English

 

الأحد. أغسطس. 28, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الخواطر والمقالات

 
   
روابط من إسلام أون لاين

دوائر الضوء

Image
منذ خلق الله الأرض ومن عليها الظلام هو الظلام بحلكته و ظلمته، ولكن بدأ الظلام مختلفاً في تلك الليلة لقد خيل إليه أنه صار أكثر حلكتاً وقسوه  وهو يحدق في سقف الغرفة المظلم ، حدقت عيناه في سقف الغرفة طويلاً جداً لم يعلم كم من الوقت مر وهو على هذه الحال، تقلب في سريره عدة مرات ولكن لم تجد عينه سبيل إلى النوم وكل هذا الهم يشغل قلبه وعقله، حاول جاهداً كتم دمعة ترقرقت طويل في عينيه حتى وجدت سبيلاً إلى الخروج، مسحها بأنامله سريعاً وكأنه يخشى أن يراها أحداً و هي تنزل من عينيه.

حاول أن ينسي أو يتناس الموضوع ولكن شعور اليأس و الأحباط و الظلم ملئ عقله و أنتقل بشكل تلقائي إلى كيانه كله، تتطلعت عيناه إلى أشعة القمر التي تسللت من فتحة في النافذة لتسقط على الحائط المقابل مكونة دائرة من الضوء تتراقص دون ثبات و بشكل مستمر، دائرة من الضوء نقلته إلى ذكري سحقيه طفت على سطح ذاكرته فجأه و دون سابق أنذار.

***********

جري إلى غرفة جدته كسهم أطلقه صاحبه فأخذ يشق الهواء مسرعاً إلى هدفه المنشود، فتح الباب و اتجه إلى حيث جدته وألقى نفسه بين أحضانها قائلاً:- جدتي، ما هو المسرح؟ إلقى السؤال في وجه جدته بعفوية وسذاجة الأطفال ومن عينيه تتطل علامات الاستفهام والتعجب، أبتسمت الجدة لسذاجة حفيدها وغرابة سؤاله و أجابت قائلة:و ما هم سبب سؤالك الغريب هذا؟ هل هو واجب مدرسي أم كعادتك طريقة خبيثة منك حتي تجرني الأحكي لك قصة قبل أن تنهي واجباتك المدرسية!

أبتسم (وليد) لقول جدته و أجاب مسرعاً: كلا ..كلا أن لدي أساليب أخري غير هذا الأسلوب المباشر.

أبتسمت الجدة لصراحة حفيدها التي لا تجدها إلا في الأطفال وردت قائلة: حسناً يا حبيبي (وليد) لصراحتك سأخبرك ولكن أخبرني أولاً ما هو سبب سؤالك أجاب (وليد) وقسمات الغيرة على وجهه: صديقي (سالم) اتذكرينه لقد حدثتك عنه سابقاً.

 ارتسمت علامات التركيز على وجهه الجدة في محاولة منها لتذكر ولكن ذاكرتها خانتها هذه المرة و أجابت قائلة: لا أذكر يا بني فكم من الأصدقاء لديك، فأجاب في محاولة الإنعاش ذاكرتها: (سالم) ذلك الفتي المتغطرس الذي يدعي الغني و الثراء لقد جاء اليوم وهو يمشي مشيته المتبجحة تلك وهو يشير إلى صدره قائلاَ: من منكم زار المسرح ؟ فأجبنا جميعاً بالنفي فقال: المسرح لا يصلح لأمثالكم أنه الأبناء الأكابر مثلي وأتبع قوله هذا بضحكة سخرية واستهزاء تضايق منها كل الأولاد و كنت على وشك ضربة.

 مسحة الجدة على رأس حفيده في محاولة منها التخفيف مشاعر الحزن و الغضب التي امتزجة معاً و أطلت واضحة من عينيه وهي تقول: لا عليك يا بني فهذا النوع من الناس لا يستحق حتى الحزن.

 أبتسم (وليد) لقول جدته وتعلق مرة أخري بعنقها وهو يقول: أنت على حق فهو لا يستحق الحزن و لن إلعب معه مرة أخري أو اعيره قاربي الخشبي الصغير، و الأن يا جدتي إلن تخبريني عن المسرح؟

غيرة الجدة جلستها لتجلس القرفصاء وهي الجلسة التي تجلسها كلما أرادت أن تحكي الحفيدها قصة ثم قالت: المسرح يا بني عبارة عن خشبه كبيرة فوق مستوي الأرض يقف عليها ممثلون يؤدون أدواراً مختلفة، تكون قد أعدت سابقاً من قبل مؤلف المسرحية و توزع على الممثلين كلن حسب جدارته و قدراته التمثيليه، ويقوم كل ممثل بدوره إلا أن هناك ممثلون يقومون بدور البطولة و يكون لهم نصيب الأسد من المسرحية كلها و من تصفيق الجمهور الذين يشاهدون المسرحية، و توجه دوائر من الضوء على هؤلاء الأبطال بينما تكون الخلفية مظلمه.

 أسرع (وليد)مستفسراً: وماذا يحدث بالممثلون الآخرون فدائرة الضوء التي تكلمتي عنها لا تتسع إلا للأبطال، ابتسمت الجدة السؤال حفيدها وهي تقول: لا دور رئيسي لهم فقط يخرجون ويؤدون أدوارا بسيطة ثم يعودون خلف الستار، فرد الحفيد قائلاً: ولكن لماذا إليس من حقهم أن يكونوا أبطال مثل غيرهم؟ و أكمل قائلاً: لو أصبحت يوماً ممثلاً فسوف أختار دور البطولة، سرحت الجدة ببصرها في أحدى زوايا الغرفة وهي تقول: المسرح يا بني ساحة مصغرة لمسرح الحياة، فالحياة ملئا بدوائر الضوء التي توجه على أبطال وهميون قد يستحقون أو لا يستحقون أن توجه عليهم، هكذا الحياة يا بني فكلنا ولدنا من رحم واحد ولكن دائماً هناك سادة وعبيد.

**************

دارت هذا الذكريات في مخيلته سريعاً،وهو يتذكر كلام جدته الذي لم يفهم منه شيئا في حينه، ولكن الآن فهم كل ما كانت تقصد جدته بدوائر الضوء ومسرح الحياة، في هذا الصباح فقط فهم هذا الكلام جيداً جداً.

 هذا الصباح كانت نفسه مليئة بالأمل والسعادة وهو يتوجه إلى أحدي الشركات العملاقة من أجل مقابلة عمل فيها، ما أثار فرحه أنه حديث التخرج وليس لديه خبرة كافية ولكن هذا الشركة المشهوره قد طلبته من أجل مقابلة عمل وهذا وحده يكفي بأن يمني نفسه بوظيفه لا يحلم بها غيره ، الموعد كان في التاسعة ولكنه أستيقظ في السابعة و بدأ بتجهيز نفسه لمدة ساعة فكل مرة لا يعجبه شكله فيقوم بتغير ملابسه و عندما أستقر على لبس معين قام بتسريح شعره ووضع بعض العطر الغالي الذي لا يستخدمه إلا في المناسبات الهامة، نظر إلى ساعته فأذا بها تجاوزت الثامنة ببضعت دقائق، حمل الأوراق المطلوبه على عجل ولم ينسي أن يلقي نظرة أخيره على شكله في المرأة قبل أن يخرج متوجهاً إلى الشركة.

 وصل قبل الوقت ببضعت دقائق و توجه إلى السكرتير و الأبتسامة لا تفارق وجهه و سلمه الأوراق موضحاً هدف قدومه، أشار إليه السكرتير بالجلوس دون أن يتجشم عناء أن يرفع رأسه عن جهاز الحاسب الألي الذي تسمر أمامه كتمثال من الشمع لا يتحرك منه إلا عينيه و أصابع يديه التي كانت تطبع بسرعة خرافية.

أنتظر(وليد) طويلاً و خف حماسه وهو ينتظر كل هذه الوقت وهو يجلس أمام تمثال الشمع هذه، دارت الكثير من الأسئلة في رأسه عن سبب التأخير و خاصة أن هذه الشركة معروفه بدقة مواعيدها، و جاء الجواب سريعاً عندما خرج من مكتب المدير رجل يبدو عليه الثراء والنعمة، لم يهتم بأمر كثيراً فأخيرا جاء وقت المقابلة بعد طوال انتظار أشار عليه السكرتير بالدخول دون أن يرفع رأسه كالعاده و لكنه لم يهتم هذا المرة المرة فأخيراً قد جاء دوره.

أتجه إلى المكتب بخطوات حاول قدر المستطاع أن يجعلها واثقه، وعندما دخل جالت عينيه لا تلقائياً في المكتب الواسع الذي كان يشي بذوق صاحبه وثرائه في نفس الوقت، أشار عليه المدير بالجلوس، جلس على أحد الكراسي الفارهه المريحه التي امتصت جسده النحيف و امتصت كذلك كل خوفه و توتره، تعلق بصره بالمدير الذي بدأ مشغول جداً في الأوراق الكثيرة التي أمامه بعد فترة من الانتظار رفع الرجل رأسه و علامات الأسف تملئ قسمات وجه وهو يقول:( أهلاً بك يا سيد (وليد) يبدو أنك أنتظرت طويلاً عذراً على تأخيرك كل هذا الوقت، ولكن و في الحقيقة أريد أن أناقش معك موضوع مهم قبل أي شئ، أرتسمت علامات الحيرة على وجه (وليد) رد قائلاً: موضوع مهم ولكن يا سيدي المدير أنا هنا من أجل مقابلة عمل!

رد المدير قائلاً: أجل و هذا بالضبط ما أريد أن أناقشه معك، هل رأيت الرجل الذي خرج لتوا من هنا، قد جاء اليوم ليطلب أن نقوم بتوظيف إحدى أبنائه هنا وأنت تعرف أننا لا نستطيع رفض هذا الطلب فهو رجل له نفوذه و هيبته التي لا يستهان بها وإلى جانب ذلك نصف اسهم شركتنا ملكه و إغضاب هذا الرجل له عواقب وخيمة جداً، و للآسف لا يريد أن يعمل أبنه لا في نفس الوظيفة التي جئه من أجلها، سامحني سيد(وليد) فلا أملك لك إلا الأعتذار و حظاً موفقاً في المرات القادمة ).

إلقي المدير هذه الكلمات بكل سهولة و عاد إلى أوراقه الأكمالها حتي دون أن يري رد فعل (وليد)، تحامل (وليد) عل نفسه وهو يجر قدميه جراً من مكتب المدير و هو يحاول كبح حزنه ورغبته في البكاء الأن فهم (وليد) كل شئ ولم يكن يحتاج إلى أي تفسير أخر فهم أن لا مكان له في هذا الشركة ليس لكونه لا يستحقها ولكن الأن دائرة الضوء هذا المرة أختارت البطل بنفسها ليلعب دور البطوله على خشبة المسرح، مسرح الحياة هناك حيث تلعب دوائر الضوء لعبتها الأبدية و حيث يكون القرار لدوائر الضوء ومن تختار 


النقد والتعليق

يقول الناقد والسينارست/ عماد مطاوع:

خلق الله تعالى البشر جميعا سواسية لا فضل لأحدهم على الآخر إلا بعمله وطاعته، لكن أنساقا مجتمعية مستحدثة وضعت الحدود والفواصل بين الناس ومن ثم تولدت الطبقات وتحددت ملامح العلاقة بين أبناء كل طبقة وأخرى.

وفي عصرنا الحديث -العبثي- هذا، أصبحت الثروة والنفوذ كلمتي السر اللتين تفتحان كل الأبواب المغلقة.

وفي قصة "دوائر الضوء" للقاصة بدرية عبد الله حسن، نرصد هذه الحالة في بناء تقليدي، متتبعا مظاهر العبث التي تجلت في كسر همة أحد الشباب من خلال تفويت فرصة التحاقه بالعمل وإعطاء مكانه هذا لآخر له نفوذه الذي ضغط به على متخذي القرار.

والقاصة هنا تعري مجتمعا بأسره، بل تعري منظومة بشرية بأكملها في محاولة لفضح الآثار النفسية والحياتية التي تترتب على انتقاء العدالة في توزيع فرص العمل وفي شتى مناحي الحياة.

والقاصة هنا استخدمت بناء تقليدية يعتمد على فرشة جاءت مشوقة ودخلت بنا عالم ذلك الشاب الذي آثر أن يعود بذاكرته مجترا واقعه مع جدته، تعطيه فيها خلاصة تجربتها واستخدم هو رمز المسرح كدلالة للحياة بشموليتها ودراميتها فنجد الجدة تقول: "هناك ممثلون يقومون بدور البطولة ويكون لهم نصيب الأسد من المسرحية كلها ومن تصفيق الجمهور الذين يشاهدون المسرحية، وتوجه دوائر من الضوء على هؤلاء الأبطال بينما تكون الخلفية مظلمة".

ثم يرجع بنا القاص من هذا الاسترجاع -الفلاش باك- إلى اليوم الذي ذهب فيه للعمل -لإجراء مقابلة كي يلتحق بالعمل- وهناك يفهم مغزى كلمات جدته، عندما تسلب منه هذه الفرصة وتعطى لآخر ذي نفوذ.

وأول ما يؤخذ على الكاتبة إغفالها الاهتمام باللغة العربية وكثرة الأخطاء التي وقعت فيها ومثال ذلك قولها: "حاكتا" وصحتها و"حلكة" وأيضا: "طويل" وصحتها "طويلا" واستخدمت القاصة الوصف "بشكل أضر بسرد القصة وانسيابها وأوقعها في المباشرة الشديدة، ورغم وجود المسرح كرمز فإن أجزاء مهمة من القصة تم تسطيحها بهذه المباشرة وأيضا الارتباط الذي حدث في القصص بسبب اللجوء للفلاش باك، إلا أنها القاصة لديها حسن نقدي لكل ما هو محيط بها، كما أنها تمتلك قدرة معقولة على رسم لحظات قصصية جيدة، ولهذا يجب عليها اعتماد الكتاب في بعض ما هو خاص وحميمي وأيضًا تركيزها على رصد تفاصيل الحياة بكل جزئياتها، لأن ذلك سيضفي مسحة من المصداقية على العمل، كما أنها مطالبة بالاهتمام أكثر باللغة لأنها وعاء فكر أي كاتب، فإذا لم تكن سلمية مصانة، فلا ينتظر منها أن تعبر عن الأفكار بشكل سليم.

والقاصة بدرية عبد الله حسين تمتلك من أدوات القص بالفعل ولديها حس نقدي عال، وعليها أن تُعمل قلمها في التجريب حتى تقف على ما يميزها في عالم القصة الزاخر.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم