|
| رشاد أبو شاور |
قال عنك الأديب "عبد الرحمن باغي": "رشاد أبو شاور نافذته المدن منذ ولد"، وأنت ارتحلت بين مدن عديدة في فلسطين، وفي البلدان العربية، وهذا ساعد على بلورة تجربتك، واشتعال الرؤى، وتوهج الرغبة في الكتابة، ووصل الأمر في بعض مراحله للخلط بين الكتابة والنضال، بين القلم والبندقية، وهذا يعني أن بين الأمكنة والتجارب والحالات نتجت ذاكرة مزدحمة بالذكريات والآراء؛ فماذا تقول لنا لو فتحت بعض نوافذ الذاكرة، وأطلعتنا على جوانب مراحل التكوين الوعرة؟
أنا من قرية دكرين قضاء الخليل في فلسطين، ولدت في منتصف حزيران عام 1942، غادرت الخليل مع أهلي إثر نكبة 1948، ثم انتقلنا إلى بيت لحم حيث أقمنا أربعة أعوام فيها في مخيم الدهيشة، وفي مخيم الدهيشة عشت أول المظاهرات والحجارة، كنا نقذف الحجارة على الخيم التي كنا نعيش فيها، لم أكن أعرف الأسباب!..ثم رحلنا إلى أريحا، وفي أريحا تعلمت وقرأت الكتاب الأول في حياتي، وكنت أريد أن أكتب دون أن أعرف ما هي الكتابة بالضبط.
غادرت إلى دمشق مقتفياً خطى والدي الذي لجأ سياسياً عام 1957، وعشت هناك حتى عام 1965. وفي دمشق تعلمت تقريباً كل الأشياء التي -فيما بعد- حددت في إثرها مساري.
في دمشق عرفت الكهرباء، وفي دمشق عرفت السينما، وكنا نشاهد السينما التي كانت تعرضها وكالة الغوث على جدار المدرسة، وفي دمشق شاهدت وتعلمت ما هو المسرح، وكتبت للمسرح وأنا فتى، وأول رواية فكرت في كتابتها كانت عن دير ياسين، لكن لم أكن أعلم كيف تُكتب الرواية، وأول قصة قصيرة رضيت عنها كانت عام 1964 وعنوانها "الليل". وهذه دمشق ... تعلقت بها فعلاً، وما زال لها في قلبي مكان، وعندما أُصاب بالحنين إليها أصبح في حالة من الحزن، والسبب أنني منذ 12 سنة لم أزُرْها.
بيروت يا بيروت
بيروت محطة مهمة جداً وطنياً ونضالياً، أعترف أنني لم أستمتع بها؛ لأنني كنت قلقاً.. طبعاً أنا دخلت "بيروت" من دمشق عام 1982، وكنت في "إجازة"، وكنت أتوقع المعركة في الحقيقة، وشاركت في هذه المعركة، وكتبت عن بيروت تحية ومحبة لها ولأهلها وللصامدين كتابي "آه يا بيروت".
بيروت مدينة ربما أغوتْ أو أغرتْ العدو الإسرائيلي أن يقترب منها، وأن يجتاحها شارون تحديداً والجنرالات اليهود، وفوجئوا بضراوة النضال في بيروت، وبيروت ألحقتْ بهم هزيمة، وأخرجتهم من داخلها بعمليات استشهادية جبارة، فبيروت لها عندي قيمة كبيرة ذات عدة جوانب؛ منها دورها الثقافي والحضاري، ومنها دورها النضالي، ومنها أنها احتضنت المقاومة والثورة الفلسطينية، ومنها أنها أطلقت المقاومة ضد الاحتلال، ومنها أنها تعود الآن معافاة.
تونس الخضراء
|
| إحدى روايات شاور |
المدينة الأخرى تونس التي كنت بها قبل أيام .. جمعني فيها حنين المشرق للمغرب، في عام 1982 مع نهاية معركة بيروت طرح علينا المغادرة - أي الفلسطينيين- من بيروت، وأنا اخترت الرحلة إلى تونس التي كنت قد كتبت على نحو ما متخيلا شيئاً ما شبيهاً بها، ورحلت وخلف ظهري -فلسطين-، ووجهي إلى المنفى، وأكملت رحلتي إلى تونس، وبِتُّ ليلة واحدة وعدت إلى سوريا ظناً مني أننا سنستأنف القتال ضد العدو الصهيوني. ولكن تفجرت الثورة في داخلها، وحدثت أمور لا أريد أن أستفيض في الحديث عنها.
المحطة التونسية استرحنا فيها بضع سنوات فيما بعد، وكتبت أثناءها مجموعة حكايات عن الانتفاضة، وكتبت روايتي "شبابيك زينب" وهي عن الانتفاضة أيضا، وكتبت قصص "الضحك في آخر الليل" وهو ما يعني أنني أنجزت شيئاً لا بأس به أثناء استراحة المحارب.
هذا نوع من الحنين إلى هذه المحطات والمواقع، وعمّان محطة مهمة بالنسبة لي؛ حيث عدت لأستقر فيها بعد "أوسلو" عام 1993. وقلت: هنا أكون على مقربة من فلسطين؛ حيث دخلت فيما بعد إليها -عام 1995- في زيارة، وكتبت كتاب "رائحة التمر حنة"، وأريحا بالنسبة لي هي حبي الأول والأخير.
* قلت: إن كل أديب أو كاتب له رؤيته؛ فكيف رأيت فلسطين في أدبك؟
أنا عدلت تعديلات طفيفة جداً على رؤيتي لقضيتي. لقد رأيت أن الصراع على فلسطين هو صراع "عربي - إسرائيلي"، صراع الأمة كلها ضد إسرائيل. الفلسطينيون يلعبون دورا متقدما؛ دور الخندق الأمامي ودور الطليعة في ميدان المعركة، أما مسؤولية تحرير فلسطين وإلحاق الهزيمة بالمشروع الصهيوني؛ فهي قضية الأمة كلها، وبالمناسبة هذا يريح أنظمة الحكم العربية؛ لأنها مرتبطة وتابعة للأمريكان.
* لماذا انتفاضة الأقصى محاصرة مادياً وعسكرياً؟
لأن الأنظمة تدافع عن نفسها، ولا تريد لرياح الانتفاضة أن تهب. وهي تسترضي الولايات المتحدة التي تريد تجفيف الموارد عن الشعب الفلسطيني المنتفض حتى يجوع ويركع من معدته.
* ما هو موقع الروايات الفلسطينية بالنسبة للروايات العربية؟
هي جزء منها، استفادت من الرواية العربية وتعلمت منها، أستاذنا المعاصر جميعًا "نجيب محفوظ"، نحن جزء من أمتنا، نكتب باللغة العربية، ونعيش بالهَمِّ العربي. وبالمناسبة، الفلسطينيون كتبوا كثيرًا عن مواقع عربية؛ مثلاً "جبرا إبراهيم جبرا" كتب عن بغداد كثيرًا، وغسان كنفاني كتب عن بيروت، وليلى الأطرش كتبت عن الخليج. وكثيرون من زملائنا الذين كتبوا لم يكونوا أسْرى لـ"إنني فلسطيني فيجب أن أكتب عن فلسطين".
* هل أفهم من كلامك أن الرواية الفلسطينية بخير؟
بخير ؟؟!! (ضاحكاً)، لا يوجد شيء بخير في الوطن العربي بالمعنى الحقيقي، لكن مع ذلك أنا أعتبر أن الروائيين بشكل عام "عنيدون". لا يوجد أي مبرر لأن يكتبوا الروايات؛ لأنه لا يوجد مردود مادي، لا يوجد توزيع جيد ومعقول في بلادنا، لا يوجد احترام للكتاب، نحن 200 مليون والرواية توزع 2000 نسخة فقط، ونقرأ عن كاتب إسباني أن روايته يُطبع منها 3 ملايين نسخة، ويتلقى مكافأة كذا مليون عن الطبعة الواحدة. نحن نكتب من جهدنا ومن دمائنا ومن عرقنا، حتى الكاتب الرديء من بيننا هو مخلص للكتابة، ونواياه طيبة، ويدفع من جيبه الخاص فلا يوجد ما يغري … وبالتالي هذا يعني أن الأمور بخير؛ لأنك أنت تقدم تضحية. كان من الممكن أن تذهب وتجلس لا تكتب شيئا فلن يطلب منك أحد. الروائي لن يطلب منه أحد أن يكون روائياً … هو اختار هذه المهنة المعذِّبة المكلفة بلا مردود.
* في حديثك عن بيروت نلاحظ الاهتمام باللقطات الإنسانية في التسلسل الشاعري ورائحة الياسمين، ونلاحظ وصفًا للكثير من المقاتلات في بيروت؛ لماذا اخترت هذه الجوانب؟
أنا اخترت هذا الجانب لأنني لم أكن أرغب في وصف مرحلة عسكرية، بل أردت أن أكتب عن الجوانب الإنسانية التي مكنت الناس في بيروت أن يصمدوا طيلة 79 يومًا من القتال.
ما الذي يدفع الإنسان للذهاب إلى شرفة بيته ويسقي الزهور في الحرب؟ شكل من أشكال المقاومة. أناس يكتبون لك: "انتبه يوجد ماء، وراء هذا الباب توجد حنفية، اشرب ثم أغلق الصنبور بعد أن تنتهي"، هؤلاء رحلوا إلى الجبل، لكنهم يفكرون فيك أنت المقاتل الصامد. أم الشهداء التي تذهب وتبكي على شهيد من الضفة الغربية؛ لأن أهله ليسوا عنده وتنسى أن تبكي على أولادها.
* عندما تكتب، هل تكتب الواقع كما ترى أو كما تحب أن يكون؟
ذات مرة زرت الصين -عام 1972- فقرأت هناك مقولة : "على الكاتب أن لا يكتب عن الواقع كما يراه، وإنما يكتب عن الواقع في عمقه كما يجب أن يكون". بالمناسبة هناك كتاب يكتبون كما يرون الأمور من الخارج مثل "وجه وسيم عليه غبار وأوساخ". هم رأوا وجها قذرا عليه تجاعيد. أنا أرى وراء هذه التجاعيد الأمومة والبنوة والحب والتاريخ والخبرات …إلخ كل كاتب وانفتاحه العقلي والنفسي والروحي.
|