English

 

الأربعاء. مارس. 13, 2002

ثقافة وفن » لغة وأدب

 

خمسة دروس وصورة داخلية للخراب

الملهاة الفلسطينية.. الكتابة بالممحاة

أبو عمر سعادة

Image
طفل الممحاة، جزء من مشروع روائي بعنوان "الملهاة الفلسطينية"، يعمل الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله على إنجازه منذ عام 1985، معتمدا على عدد من الشهادات الشخصية، والمصادر السياسية والتاريخية، والكتب، والمقالات الصحفية، التي عملت على توثيق وتأريخ المرحلة التي سبقت النكبة عام 1948، وما بعدها، مثل: (العروش والجيوش، والمفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل- محمد حسنين هيكل)، و(يوميات الحرب 1947-1948 - ديفيد بن غوريون)، و(فلسطين النكبة الأولى- الدكتور حسان حتحوت)، و(شهادة من الميدان، وثائق عن حرب فلسطين 1949- شكيب الأموي)، و(صحافي من فلسطين يتذكر- كنعان أبو خضرا)، وغيرها، في محاولة لكشف صورة الوهم الكبير، ورسم صورة داخلية لروح تلك الفترة، وما فيها من خراب سكن أوصال ذلك الزمان، ولم تستطع الأمة العربية بعدُ الشفاء منه.

يتكون هذا المشروع من مجموعة روايات لكل منها شخوصها، وأحداثها، وأجواؤها الخاصة والمختلفة عن الرواية الأخرى.. و"طفل الممحاة" واحدة من هذه الروايات، التي يتتبع نصر الله فيها خطوات هذا الطفل بأجواء من السخرية السوداء؛ حيث يتابع معه دروسه الخمسة، وهي: درس الزغب، درس التعب، درس الحسب من غير نسب، درس الرسائل والهوى، درس الرتب، درس الغضب، درس العجايب والعجب.

حديث الظل

تبدأ الرواية بحديث يشبه حديث الظل لشخصه، وهو أسلوب اتبعه نصر الله في العديد من رواياته مثل "مجرد 2 فقط" و"براري الحمى" وأخيرا في "طفل الممحاة" الذي يتلقى أول دروسه "درس الزغب.. درس التعب" على عتبة الحياة التي تبدأ من السطح، حين أدرك الصنو أن ثمة شيئا غريبا حدث في رأس " العريف فؤاد " (بطل الرواية)، فقرر أن يعيد له حياته، متتبعا مسارها منذ اليوم الأول الذي التقاه فيه، انظر جيدا -هذا ما قاله له- حاول العريف فؤاد أن يحدق ما استطاع في الجهة التي حددها له صاحبه، فلم ير شيئا.. هل ترى ما أراه؟ هز العريف فؤاد رأسه، فليس من اللائق ألا يرى شيئا مما يراه صاحبه، وقال: أجل..

لكن هذه الـ"أجل" لم تعنِ أن العريف فؤاد يرى كما يرى ذلك الآخر، السيدة الوالدة، وهي مشغولة بالغسيل، فرحة بذلك الصابون الذي تستعمله لأول مرة في حياتها.. كذلك لم يكن العريف فؤاد متأكدا من أنه ينظر إلى الاتجاه الصحيح الذي ينظر إليه الصنو وهو يقول له: من هنا بدأت حياتك؟ أتعرف ذلك؟ من هنا تماما بدأ اهتمامي بك. فقد كنت تحاول الصعود إلى السطح، حين تعلق بثوبك غصن جاف، وكأنه لا يريدك أن تصعد، وكنت تبعد الغصن بعصبية طفل، لا يستطيع بعد أن يملك موقفا حادا، حتى من غصن جاف.. أكمل الآخر: لو مضينا معا إلى جزء آخر من المنزل لرأينا السيدة الوالدة قد بدأت تتوجس خيفة من عدم ظهورك، فتصرخ: فؤااااااد.. لم تجب أنت.. هل سمعتها؟.. لعل الغرفة ابتلعت بعض صوتها، فتصرخ ثانية: فؤاااااد.. صرختان، لا استجابة لهما، أمر يبعث على القلق دائما.. ها هي تترك لندائها الفرصة كي يبلغ أقصى نقطة يمكنه الوصول إليها..

وفجأة.. ها أنت تهوي من أعلى السطح.. ها أنت تمر أمام عينيها خطفا، ها هي تلمحك، اللحظة أقل من ثانية نعم.. لكنها كافية كي تعرف أم أن ابنها هو الذي يمر خطفا أمام عينيها ويهوي.. ها أنت ترتطم بالأرض.. وبفطنة الغريزة المرتبكة تمضي السيدة الوالدة راكضة إلى ذلك المكان الذي سقطت فيه، حيث ستقف مصعوقة هناك؛ لأنك غير موجود فيه!! هاهي تستدير باحثة عن قشة تتعلق بها، أو إنسان. وحين تركض إلى باب الغرفة التي غادرتها، تجدك أمامها، أنت الذي هويت من أعلى المنزل، ارتطمت بالأرض، ارتفعت قليلا، نهضت.. دون أن تتفقد نفسك.. واستدرت لتمضي في الاتجاه المعاكس الذي كانت تهرول فيه أمك، نظرت إلى وعاء الغسيل فلم ترها تحيط به، واصلت طريقك، لتجدها أمامك تعدو، وتتجاوزك قبل أن تعود، وتلحق بك، وتقفان في النهاية وجها لوجه، وعيناك تلمعان بحيرة ابن الرابعة الذي رأى أمه تحتضنه بلا سبب.

ثنائية السرد.. اكتشافات القارئ

ويمضي نصر الله في سرد بقية الحكاية على لسان الآخر، حكاية العريف فؤاد، فيروي قائلا: لم تكن حكاية أخيك الأكبر أقل هولا من حكايتك يا فؤاد.. فقد ذهب ضحية رصاصة، أطلقها صيادون من جنود الإنجليز أثناء مطاردتهم غزالا شاردا، الغزال هرب منهم فدخل القرية وأنت تقف قرب أخيك، الذي لم تفارق عيناه ذلك الغزال المتجه نحوه، تعبر طلقة من وابل الرصاص صدر أخيك فيهوي.. وفي المساء.. تكون تهمة الاعتداء على الجنود قد أُلصقت بأهل القرية، وسيق بعض رجالها، ومنهم السيد الوالد نفسه، للتحقيق معهم، وسيعودون بعد أيام على هيئة أشباح ممزقة.

هل بإمكانك استعادة المشهد؟ لا.. لقد تلاشى شيئا فشيئا من ذاكرتك، ولم يقم الزمان وحده بهذه المهمة، فقد مد له السيد الوالد والسيدة الوالدة يد العون، حين واجها الحقيقة الدامية بالصمت؛ إذ إن أحدا، لا هما، ولا غيرهما، اعترف بأن ذلك الولد قد مات، لذلك لن يكون غريبا أن تتسلح بوجوده وتمضي بعد سنوات نحو مستقبلك دون اعتراض من أحد.

من صباح جاف سيبدأ عذاب فؤاد ويطول لسنوات، قبل أن تلقي أخته سعدة بسحرها، كي تمحو آثار ذلك الفجر الدامي، ذلك الفجر الذي امتد منذ ذهاب أبيه عبد الله إلى أحد الحقول هربا من الجفاف، وطلبا لأعشاب تأكلها أغنامه الجائعة؛ حيث لم يعرف أن رائحة الماء والأعشاب تهب من بعيد، وتعصف بأعضائها الجافة.. وتقودها لتجتاح حقلا من الذرة الخضراء.. وتضعه في مواجهة رجل وابنه، يعقب ذلك احتدام عراك وليواجه فؤاد تفاصيل صراع لم يدخل إلى حلبته، وسيرحل فؤاد إلى المدينة مع خاله بقرار من الوالدة والوالد، وسيلتحق بالجيش.. حيث هناك سيكون له شأن آخر، وستسحر عينا أخته سعدة قلب ابن الرجل الخصم، ويتزوجها.. بينما فؤاد في المدينة، وفي أذنيه جملة الوالدة: إياك أن تخرج من بزتك العسكرية.. إنها حصنك.. في داخلها أنت موجود وحي، وخارجها أنت ضائع وفريسة سهلة.

وحسب الشاعر الإنجليزي جيرمي ريد، فإن نصر الله نجح في جعل روايته "براري الحمى" الجواب العربي عن النفس المنشطرة؛ أي صورة الصنو، أو "الظل" الذي تحدث عنه يونغ، الماثل في الرواية الأوروبية منذ دوستوفسكي، وحتى "ستيبن وولف" لهرمان هسه؛ حيث يتحقق وجود الحوار الداخلي في شكله النفسي على صورة خطاب بين اثنين، أنا والآخر، أو المرآة وما ينعكس فيها.

وتتميز رواية طفل الممحاة بتوفر هذه الثنائية أيضا؛ فالسرد فيها يأتي على لسان آخر، لا يلجأ نصر الله إلى تعريفه، وإنما يترك للقارئ مهمة اكتشاف هويته من خلال متابعته، وإدراكه لتواجده حد الالتصاق في كل الأحداث ومتعلقاتها بالشخص المروي عنه وله في آن "فؤاد".

درسا الحسب والرتب

درس الحسب من غير نسب، وهو الثاني من دروس طفل الممحاة، يلقنه نصر الله لفؤاد على لسان الآخر أيضا؛ ذلك الآخر الذي يرسم لنا صورة فؤاد عن قرب، فيصفه كشاب وسيم ممشوق، بقامة فارعة وعينين واسعتين لونهما بين الرمادي الفاتح والأزرق السماوي.. حوّله امتشاق قامته وانتصابها إلى لغز في عيني مفرزة الجنود التي التحق بها، من الشاويش عطا والمجند يعقوب إلى السيد قائد الجيش.. في تلك الفترة سيختبر فؤاد المرأة لأول مرة، وسيقع في حب البنادق ونعومة أعقابها، وسيعرف القنابل اليدوية، وسيتعرف إلى الكولونيل غريغوري، وسيؤهله تعليمه وإتقانه الإنجليزية للسير معه جنبا إلى جنب.

على باب سيد البلاد، سيتلقى طفل الممحاة درسه الثالث، درس الرسائل والرتب، حيث فؤاد حارس يقظ هناك، يزين الباب بقامته، ويزداد ارتفاعا بارتفاعه، وحيث الظروف كلها اجتمعت لكي يصل فؤاد إلى ما وصل إليه.. بدءا بذلك الإعجاب الذي راح يبديه كل من يعبر تلك العتبة الواسعة من رئيس الوزراء، الوزراء، كبار الضباط، أعضاء السلك الدبلوماسي، الوفود الشعبية، وانتهاء بذلك التأثير القوي على سيدات المجتمع الراقي لحظة وقوع أبصارهن عليه، حيث يذهلن ويتعثرن وستلجأ الكثيرات منهن إلى دس رسائل الإعجاب والحب في يد فؤاد، هو لن يقرأها، بل سيعمد إلى الاحتفاظ بها في منزله الذي يسكن فيه مع المجند يعقوب.

سنعلم هنا أن الأخير أصبح يعمل مع الاستخبارات؛ حيث ستحدث تغييرات كثيرة خلال عمله معها؛ فالسجون ستمتلئ بطريقة تلفت انتباه الناس وتشعل غضبهم، وسينتقل يعقوب من الإغارة على المتظاهرين ضد قرار التقسيم إلى الاندساس بينهم، واختطاف الهتافين، والانسلال بهم حتى الزنازين. وسيستمر بذلك إلى أن تشك به السلطات بحجة تقاعسه عن تسليم هتيف صغير، سيحاول المسؤولون اختباره، لكنه سيفيق على حقيقة أن المتظاهرين ليسوا سوى أناس يتمنون الذهاب لفلسطين للدفاع عنها، وهو نفسه يعرف أهمية القدس لأبيه وأمه وله ربما، ولأن عليه أن يراوغ المتظاهرين فسيشاركهم هتافهم، ويوما بعد يوم سيجد أن الهتاف يريحه ويغسل صدره.

وتتقلب الأحداث، ويزداد غليان الشارع بسبب ما يحدث في فلسطين، ويعطي سيد البلاد لفؤاد إجازة مفتوحة، ليترك له مجال المشاركة مع القوات الذاهبة إلى هناك، وقبل أن يغادر فؤاد يمنحه سيد البلاد بندقيته الإنجليزية، وهو يقول: قاتل بها بما يليق ببندقية سيد البلاد أن تقاتل.

المقاوم يسلم بندقيته

يبدأ درس الغضب بدخول الحرب برئاسة أسعد بيك، الذي فوجئ بشيخ ضرير كان من المفترض أن يخطب بالجنود فيشد عزيمهتم يقول: أيها الجيش، أيها الجيش، ليتك كنت لنا، وحين استعاض عنه بشيخ آخر، وجد أن طول خطبته أرهق الجنود، وكاد يؤدي بفصائل القوات إلى النوم.

لكن مهمة فؤاد في هذه الحرب كُتب لها النجاح، حين اكتشف والجنود الثلاثة معه سكة الحديد التي توصل إلى فلسطين وقراها، فاتبعوها، ليصلوا إلى أهلها الذين استقبلوهم بالفرح والزغاريد، وفي البعيد كانت المعارك على أشدها، وكان لا بد للثوار والمتطوعين أن ينزلوا للمدينة للتزود بما يحتاجون، لكنهم بدءوا يتوجسون خيفة حين طُلب منهم أن يسلموا أسلحتهم -بعد أيام قليلة من وصول جيش الإنقاذ- لكي يتمكن الجيش من تنظيم كل القوى الموجودة على الأرض، وتم تجريد الثوار من أسلحتهم في كل مكان ظهروا فيه، وفوجئ فؤاد بصوت يعرفه يرفض تسليم البندقية، وحين اقترب اكتشف أن صاحب هذا الصوت هو خاله الذي ظنه شهيدا، كان يصارع الجنود رافضا تسليم بندقيته، حتى أقنعه فؤاد بتسليمها.. واعدا إياه أنه سيعيدها إليه، دون أن يدرك أن مثل هذه الوعود لن يتمكن أبدا من تحقيقها.

خلال انتظاره استعادة سلاحه سيتعرف الخال على بندقية سيد البلاد في يد ابن الغالية، وسيصحو فؤاد ذات مرة ودم رطب يقطر من بندقيته، ومن كتفه دون جرح.. لكنه لن يلاحظ كيف أن الخال بعد ذلك لم يعد يسأله عن الوقت الذي سيعيد إليه فيه بندقيته!!

المذياع والبندقية.. نهايات مفتوحة

المذياع وبندقية سيد البلاد رفيقا فؤاد في معسكره، وفي درسه الأخير درس العجايب والعجب، الذي سيتلقاه أثناء استعداداته لحرب لا يعرف متى ستبدأ؟ وإلى أين ستنتهي؟

في هذا الدرس يلجأ نصر الله إلى أسلوبه المعتاد في الحبكة الروائية ذات النهايات المفتوحة، النهايات المعقدة التي تترك للقارئ حرية الخيال والاستنتاج؛ فتصل الرواية بذلك إلى أكثر من نهاية، جميعها غير تقليدية ولا متوقعة؛ فللحظة سنشهد مقتل فؤاد، وسنراقب طقوس إعلان وفاته، ثم اختفاءه، ثم الالتقاء به حيا مع بندقيته ومذياعه، وكأنه توصل بينه وبين نفسه إلى حقيقة أنه لم يدخل الحرب لكي يموت، بل ليعود منتصرا؛ فما الذي سيقوله لسيد البلاد حين يمثل بين يديه؟ هل سيقول له: "سيدي أرجو المعذرة، لقد مت قبل أن أحقق النصر"؟!!

سيدفن فؤاد قرى من الضحايا، وهو يلوم نفسه؛ لأنه تأخر في الوصول إليها قبل ذبح أبنائها، وسيدمن الاستماع إلى المذياع الذي ينقل إليه أخبارا سارة غير تلك التي يجدها أمامه في الواقع، وسيلتقي بذلك الرجل "جون وليام" أحد قادة طائرات الأمم المتحدة، عطبت طائرته فسقطت ومات زميله "فيليب"، وبقي هو تائها، ليلتقي بفؤاد، ويستمعا معا إلى الأخبار في المذياع التي لم تحمل سوى الاتهامات المتبادلة بإسقاط الطائرة. إن سقوط طائرة واحدة لم يكن كافيا لقصم ظهر آمال فؤاد بالطبع، بل هي الأخبار التي حملتها إذاعة برلين عن سقوط مدينة الرملة واللد وانسحاب جيوش الإنقاذ بلا قتال، وقرب سيطرة قوات العصابات الصهيونية على مدينة القدس.

ورغم الحرص الذي أبداه فؤاد على المذياع طوال الأيام الماضية، فإنه لم يوفق في بحثه المستميت عن خبر يؤكد براءته من تهمة إسقاط طائرة المراقبين الدوليين.

في يوم.. وجد فؤاد الشجاعة الكافية لديه لكي يجلس.. تحسس صدره، ففوجئ بمرآته الصغيرة مهشمة، لكن تلك الورقة السوداء الملصقة بها من الخلف، المدهونة بمادة تشبه القطران، قد منعت فتاتها من السقوط. كانت الأيام قد فعلت بفؤاد الكثير، وأكملت المرآة المهشمة مهمتها دون رحمة.

هل كان فؤاد نائما أم ميتا حين مرت به تلك السرية من جيش الإنقاذ الراحلة شرقا؟ لا ندري.. لكن المؤكد أنها كانت تبحث عن جرعة ماء، مجرد جرعة ماء للتخلص من طعم الهزيمة الرملي في أفواه جنودها، شربوا، ومضوا بفؤاد راحلين، مخلفين الشمس وراءهم.

لا أحد يستطيع أن يعرف كيف عاد فؤاد إلى البيت الذي سكنه سابقا؟ ولا كيف وجد في نفسه القوة لكي ينهض؟ في الطريق إلى قصر سيد البلاد، رأى حشودا من البشر تهتف غاضبة بسقوط كل شيء، وتكيل لفؤاد شتائم لا يمكن لعقله أن يستوعب وجودها، تدخلت مجموعة من قوات مقاومة الشغب، ففسحت طريقا للملازم فؤاد إلى أن وصل إلى باب القصر، فاجأته ابتسامة سيد البلاد، وهو يسأله: كيف كانت البندقية؟ أجابه وهو يعيدها إليه: أفضل البنادق سيدي، الأصوات القادمة من خارج قصر سيد البلاد جعلت السيد يستشيط غضبا، وقبل أن يستدير فؤاد لينصرف، ناوله سيد البلاد بندقيته، واستدارا معا، كل واحد للاتجاه الذي جاء منه، وأمام المرآة الكبيرة هذه المرة تفاجئ فؤاد صورته بهذا العدد من النجوم التي تغطي كتفيه داخل المرآة وخارجها، وللحظة خاطفة غامره إحساس علوي بأنه قد غدا الآن قطعة من سماء.

هكذا يمضي نصر الله بالقارئ إلى نهاية روايته، ويترك أمامه بابها مواربا، قابلا لكل الاحتمالات؛ فها هو فؤاد يعيش سحر اللحظة الأزلية بالإحساس بالكمال أمام المرآة، متفكرا في السبب الذي قد يدفع سيد البلاد لمنح بندقيته الخاصة لواحد من جنوده، في الوقت الذي كان عليه أن يستردها، ومتسائلا: هل كان يقدمها وساما لي؟ ومستدركا: لكن ذلك لم يحدث مع بقية الجنود والضباط، ثم مطمئنا لفكرة لمعت بذهنه واضحة وضوحه في المرآة: لا شك أنه يتركها أمانة بين يدي استعدادا لحروب قادمة.

وهاهو الآخر ما زال يجلس أمامه.. لكن فؤاد لم يعد يراه، أو يسمعه؛ فمن ذاك الذي يمكن أن يرى غيره أو يسمعه، حين تكون أمامه مرآة بهذا الحجم؟.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم