English

 

الأحد. أبريل. 29, 2001

ثقافة وفن » لغة وأدب

 
   
روابط من إسلام أون لاين
روابط خارجية

الكاتب إدورادو مندوثا: أسبانيا بلد شديد التخلف!!

Image
إدورادو مندوثا في سطور، ولد في برشلونة عام 1943، عاش في نيويورك بين عامي 1973 - 1982؛ حيث عمل مترجما في الأمم المتحدة.

في 1975 طبع أولى رواياته (الحقيقة في قضية سابلوتا)، وفي هذه الرواية يتناول الحياة في برشلونة بين عامي 1917 - 1919، وفي مسيرته الأدبية التي استمرت حتى الآن أهتم مندوثا بالمدن، وكتب عنها كل أعماله ومن أهمها (الجزيرة المجهولة) 1989، و(مدينة المعجزات) 1986 التي تصدر ترجمتها العربية قريبًا، و(كوميديا خفيفة) 1996. وآخر روايات مندوثا، صدرت منذ أسابيع عن دار مايكس باررال الأسبانية بعنوان (مغامرات مصفف شعر السيدات).

"إدواردو مندوثا" عاشق للمدن، قادر على فض أسرارها والوصول إلى أعماقها وعنها يكتب رواياته… عندما زار القاهرة قبل عامين مدعوا من جامعة الأزهر ومعهد ثربانش، كانت برشلونة ونيويورك ولندن، ومقاهيها هي موضوع محاضرته التي طاف بمستمعيه خلالها عبر هذه المدن وتاريخها.

هذه المرة التقيت به في مدينته، برشلونة، بالتحديد في إحدى ضواحيها؛ حيث يوجد مكتبه ومسكنه، كنت أحاول تكوين انطباع عن الشارع الذي يقيم فيه، لكن المسافة القصيرة بين محطة المترو ومكتبه لم تمنحني الوقت الكافي، من خلف زجاج المكتب رأيت الشارع بسياراته وبشره ومبانيه، التي يتجاور القديم العميق منها مع الحديث… أرى الحركة ولا أسمع الصوت. عرض عليَّ النزول إلى المقهى المجاور لتناول القهوة. نزلنا ليستعيد المشهد الصوت من جديد، ويضاف إليه صوت آخر: ماكينة القهوة، الأكواب التي تنتقل إلى الموائد، حوارات الرواد، وموسيقى الروك العالية… رغم هذا بدأنا الحوار.

* ذكرت في أكثر من مناسبة أن الرواية ستختفي، وأن الصحافة الحديثة، بما تحتويه من مادة خبرية ضخمة وملاحق فنية وأدبية وتاريخية وغيرها تعمل على موت الرواية، رغم هذا ما زلت تكتب، وصدرت لك قبل أسابيع رواية جديدة هي "مغامرة مصفف شعر السيدات"؟

حسنا. يبدو أنني لم أفسر كلامي جيداً. عندما قلت هذا كنت أقصد أن ما نسميه رواية، ما أطلقنا عليه رواية حتى الآن لم يعد موجوداً. الرواية كانت تقوم بتفسير العالم، والآن تقوم الصحافة ووسائل الأعلام الأخرى كالراديو والتلفزيون بتفسير العالم.

ما كنا نسميه رواية كانت نافذة نرى منها العالم، ولم تعد موجودة، وهذا ليس سيئًا في حد ذاته، فعل الكتابة سيظل موجودا وأيضًا التكوين الأدبي، لكن هذا لن يكون رواية يجب تسمية الأشياء بأسمائها، لقد اختفي الشعر بالطريقة نفسها، ما كنا نسميه شعراً في الماضي لم يعد موجوداً، الشعر الموجود نخبوي، للمتخصصين فقط، وهذا ما يحدث الآن للرواية، وعلى آية حال يجب أن أواصل الكتابة، فأنا لا أعرف شيئاً آخر.

* يوجد الآن أدب مكتوب بالقطلونية، وتتم ترجمته إلى لغات أخرى كالألمانية والفرنسية، فهل هذا الأدب ظاهرة جديدة، ظهرت كرد فعل لما كان يحدث في عهد فرانكو من تسييد للغة الأسبانية، أم أنه أدب قديم استعاد حضوره؟

القطلونية لغة قديمة للغاية مثل الفرنسية والأسبانية، وبدأ أدبها في الظهور مع الأدب الأسباني والبرتغالي، وفي الواقع يعود وجود هذه اللغات الثلاث الكبرى في شبه الجزيرة الأيبرية إلى العرب، أو الحروب مع العرب، إذ كانت لغة الإقليم وملامحها تتحدد حسب إيقاع الحرب ودرجة الاتصال مع الأقاليم الأخرى، اللغة الأسبانية الأصلية التجأت إلى إقليم الباسك، ويا للمفارقة! فإن النطق الأسباني السليم هو الموجود حاليا في إقليم الباسك. مع تقدم الحرب سادت البرتغالية في جليقلة والبرتغال، والأسبانية (القشتالية) في وسط شبه الجزيرة، والقطلونية في الجزء المتوسطي، في جنوب فرنسا وقطلونية وبلنسية.

وللقطلونية أدب قديم، هو أول أدب مكتوب في شبه الجزيرة الأيبرية حيث كتبت رواية بعنوان (تيران لوبلان)، وهو اسم شخص محارب وتحكي مغامرات من القرن الثالث عشر، وهناك شعر قطلوني هام، لكن توجد فترات من التدهور، ففي القرن الثامن عشر نشبت حرب أهلية، وكان القطلونيون يريدون الانفصال، وبهزيمتهم وقع اضطهاد كبير من حكومة مدريد، وظلت القطلونية لغة كلام، لكن لم يكن يتم تعليمها في الجامعات أو المدارس، وهكذا بدأت تفقد ملامح كتابتها واستمر هذا الوضع حتى القرن التاسع عشر عندما حدثت نهضته اللغوية وظهرت المعاجم الجديدة.

أتذكر أن أول معاجم في أسبانيا في القرن الخامس عشر كانت قطلونية، وكانت قطلونية أسبانية، أو لاتينية أو يونانية، كل هذا فقط، لكن تمت استعادته في القرن 19. وفي القرن العشرين حاول فرانكو إلغاء القطلونية ومنع تعليمها في المدارس، لكنها استمرت لأن اللغة لا تختفي، ومع عودة الديمقراطية بدأ تعليمها من جديد وأصبحت تدرس في المدارس والجامعات، في الوقت الحالي، الأدب القطلوني جيد، لكننا في عصر العولمة، ولا يمكنه منافسة الآداب الكبرى، أقصد المنافسة التجارية، وداخل السوق القطلوني الصغير الذي يتراوح بين ستة ملايين وثمانية ملايين توجد هيمنة للأدب الأسباني، ولا يجب أن ننسى أنها اللغة التي يكتب بها أدباء أكثر من عشرين دولة في أمريكا اللاتينية.

هذا نفس ما يحدث للأدب الهولندي أو السويدي؛ يوجد مبدعون أفراد، لكن الأدب ذاته لا حضور له تقريبا.

* إلى جانب تعدد اللغات في أسبانيا يحتفظ كل إقليم بعادات وأعياد ومظاهر حياة تختلف عن الأقاليم الأخرى، ما رؤيتك لهذا الوضع؟!

أعتقد أنه في ظل المشاكل التي تعيشها أسبانيا حالياً، لا يمكن الحكم على هذه الأشياء بأنها جيدة أو سيئة وإنما هي موجودة بالفعل ويجب قبولها كما هي، إن كان لها جانب إيجابي نقويه وندعمه، وإن كان لها جانب سلبي نحاول التغلب عليه.

* عشقك الأكبر هو المدن، والمقاهي، والمطاعم، وعنها تكتب رواياتك. كيف ترى المدينة حالياً؟

ابتسم إدواردو مندوثا وقال: "هذا الموضوع يهمني للغاية، وأحب أن أتكلم عنه بعمق وتركيز". تركنا خلفنا موسيقى الروك وأصوات البشر والسيارات؛ لنصعد إلى المكتب الهادئ، المدن بها مراكز ثقافية كبيرة: الجامعات والمتاحف وأيضاً المقاهي والمطاعم وهذه شديدة الأهمية، وتوجد رواية تعجبني جداً لمحفوظ (أديب مصري) اسمها "قشتمر"، بها مجموعة الأصدقاء تمتد علاقتهم من الصبا إلي الشيخوخة، ودائما يلتقون في المقهى، وتختلف مصائرهم وأحوالهم المادية لكن المقهى دائماً يجمعهم، هذه هي أهمية هذه الأماكن، وعن طريقها يمكن معرفة البلد.

في مدينة هادئة مثل فيينا وباريس ستجد المقاهي هادئة، والعكس في لندن، حيث تكثر البارات ويوجد السكارى، الشوارع أيضاً مليئة بالسكارى، ومن المثير دراسة تاريخ تطور المقاهي والمدن والعلاقة بينهما، حيث يمكن معرفة طريقة حياة البشر، وهذا هام جدا بالنسبة لنا نحن الكتاب، وأنا أحب الذهاب في الصباح إلي مقاهي الأسواق، معظم الجالسين نساء، اعتدن على الحديث بدون خوف من أن يسمعهن الآخرون. ويحكين أشياء مثيرة للغاية قد لا يفكر المرء أن النساء تتحدث فيها. ورغم عدم وجود معرفة سابقة بينهن؛ فالتفاهم والتواصل سريع وأحياناً تنشأ صداقات.

في المقاهي تنعكس العادات والتقاليد لكل بلد، ويبدو واضحاً أثر الحياة الاقتصادية، ويمكن ملاحظة أن المقاهي تتأثر بطبيعة الأعمال التي يزاولها البشر، إن كانت أعمالاً منتظمة فإن الناس لا يذهبون كثيراً إلى المقهى وخصوصاً في الليل، لكن عدد من يعملون في وظائف غير منتظمة يتزايد، هناك من يعمل يوما ويرتاح يوما؛ هكذا تظل المقاهي مليئة بالناس دائماً.

في الماضي كان الطلبة يذهبون كثيراً إلى المقهى، الآن أقل، لأن الجامعة تغيرت، ويجب تخصيص وقت أكبر للمكتبة وللدراسة، لا أعرف إن كان هذا سيئا أم جيدا، فهم من جانب يعملون ويدرسون أكثر ومن جانب آخر يفقد المقهى معناه، ففي الماضي كانت طلبة الكليات المختلفة من طب ولغة وعمارة وتاريخ يلتقون في المقهى هكذا تتطور المدن.

بالنسبة لبرشلونة حدث تطور هام للغاية، وهو الخاص بالميناء، وهو تطور يحدث في كل المدن المتوسطية.

في الماضي كانت البيوت بجانب البحر في حالة سيئة، عرضة للهدم بسرعة، وأيضا كان يتم ممارسة الصيد والرياضة على الشاطئ بجانب وجود المصانع جانب البحر، إلا أن كل هذا تحوّل وأصبح الناس يعيشون بجانب البحر. ماذا حدث إذن لبرشلونة؟ تحولت من مدينة صناعية إلى مدينة كلها مطاعم ومقاهٍ، أصبحت مقهى أوروبا. عطلة نهاية الأسبوع تصبح عيداً ضخماً يشارك فيه بشر من جميع أنحاء أوروبا.

فيأتي ناس من هولندا والدانمارك بحثا عن شيء محدد، ليس عن الدفء والجو الحار كما يعتقد البعض، وإنما عن الضوء. نحن لا نعرف معنى الظلام. عشت في لندن عاماً لم أهتم بالبرد والمطر ولكن ما لم أستطع تحمله هو غياب الضوء اليوم بأكمله ليلا، والمصابيح مضاءة في أثناء النهار.

برشلونة أصبحت مدينة مقهى للأجانب، وليس لنا من الصعب بالنسبة لأهل برشلونة أن نجد مقهانا الآن يوجد، لكن ليس كالماضي.

* برشلونة أو أسبانيا البلد السياحي، لماذا تثار فيه دائمًا مشكلة المهاجرين وعدم شرعيتهم، وبالتحديد المهاجرين المغاربة؟!

حضور الثقافة العربية والثقافات الأخرى عموما، أقوى منه في باقي دول أوربا عن أسبانيا؛ حيث توجد أقل نسبة أجانب في أوروبا، وتصل إلى 2% فقط. والأغلبية من أمريكا اللاتينية، وهم مشابهون لنا، أي أنهم غير مهاجرين تقريبًا. العرب والأفارقة قليلون للغاية، لديهم حضور شخصي وليس ثقافي، قلة العدد هذه ميزة لنا؛ لأننا البلد الأخير في تلقي المهاجرين ولدينا خبرة البلدان الأخرى. وكما يقال، آخر بلد ينشئ مطاراً يمتلك المطار الأفضل. وهكذا قد تصبح أحوال المهاجرين أفضل في أسبانيا.

* لكن رغم قلة عدد العرب في أسبانيا، توجد مشاكل أكبر من البلدان الأخرى!

هذا يرجع لأسباب كثيرة، أولا لأن ظاهرة الهجرة جديدة على أسبانيا، والناس تخاف منها، وأيضاً طريقة الدخول هربا عبر البحر إلى جنوب أسبانيا. بجانب أن أسبانيا بلد شديد التخلف ولديه خوف من كل ما هو مختلف، من أي ديانة أو ثقافة مختلفة.

الهجرة يقوم بها الفقراء غالباً. ويختلطون بفقراء أسبانيا، هذا يعني أنهم يتصادمون مع أقل قطاعات أسبانيا حظاً في الثقافة والعلم. إن جاء مثقفون عرب والتحقوا بالجامعة فسيكون هذا رائعاً، لكن من يأتون هم العمال وهم أيضاً الأقل حظاً في الثقافة والعلم في بلادهم، وعندما يتواجهون مع من يماثلونهم هنا تحدث المشكلة؛ إذ يخاف الأسباني من أن يفقد فرصة عمل وهذا غير حقيقي، ويزداد الأمر سوءا عندما تركز عليهم وسائل الأعلام، ومن الطبيعي أن تحدث بعض المواجهات في البداية، ولكن مع الوقت سيحدث التعايش إن تم تناول الأمر باعتباره ظاهرة إنسانية لها ظروفها الخاصة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم