English

 

الثلاثاء. أغسطس. 1, 2006

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الخواطر والمقالات

 
   
روابط من إسلام أون لاين

بالأمس تعلمت الكتابة

Image
في البدء كانت الكلمة... أراها..

لا أدري -على وجه التحديد- أي شيء دفعني لتعلم قراءتها، ولكن لا شك أن الصفحات كانت تستثير فضولي لكي أفك رموزها، وأعرف ماذا تقول، (وهل تقول؟).. تلك الرموز -هل هي رموز؟- التي كانت لا تعني لي شيئًا "في البداية"... ثم.. غدت تعني الكثير بعد ذلك.

في البدء كانت الكلمة... أقرؤها..

لا أدري -كذلك- أي سعادة غامرة اعترتني، وأنا أتجاوز مراحل تعلم "القراءة".. لا أدري إلى أي مدى كانت سهلة، وميسورة علي... أم أنني أحببتها مثلما أحببتها، بروحي، وعقلي، ووجداني...

سعدت كثيرًا بتعلمي القراءة؛ لأنني اليوم أو غدًا سأقرأ أكثر، وسأكون قادرًا على اقتحام عالمها.. بدأت أحفظ ما يعجبني مما أقرؤه. كانت تبدي إعجابًا بذلك.. أحيانًا لم يكن يهمني أن أكتب لها.. فقد كانت تسمع مني...

بعد لأيٍ انتبهت.. البعض يتندرون بي "قرأ.. ولم يكتب"!!.. لن أغدو أضحوكة لهم، تعلمت القراءة، وبوسعي أن أتعلم تلك الأخرى.. ولا شك... "الكتابة".. في البدء حاولت أن أرسم ما أراه مما أقرؤه... لكني قررت أن أتعلم سريعًا..

هي قالت: لا..

أنا قلت -بكل إصرار-: بلى..

في البدء كانت الكلمة... كتبتها..

لم أكن أدري أنني بذلك فتحت بوابة الجحيم، وحدت عن الطريق المستقيم...

لم أكن أدري أن "الكتابة" بعضٌ من العذاب.. أو هي العذاب كله!!..

لم أكن أدري أن الكتابة تنتهك... وتخرق... وتحرق..

ولكنني كتبت... وكتبت...

تخيلت لفترة أنني في غنى عما قرأته.. أنا الآن أكتب.. ذهبت إليها..

"بالأمس تعلمت الكتابة"...

... لا ترد

"اقرئي ما كتبته لكِ"...

فلتقله.. أنا أسمعك!!.

"لقد تعلمت الكتابة بالأمس.. وكتبت لكِ.."

وأنا.. نسيت القراءة..!!

كدت أن أنفجر من غضبٍ أمامها:

ماذا؟؟ نسيتِ؟؟ كيف؟؟

لم أك أعلم أن القراءة مما يُنسى... لم يخبروني بذلك!!

قلت لها: هاك اقرئي ما كتبته..

نسيت القراءة..

"ألف".. "حاء".. ألا تعرفين!!

نسيت القراءة..

هيا انطقي.. ورائي.. معي "ألف"، "حاء"..

نسيت القراءة..!!

تعجبت طويلاً.. انصرفت عنها، لم أكن أعرف كيف أعلمها القراءة من جديد!!

في البدء كانت الكلمة... نسيتها!!

وأي شيء أبتغيه من كلمة إذا كنت لن أقرأها، وإذا كتبتها لن تقرأها..!!

ما جدوى "الكلمة".. إن لم تكتب، ولم تقرأ!!..

لم أك أدري أن الكلمة بلا جدوى...!!!

في البدء.. لم تكن الكلمة!!.. ولن تكون... لن تكون..!!

النقد والتعليق

تقول الأديبة والناقدة/ عزة سلطان:

بالأمس تعلمت الكتابة: عنوان شعري تمامًا ونص لا يقل شاعرية عن العنوان، نحن أمام نص حداثي أو لنقل: ما بعد حداثي، نص يتحرر من عقد السرد التقليدي ويتحرك في فضاءات رحبة مستخدمًا كل تقنيات وأدوات السرد، بل يتعدى ذلك ليستخدم تقنيات الشعر وطرق كتابته أحيانًا فتأتي الجمل في سطور منفصلة، وكأننا أمام نص شعري ينتمي إلى الشعر الحديث مستخدمًا تقنية الحوار كدعامة أساسية للانتقال من السرد إلى الشعر والعكس.

هنا لا يمكن للمتلقي أن يبحث عن لحظة قصصية بعينها؛ إذ إن اللحظة تتوزع ما بين مجازية الشعر وتقريرية القص، فلو حاول المتلقي أن يبحث عن لحظة القص سيجدها بسيطة للغاية ومجازية جدًّا عن شخص تعود القراءة، وهو رمز شفهي لمجتمعنا الذي يتحدث ويتحدث دون سند مكتوب أو ذاكرة مكتوبة؛ هذا الشخص الذي تعود القراءة تعلم الكتابة في لحظة ما، فإذا بشريكه أو شريكته قد نست القراءة وهي التي حرضته كثيرًا على فعل الكتابة، النص مجازى جدًّا يمكن تأويله بوجهات نظر عديدة ربما أسرعها إلى الذهن حال مجتمعاتنا العربية التي ترتع في حالات الشفهية دون توثيق يحفظ لها تاريخها.

وينتهي النص بحالة جلية من الانكسار عندما ينفي الراوي عن الكلمة قيمتها، وهو الذي رأى عبر النص أن تعلمه القراءة والكتابة فتح عليه باب الجحيم، فالقراءة والمعرفة يرهقان حاملهما، ومن ثَم فالكاتب ينتصر في نصه للجهل والعزلة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم