English

 

الأحد. نوفمبر. 18, 2001

ثقافة وفن » لغة وأدب

 

عمر بن الخطاب ومسحراتي فؤاد حداد..!!

منير عتيبة

Image
الزلزال الكبير الذى هزَّ مصر من الأعماق فى النصف الأخير من القرن العشرين هو الهزيمة التى مُنيت بها مصر على غير توقع فى الخامس من يونيو سنة 1967م.. فبينما كان الشعب المصري يعيش أحلام المجد والقوة.. وبينما كان الكثيرون في مصر - وحتى في إسرائيل - يؤمنون أن الجيش المصري يستطيع أن يدخل تل أبيب في ساعات، وأنه سيفعل ذلك في أقرب فرصة، كان الجيش عبارة عن أشلاء مهزومة مبعثرة في صحراء سيناء.

الجندي المصري الذي خدعته قيادته، وغرَّرت به، حائر، محطم، مهزوم من الداخل، أوشك أن يفقد إيمانه بكل شيء حتى نفسه بعد الإهانة التي لحقت به؛ والشعب المصري في حالة ذهول، آخر ما كان يتوقع أن يُهْزم جيشه العظيم في ساعات!!

كان الشعب المصري ينزف دمًا وكرامة، وكان "فؤاد حداد" - شاعر الشعب الذي عاش طول عمره في الأحياء الشعبية وبين الناس الطيِّبين البسطاء - ينزف شعرًا تبكي روحه بالقوافي بعد الحدث الرهيب؛ يبحث "فؤاد حداد" في تراث شعبه.. فيتقابل مع المسحراتي..

"المسحراتي" هو ذلك الرجل الذي لا يظهر إلا في شهر رمضان.. مهمته إيقاظ النائمين في ليل رمضان قبل الفجر؛ ليتناولوا طعام السحور.. التقط فؤاد حداد الفكرة.. الإيقاظ.. بالضبط هذا ما يحتاجه الشعب المصري.. أن يستيقظ.. يستيقظ من أحلامه وأوهامه التي عاش فيها قبل الهزيمة.. ويستيقظ من ذهوله وانكساره الذي أصابه بعدها.

وبين يدي "فؤاد حداد" يتحول المسحراتي إلى رمز.. يقول "د. يسري العزب": "وكانت تجربة المسحراتي التي شكلها "فؤاد حداد"؛ ليستمع إليها العرب كلهم في أكثر من عشرة رمضانات متتالية هي أول مظاهر النجاح الفني على طريقة القرب الوجداني من الجماهير.. ومن خلالها انبثقت الرؤية الواقعية التي نضجت عند "فؤاد حداد"، فاستطاع أن يسقط كل هموم واقعه وطموحاته في تراتيل المسحراتي المتتابعة!!".

ويصف الشاعر "فتحي سعيد" "مسحراتي" حداد قائلاً: "هذا المسحراتي لا يدق طبلته لأنها عادة من عادات رمضان ينبِّه بها النوَّام، وإنما يدقها ليوقظهم من الركود، والاتكالية، ويحفِّزهم إلى استقراء أمجادهم، والسعي لأمجاد أخرى.. ولأن لديه ما يُقال، وهو يعلم تمامًا أي عناء وثمن يدفعها مقابل إصراره على أن يقول كلمته.. إنه مسحراتي من نوع آخر، واعٍ، متفتح، مكتمل الأدوات، له رأي في كثير من القضايا.. والمسحراتي الجديد له رأي في الفن والحياة.. فهو يعتز بتراثه "احفظ تراثك.. تعرف خلاصك!!"..

الرمز والمسحراتي

وإذا كان المسحراتي قد تحوَّل إلى رمز كبير بعد أن مرَّ بعقل، وقلب، وروح، ووجدان فؤاد حداد.. فإن كل ما ينطقه المسحراتي الرمز يصبح رمزًا.. فـ"الفطاطري"، و"العطار"، و"المراجيحي"، و"بائع البليلة"، و"الفلاح"، و"صانع الرقاق" وغيرهم يصبحون رموزًا.. فرغم الألفاظ الواقعية والصور الحياتية البسيطة التي يستخدمها فؤاد حداد في رسم هؤلاء.. فإننا نلاحظ أن بهم شيئًا ما غير واقعي، مفارق، متجاوز.. وكان طبيعيًّا أن يتحدث المسحراتي عن التراث العريق العظيم لأجدادنا.. لا بد أن ينبِّه الناس إلى تاريخهم المجيد؛ لكي يبثَّ فيهم روح العزة والكرامة.. ويُحيي بداخلهم الأمل لكي ينهضوا..

وعمر بن الخطاب (رضي الله عنه) هو الشخصية الوحيدة التي لم يجهد "حداد" نفسه ليحولها إلى رمز.. فعمر هو الرمز الكامل للإنسان والحاكم.. أغرب ما في حياة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه حقيقة تصل إلى درجة الأسطورة.. وكل تفاصيل حياته - كحاكم وكإنسان - قد لا تصدق.. مع أنها مؤكدة تاريخيًّا وليس فيها أدنى شك.. اختار "حداد" من حياة "عمر" الطويلة العريضة العميقة حادثة واحدة:

كان عمر يتفقد أحوال رعيته ليلاً، فوجد امرأة في خيمة حولها صبية يبكون.. وأمامها نار موقدة عليها قدر.. فاقترب عمر من المرأة وسألها عن سبب بكاء الأطفال.. فأخبرته أنهم يبكون من الجوع.. وأن القدر الذي على النار ليس به سوى ماء وحصى حتى يظن الأطفال أن أمهم تطبخ لهم طعامًا فيسكتون حتى يغلبهم الجوع والتعب والنوم..

رقَّ عمر لحال المرأة وأطفالها.. وذهب إلى بيت المال وحمل على كتفه بعض الدقيق وأشياء أخرى لزوم صنع الطعام.. وذهب إلى المرأة وصنع بنفسه لها ولأطفالها الطعام.. وكان ينفخ النار بنفسه حتى امتلأت لحيته بالدخان.. أكل الأطفال حتى شبعوا.. فناموا.. وشكرت المرأة عمر وهي لا تعرف من هو.. وقالت له: أنت أحق بهذا من عمر!! وفي اليوم التالي أحضر عمر المرأة وعرَّفها بنفسه.. وفرض لها ولأطفالها من بيت المال ما يكفل الحياة الكريمة..

نفس الحادثة تناولها "حافظ إبراهيم" في قصيدته عن "عمر بن الخطاب" فقال:

والنارُ تأخذُ منه وهو يُذكيها
منها الدخان وفوهُ غابَ في فيها
حالٍ تَرُوع -لعَمْرُ الله- رائيها
والعينُ من خشيةٍ سالت مآقيها
ومن رآه أمام القِدْر مُنبطحا
وقد تَخَلَّلَ في أثناء لحيته
رأى هناك أمير المؤمنين على
يستقبلُ النار خوف النار في غده

لكن حافظًا لم يَرُم إلى أكثر من تصوير رحمة "عمر" برعيته، وإعطاء الدرس والعبرة بهذا الموقف.. أما فؤاد حداد فهو يذهب إلى ما هو أبعد.. إنه يصوِّر معنى التكافل الاجتماعى في أعمق صوره.. والأهم من ذلك أن الحادثة تتحول إلى رمز كبير.. فالأطفال الذين يبكون ويكادون يموتون جوعًا هم الشعب المصري.. والطعام الذي ينتظرونه هو النصر الذي ينتظره الشعب ليسترد كرامته السليبة.. وعمر بن الخطاب (رضي الله عنه) هو ما يحتاجه الشعب في هذه الفترة من تاريخه - أخلاقيات، ومثاليات، وسلوكيات، وأسلوب عمر في الحياة.. فلحظة الفرحة التي يمنحها عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) للأطفال اليتامى عندما يعود إليهم بالطعام الذي يصنعه بنفسه.. هي هي اللحظة التي كان ينتظرها فؤاد حداد - ويتنبأ بقدومها - ليهبَّ الشعب المصري من موتِه بعد النكسة.. حتى أنه يصف هذه اللحظة بأنها يوم القيامة.. يوم البعث بعد الموت..

قامت قيامة..

من اليتامى

لما ظهر

يقول الدكتور "يسري العزب" عن قصيدة "عمر بن الخطاب" لحداد: "يأخذ من هذه الشخصية التراثية العظيمة أعظم ما فيها ليشكله فنيًّا بطريقة تقربه من الجماهير أكثر مما فعلت كل كتب التواريخ والسير..

الإنسان الأعلى والسوبرمان

وهكذا يتصرف فؤاد حداد في حل إشكالية الدلالة المعاصرة (بما يُسمَّى في النقد بالإسقاط) محملة - بالصدق الفني - على شخصية تعرف الجماهير أياديها العظيمة التي امتدت لليتامى والفقراء، وقلبها الكبير الذي احتوى بحنوه كل الأرض العربية من بدو وحضر، كما أعاد (فؤاد حداد) إلى المتلقى الفقير إنسانيته الضائعة حين ذكَّره ببساطة لغوية شديدة بالتراث العربى لأمتنا التي كانت خير أمة أخرجت للناس، وعلى أبنائها - من ثَم - أن يعيدوا مجدها القديم، بإحياء ما واراه تراب العصر من قيم الأصالة والنخوة والذكاء!!".

فعمر بن الخطاب (رضي الله عنه) هو الإنسان الأعلى - السوبرمان - الذي كان يحلم به الفلاسفة عبر العصور.. فهو ليس ساحرًا مؤيدًا بقوى من الجن.. وليس نبيًّا مؤيدًا بقوى إلهية.. إنه إنسان استطاع أن يرتفع بنفسه إلى الدرجة التي جعلت الرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول عنه: "لو كان بعدي نبي لكان عمر".

وإذا كان عمر (رضي الله عنه) هو النموذج المثالي للإنسان الأعلى.. فإنه من الظلم البيِّن أن نظن أنه الإنسان الأعلى الذي كان يحلم به "نيتشة" مثلاً.. وهو ذلك الإنسان الذي "تسود حياته - الغرائز - أي القوى الحيوية التلقائية لا العقل المجرد".. أو ذلك السوبرمان الذي يحلم به المثاليون والذى لا يعيش واقعه ولا يرتبط به، بل يحيا مع الأفكار المجردة في عوالم ميتافيزيقية.. أو السوبرمان الذي يظنه الماديون ذلك البرجماتي النفعي الذي يقدس مبدأ المنفعة ولا يعيش إلا عليه وبه..

إن كل هذه الأفكار قاصرة.. وإن عذر مثل هؤلاء الفلاسفة أنهم لا يعرفون تاريخنا.. لا يعرفون عمر بن الخطاب (رضي الله عنه).. لكن فؤاد حداد يعرف عمر بن الخطاب ويفهمه ويحبه.. وهاهو يقدمه لنا في قصيدة من أجمل قصائده:

اصحى يا نايم .. وحد الدايم .. وقول نويت

بكره إن حييت .. الشهر صايم .. والفجر قايم

اصحى يا نايم .. وحِّد الرزاق .. رمضان كريم

***

مسحراتي .. منقراتي .. تحت القمر

قريت مسائل .. جاني الخبر .. ومن المدينة

والراشدينا .. فيما غبر .. أصل الحكاية

سمع شكاية .. مد البصر .. شاف الخليفة

أجسام ضعيفة .. زي الصور .. لو لسّه حية

عيونها حافية .. من النظر .. في نار تغلب

وإيدين تقلب .. ميه بحجر .. قالت باسلي

ولادي يا اللي .. تعرف عمر .. ومهما نشهق

لا بد نزهق .. من السهر .. يمكن يغيتهم

نعاس يميتهم .. قبل السحر .. سالت دموعه

وبين ضلوعه .. قلبه انفطر .. قال كل مسلم

جناحه مؤلم .. إذا انكسر .. شوف جسمه مايل

تحت الحمايل .. مد وصبر .. قالت شلت ذنبي

يغفر لي ربي .. لو يغتفر .. قامت قيامة

من اليتامى .. لما ظهر .. أبو المواجع

كأنه راجع .. من السفر .. جاب المؤونة

بإيدين حنونة .. وقال يا مصر .. أنا علىَّ

تخدم أيدي .. بدو وحضر .. ع الأرض دنه

ينفخ ودقنه .. بين الشرر .. الإنسانية

كلمة غنية .. دم وعبر .. أسلافنا هما

شقوا مداها .. فطرة وبداهة .. وخير أمة

نمشي بهداها .. على الأثر .. المشي طاب لي

والدق على طبلي .. ناس كانوا قبلي .. قالوا في الأمثال:

"الرجل تدب مطرح ما تحب" .. وأنا صنعتى مسحراتي في البلد جوال

حبيت ودبيت كما العاشق ليالي طوال .. وكل شبر وحتة من بلدي

حتة من كبدي .. حتة من موَّال: ..

يهديني طول المدى رؤيا الندى والطيف .. وقلبي ينزل على كل القبايل ضيف

يطلع من الحي رحلات الشتا والصيف .. ويشرب الطهر من زمزم براحاته

طابت جراحاته يا ساكن منى والخيف

***

اصحى يا نايم .. وحد الدايم .. السعي للصوم

خير من النوم .. دي ليالي سمحة .. نجومها سبحة

اصحى يا نايم .. يا نايم اصحى .. وحد الرزاق


أديب وروائي مصري.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم