English

 

الأحد. أبريل. 21, 2002

ثقافة وفن » لغة وأدب

 

إنذار إلى كل عباس

منير عتيبة

Image
ليس هذا جلداً للذات الجمعية؛ فلقد جلدناها حتى أصبحت تستعذب الجلد، وحتى أصبحت لا تتأثر به.

ولكن الواقع العربي الراهن -منذ أكثر من خمسين عاماً، وبالذات على المستويات الرسمية- بما فيه من تخاذل وخذلان، وتفرق وشتات.. يستدعي إلى ذهني بقوة صورة عباس.

وعباس لمن لا يعرفه هو أحد أبطال قصائد الشاعر العراقي "أحمد مطر" صاحب دواوين "لافتات".. عباس شخصية أثيرة لدى أحمد مطر.. أو هو شخصية تفرض نفسها عليه وعلى قصائده كما فرضت نفسها عليّ أنا شخصيًّا.

عباس يا إخواني هو رمز هذا الواقع المؤلم.. واقع الضعف الشديد.. والتخاذل الأشد.. واقع الحياة في الوهم وتجاهل الواقع.. واقع الصورة الخلابة التي لا تخفي وراءها إلا الخراب.. والأصوات "الجعجاعة" التي لا تنتهي إلى شيء.

عباس يا إخواني هو الإنذار الذي يعلقه أحمد مطر على لافتة ضخمة ليقول لنا بأن الكثير من جوانب حياتنا أصبحت مثل عباس الضعيف الواهم الجعجاع.. وليحذرنا حتى لا تصبح بقية حياتنا مثله -إن لم تكن قد أصبحت بالفعل-.

في قصيدة "حكاية عباس" نرى عباس المنتبه الحساس وهو منهمك في صقل سيفه وتلميع شاربه وفي حضنه الدف.. يدخل السارق ويأخذ أرض عباس.. وعباس يصقل سيفه.. يدخل السارق بيت عباس.. وعباس لا يتحرك.. يصقل سيفه.. يقتل السارق أبناء عباس ويراود زوجته عن نفسها.. وعباس جالس يصقل سيفه.. وعندما تلح زوجته يرسل عباس برقية تهديد ويستمر في صقل سيفه انتظاراً لوقت الشدة!!

وفي قصيدة "عباس يستخدم تكنيكاً جديداً" يواصل أحمد مطر الحكاية - المهزلة والمأساة..

لقد وضع عباس الخنجر في مخصرته واستعد للجولة المنتظرة.. حضر اللص ودق الباب ثم كسره.. وسب عباس وسأله عن مكان زوجته.. فأشار عباس إلى غرفتها.. رسم اللص دائرة حول عباس وأنذره ألا يخرج منها.. ومضى إلى الزوجة واغتصبها.. وعباس يهتف: تسقط المؤامرة!.. ويخرج عباس من الدائرة.. يقف بجوارها معتبراً هذا أعظم انتصاراته!!

لنطهر حياتنا من عباس

يعتمد الشاعر أحمد مطر في شعره -عموماً- وفي قصائده عن "عباس" بصفة خاصة على الصورة السينمائية.. فهو يرسم لقطات صورة متتابعة واقعية يمكن لأي مخرج تنفيذها بسهولة.. ولا يلجأ إلى الخيال إلا نادراً.. حينما يشبه عباس بالثور والزوجة بالبقرة وذلك على لسان اللص.. وأحمد مطر يلجأ إلى الصورة المباشرة في شعره السياسي هذا لأنها أكثر قوة وتأثيراً في القارئ أو السامع.. فالشاعر يركز اهتمامه في الفكرة وأقصر وأقوى السبل إلى توصيلها وتأثيرها.. ولا يعطي لتطوير "الشكل" أو "التكنيك" اهتماماً كبيراً.. فهو باعتباره "شاعرا في الخندق" -إذا صح تعبيري هذا- يمثل الاهتمام بالتكنيك بالنسبة له ترفاً ليس هذا وقته:

هل نعيد الكلام ونزيده ونكرره حتى نمله مرة أخرى..؟

هل نواصل الندب واللطم والشجب..؟

هل نواصل جلد الذات الشخصية والجمعية..؟

لا.. لنقرأ ما كتبه أحمد مطر عن عباس.. ولكن هناك قبل القراءة شرطا:

أن نغضب.. أن نطهر حياتنا من كل عباس.. أن نحذر حتى لا نصبح يوماً مثل عباس..!!

تابع معنا:


أديب وروائي مصري.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم