English

 

الأحد. أغسطس. 4, 2002

ثقافة وفن » لغة وأدب

 
   
روابط من إسلام أون لاين

عرب علومك لا تخف!!

Image
نعرب علومنا.. لا نعرب.. قضية قديمة حديثة، يظهر الجدل بشأنها من آن لآخر، ولا يمكن أن تناقش بمعزل عن الأحوال والظروف الثقافية والاجتماعية بل والسياسية، ونعرض هنا لوجهة النظر التي لا ترى مجرد إمكانية في تعريب العلوم بل تراه ضرورة حضارية، وما يُقصد هنا إنما هو تعريب لغة تقديم العلوم علها تكون الخطوة الأولى لإنتاج علم عربي يضعنا في قائمة الدول المنتجة للعلم بدلاً من المستهلكة فقط له.

يقول أ. د عبد الحفاظ حلمي العميد الأسبق لكلية العلوم جامعة عين شمس ورئيس الجمعية المصرية لتعريب العلوم ورئيس اللجنة القومية لتاريخ وفلسفة العلم وعضو عدد من الهيئات والأنشطة العلمية التي لا يتسع المقام لذكرها: تعريب لغة العلوم في الجامعات والمعاهد العليا العربية قضية قومية تنموية بالغة الخطر، وهي في نفس الوقت خدمة للغة العربية نفسها تفجر ما في هذه اللغة العظيمة من طاقات وتظهر ما هو كامن فيها من مزايا وتجدد شبابها في عصر العلم.

اللغة الأجنبية.. لجام اللسان

وتنبع أهمية قضية التعريب من الدور الجوهري الذي يؤديه العلم واللغة معًا، ورغم أن تعريب لغة العلوم مطلب قومي وله دور بارز في تدعيم الوجود العربي فإن الدعوة لسرعة تحقيقه ليس مبعثها ثغرة قومية أو اعتزازًا باللغة العربية فحسب وهي جديرة بها لا ريب، وإنما الدافع ينبع من ضرورة استيعاب العلم عن طريق اللغة الأم وليس عن طريق لغة وسيطة.

فأما عجز الكثرة الغالبة من طلابنا عن دقة الفهم وطلاقة التعبير باللغة الأجنبية، وهذا أمر طبيعي، حيث يعمد الطلاب إلى استظهار ما يلقنون، ونجدهم في مواقف النقاش العلمي ملجمي اللسان محجمين عن السؤال أو الجواب، وهذا فضلاً على أن تلقيهم العلم بلغة أجنبية يضفي هذا الوصف الأجنبي على العلوم نفسها فلا يشعر بها الطالب كشيء ينتمي إليه، ولا يصبح العلم والأسلوب العلمي جزءاً عضويًّا من كيانه الفكري والسلوكي، وهذا يقتل في الطالب الإبداع والابتكار فتكون اللغة الأجنبية قيدًا محددًا لأبعاد دراسته كمًّا وكيفًا وسببًا في ضحالة ما يحصل من علم؛ لأنه لم تتجمع لديه بعد أدوات التحليل والمناقشة والفهم والنقد، ومن تعلم العلم بالعربية يستطيع أن يعلم العربية، ويمارس علمه بالعربية، ولا يجد حاجزًا بينه وبين من يتعامل معهم، وهو ما تفعله أمم أخرى كثيرة أقل شأنًا وعددًا من الأمة العربية.

يضيف أ.د أحمد فؤاد باشا أستاذ الفيزياء ونائب رئيس جامعة القاهرة أن تعريب العلوم ضرورة دينية وحضارية ومعرفية، وهذه الثلاثية هامة جدًّا لأي من الشعوب؛ ولذا فإننا نتحدث عن أمر مجمله مزايا وضرورات، فما أود التأكيد عليه هو الجانب المعرفي.

ثبت أن المعرفة عن طريق اللغة الأم أكثر تشربًا وفهمًا، ولا ينبغي أن تكون عن طريق لغة وسيطة، فنحن أمام طالب نريده أن يفهم ويستوعب؛ ولذا فإن للغة الأم أهميتها للمعلم والمتعلم معًا، فالتواصل بينهما يصبح أيسر، فالمعلم يعطي الأمثلة من بيئة الطالب ويناقشه، وينقل له المفاهيم العلمية بصورة سليمة ترسخ لديه، ويفهمها ويهضمها هضمًا جيدًا يملكه القدرة على المناقشة والنقد والاستفسار والاستزادة من المعرفة بما يستبعد آفة التعليم الكبرى من حفظ وتلقين، وهذا يمهد لإنتاج علم عربي كما كان في قرون طويلة مضت.

التعريب بقرار سياسي!!

ونعود للدكتور/ عبد الحافظ حلمي، حيث يقول: ثمة إجماع على أن تعريب العلوم في التعليم الجامعي في أي بلد عربي لا يتم إلا بقرار سياسي، وبالتالي في المؤتمر السنوي لمجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1994م والذي كان محوره الأساسي التعريب في عدد من المؤتمرات السنوية للجمعية المصرية لتعريب العلوم تقدمت باقتراح محدد يرسم الآلية التي تجعل القرار المأمول قرارًا سياسيًّا وجامعيًّا في الوقت نفسه، على أن يكون من أركان خطة التعريب المقترحة الشروع فورًا ودون توانٍ في تنفيذها مع دفعة جديدة من الطلاب، وبشرط ألا تتجاوز مهلة الاستعداد المبدئي للبدء في التعريب عامين من اتخاذ القرار، وهكذا تؤلف الكتب وتترجم المراجع، ثم تنمو الخطة وتتكامل مع مضي طلاب الدفعة الأولى في التعليم عامًا بعد عام، وينبغي ألا نستسلم للمعوقات ولا ننخدع بالمسوفات.

ويفكر أ.د أحمد فؤاد باشا لا توجد عراقيل تقف ضد التعريب إلا الإرادة الضعيفة، فلو أننا اعتبرناه هدفًا قوميًّا لاستطعنا الإنجاز السريع فهناك علوم معربة بالفعل كالعلوم الهندسية، وهناك آليات كثيرة من شأنه الإسراع في عملية التعريب كأن يترجم الأساتذة في الجامعات بعض الكتب وتعطي الحوافز لمن يعملون في الترجمة أو أن يفرض ترجمة كتاب كشرط للترقية والحصول على درجة أو غيرها، فهناك العديد من الأفكار الممكنة المهم البداية الصحيحة والمواصلة للجهود.

يقول أ.د. عبد الحافظ حلمي: يتحتم علينا الحفاظ على قنوات الاتصال بالعلم العالمي كلها مفتوحة جارية استقبالاً وإرسالاً، ومن ثَم كان لزامًا على الصفوة المختارة للبحث العلمي والدراسات العليا والقيادة العلمية أن تتقن لغة أو أكثر من اللغات الأجنبية عندئذ لا بأس من التفرغ لدراسة اللغات وبذل الجهد المكثف والمال لمواصلة طريق حدد بالفعل، وما أعنيه أن تعليم العلم فرض عين، ولكن تعليم اللغة فرض كفاية.

ويبدو أننا نخلط خلطًا بين تعليم العلم بلغة أجنبية، وتعليم لغة أجنبية فحين تقول إن فهم العلوم بلغة أجنبية مسألة صعبة يقال أحيانًا إن الحل البديل والأمثل للمشكلة كلها هو رفع مستوى الطلاب في اللغة الأجنبية، ولكن محاولاتنا المتكررة والمتباينة الوسائل لتحقيق هذا الهدف في كلياتنا العلمية والعملية لم تثمر وذهبت سدى، فيقال إن إتقان اللغة لا بد أن يعالج في التعليم العام، وهذا الحل غير علمي وغير صائب أيضًا، فإتقان القاعدة العريضة لطلاب التعليم العام لغة أجنبية يتطلب الاهتمام بهما منذ الطفولة المبكرة وهذا أمر غير مستطاع، وحتى إن كان مستطاعًا فله مضاره النفسية والتربوية، وكذلك له مضار قومية وخسائر في الجهد والمال، فما جدوى تعليم أبناء أمة بكاملها لغة أجنبية لن تستفيد الكثرة الغالبة منهم منها بشيء، فضلاً عن إضاعة الوقت الأساس اللازم لتشكيل مواطن.

عبور النكسة اللغوية

ويواصل أ.د. عبد الحافظ حلمي حديثه قائلاً: إن التعليم ظلَّ معربًا في مصر ستين عامًا مجيدًا، حتى فرض الإنجليز تعليم الطب باللغة الإنجليزية سنة 1887م، وقبل هذه النكسة كان اليابانيون يرسلون لمصر البعثات ليتعرفوا الوسائل التي اتبعتها في نهضتها الحديثة الرائدة، ولا شك أن لغة التعليم قامت بدور كبير في هذه النهضة.

وتوحيد لغة العلم والحضارة في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية كان له أثر كبير وبعيد المدى، فقد أزال الحواجز بين لغة العلماء ولغة عامة الشعب، فأصبحت مفاهيم العلم ونتائجه ومبتكراته متاحة للجماهير ميسرة للثقافة والتطبيق، وهكذا لم يصبح العلم عالميًّا فحسب، بل أصبح جماهيريًّا وشعبيًّا أيضًا، وهذه نقلة حضارية لم يسبق في التاريخ لها مثيل.

وهو ما يشهد به الأستاذ رسل من معهد ولكوم لتاريخ الطب بلندن في مرجع حديثه عن تاريخ العلم حيث يقول عن العربية: ... بيد أن طبيعة هذه اللغة نفسها هي التي قامت بالدور الحاسم، فمرونتها الرائعة التي مكَّنت المترجمين، ثم المشتغلين بالعلم الأصيل بعدهم من مسك مفردات محددة دقيقة للمصطلحات العلمية والتكنولوجية أو ابتكارها، وهكذا أصبحت لغة شعرية.. لغة عالمية للعلم والحضارة"، وهذه –كما يقولون- شهادة شاهد من أهلها تفند من يرون أن العربية لا تصلح لغة للعلم.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم