|
هل تتفوق رواية المرأة على رواية الرجل؟ ربما يثير هذا التساؤل الذي نطرحه سخرية البعض، وتجاهل البعض الآخر؛ حيث يرجع الفضل في نشأة الرواية ووضع أسسها، وقواعدها إلى الرجل، ومن ثم فهو الذي مهد الطريق للمرأة لكي تعرف وتتعلم أولاً ماهية فن الرواية، وثانياً طرائق وتقنيات كتابتها، وقد ظلت المرأة لسنوات طويلة تعرف، وتتعلم؛ حتى أتقنت تقنيات هذا الفن، وأبدعت فيه.
وفي الخمسة العشر عاماً الأخيرة من القرن العشرين، وفي ظل الزخم الروائي لرواية الرجل وصراع الأجناس الأدبية على صدر القائمة، وظهور مقولة عصر الرواية، بدأت رواية المرأة تبرز بقوة لكن على استحياء، بالطبع كانت هناك قبل هذه الفترة كتابات قصصية وروائية للمرأة، لكنها للأسف لم تكن سوى تمهيد لكتابات قصصية وروائية تتفوق على كتابات الرجل، فظهرت كتابات حنان الشيخ، وسلوى بكر، وهدى بركات، وليلى العثمان، وأليفة رفعت، ورضوى عاشور، وهالة البدري، وميرال الطحاوي، وليلى الأطرش، ونورا أمين، وغيرهن، وهي كتابات تجاوزت وتفوقت بخصوصية رؤيتها كتابات الرجل، بل وحققت للرواية العربية نقلة كبيرة ومهمة.
وحيث إن لهذا التفوق مؤشراته ودلائله، كما أن لتقاعس بل وتراجع رواية الرجل مؤشراته ودلائله، مع الوضع في الاعتبار أن كلا الجانبين ينعكس على الآخر ويكشف عنه.
ففي مرآة رواية الرجل نرى تفوق رواية المرأة وفي مرآة رواية المرأة نرى تراجع رواية الرجل، وكل ذلك في إطار من رؤية عامة للإنجاز الروائي العالمي.
السقوط في بحر التكرار
لقد بدأ معين كبار كتاب الرواية من الرجال في النضوب، مع ثبات التقنيات وعدم تطور الأدوات، وانكبابهم على تحصل المكاسب، ومن ثم بدءوا في السقوط في بحر تقليد أعمالهم السابقة التي حازت في وقت من الأوقات استحساناً كبيرًا، هذا فضلاً عن الأيديولوجيات التي يحملونها، ولم تتخلص منها كتاباتهم، بل إنهم يصرون علي أن تحمل هذه الكتابات الصبغة الأيديولوجية ضاربين عرض الحائط بحجم المتغيرات الضخمة الحادثة الآن داخل الإنسان وخارجه..
ولأنهم يمثلون كتاب الأمة، فهم يحتلون كافة المواقع علي الخريطة الثقافية في كافة وسائل الإعلام والمنتديات والمؤتمرات المحلية والدولية، مصرين على أن لا يفسحوا مكاناً للأجيال الجديدة، هذه الأجيال التي تركت دون توجيه أو نصح أو تقييم من قبل النقاد الذين بدورهم يتجاهلونهم لحساب كبار الكتاب، فضلاً عن عدم تواصل الأجيال.
لذا، فإن الاتهامات من قبل الكبار للصغار بالفشل لا تتوقف، والاتهامات من قبل الصغار للكبار بالنضوب لا تتوقف، الأمر الذي انعكس عليهم جميعًا صغارًا وكباراً، فكلاهما لم يقدم جديداً للرواية العربية، والدليل على ذلك أن كتابات الروائيين الشباب رغم أنها بالمئات فإن عددًا قليلاً منها لفت الأنظار إليه، وهذا ينطبق على أعمال الكبار من الروائيين، لكل ذلك فإن نظرة عامة في رواية الرجل خلال السنوات الأخيرة لا نكاد نخرج منها بالكثير من الأعمال التي تستحق أن تقرأ.
الغوص في الأعماق
هذا في الوقت الذي ولدت فيه رواية نسائية عفية وقوية؛ حيث أدركت الكاتبات الكثير من مواطن الضعف في الرواية الذكورية، فابتعدن عن الأيدلوجيات وغصن في أعماق الإنسان كاشفات عن أوجاعه وآلامه، حيث لم تعد العوامل الخارجية من صراع أيديولوجيات وحروب ومشكلات تستحوذ على رؤيتهن، ولكن تأثير هذه العوامل كلها مجتمعة على مشاعر وأحاسيس وحياة الإنسان ووجوده في الزمن والمكان المحددين هي ما يهمهن.
لذا، فإن ما لم يستطع الكاتب الروائي إنجازه حول تأثير الحروب التي دارت رحاها في المنطقة العربية خلال القرن العشرين استطاعت الكاتبة الروائية إنجازه باقتدار، ولنقرأ رواية "حنان الشيخ" "بريد بيروت"، ورواية "إيمان حميدان يونس" "باء مثل بيت مثل بيروت"، وروايات "رجاء نعمة"، لنرى كيف عالجت الكاتبة تأثير الحرب وأي حرب إنها الحرب الأهلية في لبنان، لقد رصدت بجماليات فنية وأسلوبية وتكنيكية وطأة الحرب على الذات الإنسانية، وردود فعل هذه الذات الداخلية والخارجية، كل ذلك عالجته الكاتبة دون افتعال وبرقي.
إن هناك روايات تناولت حرب أكتوبر73 والحرب العراقية الإيرانية والغزو العراقي للكويت، لكنها أبداً لم ترق إلى مستوى هذه الروايات على مستوى الرؤية، ولا على مستوى الأسلوب والتقنية، وفي ظني أنه قد انشغل الكثير من هؤلاء الكتّاب في السبعينيات، وإلى وقت قريب بالثروة النفطية الخليجية وبالأيديولوجيات التي تحكمها، وكأن هذا هو همهم أن يعالجوا قوة هذه الثروة، متجاهلين تطوير رؤاهم وأدواتهم غير عابئين بالمتغيرات التي حدثت داخل الإنسان العربي، فقد كانوا يعالجون ذلك بشكل سطحي دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة الغوص داخل الإنسان والتعرف على مردوداته، ومن ثم التواصل معه، ودعمه بالتأثيرات الجمالية والفنية والاجتماعية التي تحفظ عليه كيانه من التمزق.
أما المرأة الكاتبة فقد استوقفتها تلك المتغيرات التي بدأت تصيب الإنسان العربي فأبحرت فيها، وصبغتها بروح إنسانية مفعمة بالتأجج الحسي لتخرج لنا أعمالاً روائية منسوجة باقتدار تتفوق على أعمال الرجل، وتتجاوزها؛ لتتألق هذه الأعمال في السنوات الأخيرة، وتتصدر قائمة أهم الروايات العربية، مثل: روايات "حجر الضحك" لهدى بركات، و"وسيمة تخرج من البحر" لليلى العثمان، و"منتهى" لهالة البدري، و"زهرة الصبار" لعلياء بنت المنصف التابعي، و(نجوم أريحا) لليانة بدر ،و(وصف البلبل) لسلوى بكر، و"ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي، و"الخباء" و"الباذنجانة الزرقاء" لميرال الطحاوي، و"دنيا زاد" لمي التلمساني، و"قميص وردي فارغ" لنورا أمين، وغيرهن من الكاتبات العربيات اللاتي يشكلن الآن بكتاباتهن الرواية العربية .
|