤكد على أن الحركة النقدية العربية تعاني من أزمة خطيرة تؤثر على كافة جوانب الثقافة العربية من إبداع وخلافه، وأنها في حاجة ماسة لتصحيح أوضاعها من خلال نقاد مبدعين وليسوا مجرد دارسين، والبدء في تأسيس مدرسة نقدية عربية ترتكز على التراث النقدي العربي القديم والاستفادة من المنجز الحديث للنقد الغربي.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم