English

 

الخميس. يناير. 4, 2001

ثقافة وفن » لغة وأدب

 

الشعر العربي على أبواب قرن جديد

أنور البصلي

Image
في خضم الإشكاليات الأدبية العربية الكبرى مثل مدى بقاء الشعر العربي "ديوان العرب الدائم"، ومدى قدرة القصيدة العربية المعاصرة على التعبير عن وضعنا العربي وغيرهما من الأسئلة التي باتت تقضّ مضاجع المشتغلين بالشعر إبداعًا ونقدًا - احتضنت مدينة سوسة التونسية في الأيام الماضية ندوة دولية أدبية بعنوان ألفية الشعر العربي، نظمها مهرجان سوسة الدولي بالتعاون مع مؤسسة جائزة البابطين الكويتية، وحضر فعالياتها عدد هام من الأدباء العرب قدموا قصائدهم وتركوا صداها وأسئلتهم ومضوا…!

ندوة ألفية الشعر العربي تأسست على خلفية أن الشعر هو أصل في الثقافة العربية، إن لم يكن أحد أسسها التي لا يستقيم الحديث عن ثقافتنا إلا من خلاله

المستقبل شعرًا

"المستقبل سيكون للثقافة.. والكلمة الشعرية تبقى ثابتة لا تتغير" بهذه المعاني عبَّر الدكتور/ عبد الباقي الهرماسي وزير الثقافة التونسية في كلمته ضمن هذه الندوة؛ ليقف من موقع الباحث في علوم الاجتماع موقف المتفائل بأن هجمة العولمة التي يرى فيها البعض إلغاء ومسحًا للثقافة لن تحقق أهدافها، فالحق في الاختلاف الثقافي هو الذي سيميز السنوات القادمة، واقتراب المسافات والأمكنة وانتشار وسائل الاتصال لن تفلح في محو التعابير الفنية التي تصنع هوية الأمة العربية الإسلامية.

وبهذه الدلالات، فإن الشعر العربي سيبقى صورة حية على ثقافته يجمع بين التأسيس للموقف والجمالية والحلم، بحسب تعبير الدكتور كمال عمران الذي اعتبر أن هذه الندوة جاءت على خلفية الاعتقاد أن "الألفية الجديدة في الزمان ستتسم بسمة الإبداع الشعري".

وفي نفس هذا السياق يقول الشاعر عبد العزيز مريبح في قصيدة تحية لألفية الشعر:

ما جئت مسترجعًا عهدًا وتذكارا ولا لأرثي أطــلالاً وآثــــارا
وإنما جئتُ هذا الجمع يصحبني حب كبير.. وكان الحـــب أمَّارا
عكــاظ هذي ترى؟ أم سوسة احتضنت ألفية الشعر إيمانًا وإقرارا
بأن للشعر دورًا غير منقــطع على مدى الدهر مهما الدهر قد دارا

وتمضي هذه القصيدة تؤكد دور الشعر العربي كأنها تضع النقاط على الحروف منذ البداية ليقول صاحبها:

يستطلع الأمر كيف الشعر قد حارَ حتـى كأني والذبيان يرصـدنا
وقد عرفنـاه ذوَّاقًا ومعيـــارا أراه مندهشًا يزهو بكم طــربًا
فــيزدهي الفن تعبـيرًا وأوارا وينشر الوعي والإحساس يُرهفه
نهواه يحمل أبعـــادًا وأسرارا نهواه داعية للخير يرشـــدنا

الآن وهنا

خيّمت أجواء انتفاضة الأقصى المباركة على أبرز القراءات الشعرية التي حضرت هذه الندوة، فالشاعر السوري عمر الفدا قرأ قصيدة بعنوان "رجال الله" جاء فيها ما يلي:

كذا صار الدم العربي سكينًا وذباحا

وصار الشعر بعد الصمت في الساحات صداما

كذا صرنا ولن نبقى إذا كنا

تناسينا جهاد الحق والإيمان

وأن الشعب رغم الذل، رغم القهر

يرفع راية العصيان

يصمم أخذها غصبًا… ويأخذها

كذا فعلت رجال الله

يقوم الفتح في لبنان"

هذا المقطع الشعري ليس سوى مثال من بين أمثلة عديدة على تفاعل الشاعر العربي مع الوضع السياسي العربي، فكأن قدر القصيدة العربية أن تواصل الاضطلاع بالمهمة التعبوية التي كان منشؤها على عهد الجاهلية وحتى عهود الإسلام الأولى. ولعل هذا الدور السياسي للأدب العربي عمومًا، والشعر بصفة خاصة، لا ينفي على القصائد التي تليت في هذه الندوة صبغتها الجمالية، فالشاعرة اللبنانية "هدى ميقاتي" تحدثت في قصيدة "رؤى قانا… وحديث الستارة" عن مجزرة قانا، وكأنها تجعل من القصيدة "روبورتاجا" أو تغطية إعلامية لتلك الحادثة، ولكنها تغطية بروح شعرية وصورة وفيض جمالي رائع فتقول:

وحين تلفّتت خفقات قلبي لدربك.. لملم البدر الذيولا

وهام الفجر.. أجنحة ترامت على الأفق المسافر كي تطولا

أضمّك والأسى يطوي حنيني.. قتيلاً ضمَّ من روع قتيلا

ولم يتوقف اهتمام الشعراء العرب في قصائدهم عند موضوع القضية الفلسطينية واللبنانية، بل مضى بعضهم إلى التساؤل شعرًا عن العولمة، كما في قصيدة للشاعر الإماراتي "شهاب محمد غانم" الذي يقول في قصيدة بعنوان "العولمة" ما يلي:

ما هي العولمة؟

أهي دين جديد؟

كل شيء يلوح جميلاً به - من بعيد

الانتخابات والجات والتقنيات

دائمًا للأمام

وحقوق الأنام

أي دين مفيد؟

فلماذا يسن عليّ بالنار أو بالحديد

ولماذا إذن قد أحال العباد عبيد؟"

شاعران من ذاكرة القرن

واختارت هيئة تنظيم هذه الندوة تكريم شاعرين تونسيين هما "مصطفي خريف" و"منور حمادح"، وهما من بين أعلام الأدب التونسي الذين لم يُعرفوا بالشكل المرجو في الأدب العربي، على الرغم من أهمية إنتاجهما الأدبي والشعري.

وهنا نشير إلى أن الشعر التونسي قد بقي حصرًا على الشاعر "أبو القاسم الشابي" صاحب ديوان "أغاني الحياة"، وذلك نتيجة لعدة أسباب من بينها: عدم نشر أعمال هذين الشاعرين في الأوساط الأدبية المشرقية بالقدر الكافي.

وقد جاءت هذه الندوة لتساهم في رفع الغبن عن هذين العلمين الأدبيين، ولنبدأ بالشاعر مصطفى خريف صاحب الدواوين الشعرية العديدة، والتي من بينها ديوان "الشعاع"، وديوان "شوق وذوق" والذي نختار منه قصيدة بعنوان تحية لعيد العروبة

عيد العروبة، عد، فدتك دمانا.. واقْبَل تحيّتنا ومحض هوانا

عُد بالبشائر ناشرًا علم المنى.. طلقاً طروبًا ضاحكًا جذلانا

عُدْ كالمجاهد جاء من ميدانه.. ثملاً بخمرة نصره نشوانا

وقد ذكر الدكتور "أحمد حيزم" عند تناوله لتجربة هذا الشاعر نقديًّا بالقول: إنه شاعر يتبع أعراف العرب وسنتهم في القصيدة، فهو شاعر قديم (كلاسيكي) في عصر جديد.

أما عن الشاعر منور حمادح فيقول دارس شعره الدكتور محمد صالح بن عمر: إنه شاعر ظهر فيه إيمانه بقضية وطنه الأولى، فكتب شعراً نضاليًّا، ومصداق هذا الرأي ما جاء على لسان الشاعر حمادح في قصيدته: إلى الثورة الفلسطينية:

كسرته قلمي فلست بكاتب.. يا شعر بعد اليوم لست بصاحبي

فِيمَ البيان؟ وكل شيء قائل .. إني عييت بكل قول صائب؟

يا (فتح) إني لم أعد لكتابتي.. أين السلاح؟ وأين أين كتائبي؟

وقّعت عهدًا للحياة أموتها.. حتى أفوز بعزتي ومراتبي

هكذا جعلت ندوة ألفية الشعر العربي من القصيدة العربية على أبواب القرن الجديد تلهث بقضايا الأمة وأحزانها وآلامها وخصوصًا قضيتنا المركزية: القضية الفلسطينية التي ظن البعض أنها قد انتهت مع معاهدة "السلام" والمواقف السياسية، إلا أن ما ينفي هذا الاعتقاد أن التطبيع لا يمكن أن يغلب الطبع، فالثقافة عمومًا، والشعر على وجه الخصوص يبقى أحد أدوار التعبير عن الهوية التي لا يمكن أن تعترف بالظلم أو أن تضفي المشروعية على ما زرع في الخريطة وأخذ من جسد الأمة دون وجه حق.

إن المثقف عمومًا - والشاعر على وجه الدقة - هو ضوء الأمة وضميرها الذي لا ينام على ضيم ولا يرضى بالهوان مهما حاول رجل السياسة خداعنا باتفاقيات استسلام، فإن القصيدة تبقى ضميرًا ووعيًا وحلمًا بالغد والمستقبل لتؤسس الحق من جديد لأصحابه الشرعيين.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم