English

 

الخميس. أكتوبر. 12, 2006

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الخواطر والمقالات

 
   
روابط من إسلام أون لاين

هوس التكنولوجيا

Image
لعل الناس تترقى بحصولها على كثير من وسائل التكنولوجيا الحديثة المنتشرة هذه الأيام، والتي تتزايد بتسارع كبير كالنار في الهشيم، وكأنما هي قطعان من الفئران، تتوالد بكثرة فتزداد أعدادها غزارة من كثرة توالدها. وهذا الهرم التكنولوجي المتسارع تتربع على قمته عمليات اقتناء السيارات الحديثة والحواسيب (الكمبيوترات) بكامل تجهيزاتها وكمالياتها، كذلك الهواتف الخلوية (الموبايلات)، حيث إنك ما إن تسمع عن نوع أو (موديل) جديد نزل السوق، حتى تفاجأ بعد فترة وجيزة بحلول نوع جديد ضاربًا بالذي سبقه عرض الحائط، ومُحطمًا أسعاره، على الرغم من حداثته وقصر عمره.

وزاد هذه المعمعة المتسارعة كثرةُ الطلب على كل ما هو حديث، وخصوصا من هذه الهواتف الخلوية، حيث يزداد تهافت الناس -الصغير منهم قبل الكبير والمرأة قبل الرجل- على مثل هذه الموديلات الحديثة على الرغم من فُحش أسعارها، وعلى الرغم من علمهم بسرعة انحطاط هذه الأسعار في القريب العاجل بنزول الأحدث إلى السوق.

وهذا الاستهلاك الكبير غير المدروس وغير الواعي هو المتسبب في ظهور وانتشار هذه الطفرة، والتي لا ندري متى نصل إلى نهاية سعيدة لها. هذا التكالب النهِم على اقتناء مثل هذه الأشياء يجر علينا العديد من المصائب والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والقومية، والتي توقعنا بمطبات الصرف الزائد عن الحاجة بشراء هذه التكنولوجيا المتجددة والتي تؤدي إلى زيادة في الإنفاق، مما يعكس خللاً في الميزانية الخاصة بالأسرة على وجه الخصوص، وبجهة العمل والتي تتطلب سياستها التحديث باستمرار، ما قد ينتج عنه إرهاق ميزانية الدول التي تتسارع فيها وتيرة هذا التكالب ونهم الاقتناء، وهذا بدوره يؤدي إلى إحداث تغيير في نمط الحياة المعيشي لدى أفراد الأسرة أو المؤسسة التي يأكل منها المبلغ المستقطع لأجل هذه التكنولوجيا الحديثة نصيبا ليس بالبسيط من ميزانياتها، مما يؤدي إلى إرهاقها، بدلاً من أن توضع فيما يجب صرفه في نواحي نافعة أخرى. ناهيك عن الاستخدام السيئ لهذه التكنولوجيا، والتي قد تتسبب بما لا تُحمد عقباه، مما قد يؤدي إلى خلل في المجتمع، ويحمله عبئا أكبر مما يحمله. وقد تتسبب أيضًا في انفصال عُرى الأسر وانحلال أخلاق بعض أفرادها، وفضح الكثير مما كان يجب ستره أو عدم الخوض أو المساس به لكونه من المحرمات شرعا أو عُرفا.

وهذا ما قد يتمخض عنه أيضًا خلل في المجتمعات المستهلكة لها، وأعني به الخلل الأمني الذي يصاحب هذا الاستخدام السيئ لها، مما قد ينتج عنه وقف ناتج هذا العائل المواكب لهذه التكنولوجيا، وبالتالي فقدان عنصر منتج في المجتمع، بل ويؤدي إلى إرهاق الدول بالصرف على هذا العنصر العاطل الضار لنفسه وأهله ومجتمعه.

هذا كله بخلاف الوقت الذهبي المُهدَر على ما يضر ولا ينفع. وما ينتج عنه أيضا من مشكلات اقتصادية واجتماعية كبرى جراء ضياع هذا الوقت والذي كان يجب صرفه فيما هو أهل له، كطلب علم أو إنجاز عمل أو تواصل مع أهل ورحم... إلخ.

في نهاية المطاف .. أنا لا أنكر حق التكنولوجيا الحديثة ومقدار أهميتها، وأعلم أن صورتها ليست قاتمة تمامًا، وليست كلها سلبيات -كما أوضحت سابقا لكل ذي عقل حكيم. وأعلم أنها تحمل بين طياتها كل خير وشر. وكل حميد وقبيح، فهي كالسكين ذات حدين، تستطيع أن تقطع بها لحما فتأكله أو تقتل بها جسدًا فتهلكه.

لكني أردت هنا كشف صورة السواد في هذه التكنولوجيا، وما قد يترتب عنها من مآسٍ غائبة عن الأذهان بسبب حلاوة اقتنائها، ويُسر استخدامها، وجمال ما تصوره في عقولنا، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

التعـلـيـق

مقالك يا أخ إبراهيم جيد البناء، مُستوفٍ لمقومات المقال التقليدي، كوجود المقدمة، وعرض الفكرة باستفاضة، ومحاولة سَوْق الأدلة عليها (سأعلق لاحقًا عن هذه النقطة) ثم الخلوص إلى خاتمة للمقال، حاولتَ فيها تبرير هجومك المطول على التكنولوجيا في سائر المقال، كما حاولت "إيهام" القارئ بأنك لست ضد هذه التقنية الحديثة. وُفقت كذلك في اختيار فكرة المقال مما يتصل بواقع المجتمع واهتماماته المعاصرة.

ولكن يا أخي الكريم، لم يكن طرحك لفكرتك مقنعًا؛ لأنك ركزت على الجانب السلبي للتقنية الحديثة حتى لكأنك تقول للقارئ: "احذر ثم احذر ثم احذر هذا الوباء المسمى بالتكنولوجيا، وإياك أن تستخدمه!". كأني بك تقاطعني مستنكرًا: "أنا لم أقل هذا!". أعلم يا أخي، أنت لم تقلهُ صراحةً ولا بطريق مباشر، ولكن سائر مقالك لم يكن لهُ مُفادٌ إلا هذا. لا سيما أنك لم تأتِ بأمثلة عملية تدعم بها نظرياتك العامة في سوء وشرور التقنية الحديثة. كما أنك تتحدث في أمر بات من لوازم حياة البشر، ولا يسعهم الاستغناء عنه بأي شكل من الأشكال، بعدما صار مما يؤثر في حياتهم بشكل بالغ إن لم نقل أصبح "يشكلها" في بعض الأحيان.

مما أضعف فنيات المقال كذلك عدمُ طرحك لحلول أو حتى حل واحد إزاء ما أسهبت في عرضه من ويلات التقنية؛ ولهذا قلت لك إن مفاد المقال: (اتركوا هذه التقنية اللعينة، فإنها مليئة بالأضرار، تفسد البشرية والحياة ولا تصلحها). فإنك لم تقترح أي بديل لتجنُب ما تعترض عليه وتحذر منه.

في أثناء عرضك لفكرتك وقعتَ في طائلة الإسهاب غير المشوق للقارئ، ولعل مما أوقعك في هذا أنك صرتَ تحاول إثبات فكرة بأخرى في سلسلة متوالية، بدلا من إثبات الأفكار بالحجج أو الأمثلة كما أسلفتُ؛ فصار جُلّ المقال نقدًا "سطحيًا" بحتًا، لم يجد لدى القارئ صدى، إن لم يكن -على العكس- قد ترك شعورًا بأنك ضخمتَ الأمر وأعطيته أكبر من حجمه، أو كما يقولون "صنعت من الحبة قُبة" دونما مبرر تقنع به القارئ.

في غمار تلاحق الأفكار بداخلك كررت بكثرة الجمل المستهلة بالأسماء الموصولة (الذي، والتي)، مما أخل بجماليات المقال، حتى إننا اضطررنا لاستبدالها في بعض المواضع، كما تم تصحيح بعض الأخطاء اللغوية اليسيرة قبل النشر. كما لجأتَ إلى استخدام الأقواس بكثرة في مواضع لا تحتمل ولا تتطلب استخدامها، فحذفنا الزائد منها لما تسببه من إرباك بصري وتشتيت لتركيز القارئ.

بخلاف هذا فإنك تملك عقلية منظمة، وأفكارًا ذات صدًى (إن أحسنت عرضها)، ولغة قوية، وقلمًا متماسكًا، قليل الأخطاء اللغوية والإملائية. كل ما ينقصك هو نفَسٌ أصبرُ على الإقناع وسوق البراهين على ما تعرض. وفقك الله، وأثابك خيرًا عما نويته من كتابتك لهذا المقال.

المحرر،،

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم