|
منذ عام، أو أعوام؛ منذ عقد، أو عقود؛ منذ قرن، أو قرون؛ ربما قرن، وربما عشرة، وربما (أربع عشر).. لا أدري على وجه التحديد؛ كل ما أذكره أنني في ذلك الزمان السحيق الذي لم أعد أذكر عدد سنيه كنت رجلا!
وعندما أقول إنني كنت رجلا فإنني أعني الكلمة بكل ما حملته وتحمله من ظلال ومعانٍ، مجردة من كل ما لحق بي في أيامي الأخيرة من خزي وعار، وذل وهوان، وجبن ضعف.. أشياء ليس لها عندي وصف...
كنت في ذلك الزمن البعيد رجلا، وأي رجل.. جسورا، وأية جسارة.. أسدا، وأي أسد.. كنت في ذلك الزمن البعيد.. القريب.. تخافني الأسد في غاباتها.. ما إن يراني واحد منها حتى يفر مذعورا.. ويصيح.. انجوا بأنفسكم.. يا أيها الأسد ادخلوا جحوركم، وإلا دهستكم أقدام هذا الرجل الضاري.. هذا الرجل الذي لا نعرف له كنها.. فلا هو آدمي عادي فنعرف كيف نحتال له أو عليه.. ولا هو حيوان من حيوانات الغابة فنفترسه بأنيابنا الحادة.. ولا حتى هو أسد مثلنا فنهشه... أو نقبل يده..
نقبل يده...
سمعت هذه العبارة بأذني هاتين، بحواسي جميعها، كثيرا ما سمعت العبارة: نقبل يده..
ولم يبق معي يلازمني في حياتي التي أحياها الآن - إن جاز التعبير؛ فأنا لا أدري إن كنت فعلا حيا أم ميتا، إن كنت أحس أم فقدت نعمة الإحساس مثل أشياء كثيرة ضاعت مني في الزحام؛ أشياء لا أدري على وجه التحديد إن كانت ضاعت مني عفوا أم هي سلبت مني أم أنني ألقيت بها مع أشياء أخرى بئر النسيان؛ تلك البئر التي عادة ما نلقي فيها تلك الأشياء التي تثقل كواهلنا عندما نكون رجالا، هي ذات البئر التي ألقيت فيها رجولتي! وماذا صرت؟ لا أدري!
وتعود تطن في أذني تلك العبارة التي لن أنساها من فرط من ألفتها وفعلتها وعشقتها: نقبل يده...
نعم.. فلقد صرت أقبل كل يد.. كثيرة هي الأيدي التي قبلتها.. أيد نظيفة، أيد قذرة، أيد منتنة، أيد معروقة، أيد خشنة، أيد ناعمة، كلها أيد، قبلتها وسأظل أقبلها، ولن أسأم تقبيلها ما حييت؛ فأنا لم أعد ذلك الرجل الذي كانت تخافه الأسد وتفر هاربة منه لتنجو بحياتها... لم أعد أنا هو، أو ربما لم يعد هو أنا.. الأمر سيان.. المهم أنني لم أعد أسمع هذه العبارة من الأسد التي تخافني: "نقبل يده"... بل صرت أنا الذي أقول وأحسها وأفعلها..
حتى أُسد الأمس لم تعد أسدا.. ربما اختفت، ربما ضاعت في الزحام، ربما ماتت، ربما خنقتها الذئاب! أو ربما أُسد الأمس نفسها طرحت جلدها ولبست بدلا منها جلود الذئاب، أو الثعالب، أو حتى الكلاب.. فالأمور كلها سيان.. عندما أفقد أنا رجولتي، لا بد وأن تفقد الأسد أُسديتها.. عندما أفقد أنا رجولتي، لا بد أن أتوقف، وأتساءل: لماذا فقدت أنا رجولتي؟
وتظل العبارة تتردد في أذني تصيبهما بالصمم: "نقبل يده" وتكرر وتكرر.. صرت أكره العبارة، صرت أمقتها، لن أقبل يدا بعد اليوم.. لن أقبل يدا بعد اليوم.. لن أقبل يدا بعد اليوم..
وما إن أنتهي من ترديد العبارة مع نفسي في أعماق أعماقي مخافة أن يسمعني أحد أهذي بها حتى أجد يدا، ليست باليد، ربما هي خف جمل، ربما هي قدم فيل، ربما حافر حصان يتسابق بسرعة خمسين ميلا، ربما هي قذيفة من مدفع.. لا أدري، كل ما أتذكره بعد أن أفيق أنني صُفعت مثلما لم يصفع أحد، ضُربت مثلما لم يضرب أحد، أُهنت مثلما لم يُهن أحد.. لماذا؟ تسألني؟ لا أدري. هل تدري؟ أعتقد أنني أدري.. فأنا لم أعد رجلا...
عندما كنت رجلا كنت أرى الأسد تولي هاربة تختفي في جحورها مثلي اليوم... مثل فأر تطارده قطة هزيلة، أبحث عن أقرب جحر أخبئ نفسي فيه.. أغوص في الرمال، في الوحل، أخبئ ذلي، أدفن عاري، أدفن نفسي، أختفي، حتى لا يكاد يبين مني أي شيء، فالملامح اختفت، الصفات ضاعت، ضاع مني كل شيء، ضعت أنا، فقدت نفسي... وسوف أنشر إعلانا في كل وسائل الإعلام أرصد فيه مكافأة - ولكني لا أملك شيئا حتى أرصده كمكافأة، أرصد فيه نفسي كمكافأة، ولكني لا أملك نفسي، فهي ملكهم، إذن ماذا أرصد كمكافأة؟ لن أرصد شيئا، سوف أوقف نشر الإعلان.. أي إعلان؟ إعلان البحث عن ذاتي؟ وما هي ذاتي؟ أنا مخلوق هلامي، أنساق معهم، عفوا أنساق وراءهم مثل الكلاب - أنا ابن قسورة صارت تجرني حبالهم مثل الكلاب، ولكني أحيانا أسير أمامهم! - مثل الخراف؛ أنا الأسد الهصور أساق مثل الخراف.. أنا.. أنا.. أنا..؟ من أنا؟
أنا لا أدري. كل ما أذكره أنني منذ عام، أو أعوام؛ منذ عقد، أو عقود؛ منذ قرن، أو قرون؛ ربما قرن، وربما عشرة، وربما أربع عشر.. لا أدري على وجه التحديد؛ كل ما أذكره أنني في ذلك الزمان السحيق الذي لم أعد أذكر عدد سنيه كنت رجلا!
النقد والتعليق:
يقول السينارست والناقد عماد مطاوع:
يعد الفن وعاء جيدا يمكن تضمينه العديد والعديد من الأفكار والآراء، وأيضا المواقف.
وفي قصة "عندما كنت رجلا" للقاص فرج سيد محمد، نجدنا أمام موقف يتخذه البطل من نفسه والعالم، فنحن أمام قصة سيكولوجية يقوم فيها البطل بجلد ذاته متذكرا ما حدث له، وما كان في السابق.
يبدأ العمل برثاء البطل لنفسه مستخدما جملة دائرية... "منذ عام أو أعوام، منذ عقد أو عقود....".
بغية توحد الجزء / البطل مع الكل /المجتمع، ثم يقوم القاص بعرض فانتازي لوضع البطل وكيف كانت تهابه الأسود، حتى إنها كانت تقول..." يا أيها الأسد ادخلوا جحوركم وإلا دهستكم أقدام هذا الرجل....." -في تناص مع النص القرآني المقدس-، ثم التحول الذي حدث في حياة هذا الرجل لم يذكر القاص مبررا منطقيا لهذا التحول ـ والانحدار اللذين لفاه، حتى صار يقبل كل يد يلقاها، وصار مبتذلا مفرطا في كرامته، ثم يقرر اتخاذ موقف ويقرر عدم التفريط ثانية ويردد بثقة... "لن أقبل يدا بعد اليوم.. لن أقبل يدا بعد اليوم"، ثم تخور عزيمته ثانية ويعود إلى المداهنة وإلى إذلاله لنفسه.
إن قصة "عندما كنت رجلا" ترصد الاستلاب الذي يتعرض له الفرد، وكيف يفرط في كرامته ويتنازل، ثم تتوالى التنازلات حتى يصبح وجوده نفسه بلا مبرر، ويجد نفسه قد أصبح شيئا باهتا لا حياة فيه ومهما كانت الأسباب التي تدعو إلى التنازل فإن الإنسان يفقد نفسه عند أول إرهاصه لذلك، فنجد أن البطل يشعر أنه فقد رجولته، وعندما يشعر الرجل أنه أصبح مجردا من رجولته تميد الأرض من تحت قدميه.
إن الرجولة هنا فضفاضة، تتسع للعديد من الأشياء فهي تعني الكرامة والعزة، النخوة، القدرة على الفعل، وعندما يجرد الإنسان من شعوره بكل هذه الأشياء نجده قد أصبح مسخا ببعث علي التقزز.
ولقد نجح القاص في رسم صورة بطل قصته، وراعى الأبعاد النفسية له، وهذه القصة السيكولوجية تؤكد قدرة كاتبها علي الغوص داخل النفس البشرية واستنطاقها، كما تؤكد امتلاكه لناصية القص، لمن عليه أن يراعي التكثيف، وأن يتخلى عن ذلك الأسلوب المسرحي الذي ظهر بجلاء في مقاطع عديدة من القصة، لا سيما في نهايتها، وأيضا على القاص تجنب اللجوء للجمل الزاعقة لغويا، والتي عادة ما تفسر الجو القصصي.
|