|
ظل الراديو حتى الخمسينيات أكثر أجهزة الاتصال شهرة، ومنذ منتصف الخمسينيات، وخاصة في أثناء الستينيات حَلَّ التليفزيون مكان الراديو. في البداية، كان التليفزيون - كوسيلة - مختلفًا اختلافًا بسيطًا عن الفيلم السينمائي، وبالرغم من كون التليفزيون مستهلكًا جائعًا دائمًا للأفلام السينمائية، إلا أن نوع الإنتاج لهذه الأفلام التليفزيونية مسألة مختلفة لاختلاف الوسيلة.
ثلاث إختلافات
إن الفوارق بين الفيلم السينمائي والتليفزيون - كأنواع من الفنون - تنشأ من الظروف المادية والتمويلية التي تحكم الإنتاج، التوزيع، والعرض، بالإضافة إلى إن العلاقات بين وسيلة الإعلام وجماهيرها كانت أيضًا مختلفة.
الاختلاف الأساسي والأول يكمن في الكاميرات واستخدامها في الإنتاج، فالكاميرا في الفيلم السينمائي تختلف عن الكاميرا في التليفزيون، هذا الاختلاف الجوهري ينبع من كون الكاميرات السينمائية تحتاج لشريط من مادة السوليولويد مثبت عليه مسحوق من نترات الفضة وهو تمامًا نفس الشريط المستخدم في كاميرات التصوير الفوتوغرافي، أما كاميرات التليفزيون فتحتاج لشريط مغناطيسي - تمامًا مثل شريط الفيديو - عليه مسارات لتسجيل الصوت وأخرى للصورة.
إن كاميرا الفيلم السينمائي مرتبطة بسلسلة طويلة من التصوير الفوتوغرافي، القطع، التحسين ،وهي عمليات تحتاج شهورًا طويلة من العمل، وبالرغم من أن صور التليفزيون يمكن أن تُخَزَّن وتحفظ من خلال شريط الفيديو، إلا أن شكل التليفزيون أساسًا يعتمد على النقل السريع للجمهور، فهو ينقل الأخبار وحصاد اليوم والتعليقات والمناقشات في التَّوِّ واللحظة.
إن الفن الحقيقي في التليفزيون هو السيطرة على التدفق والتوالي السريع للصور، ومن الممكن أن يتم اختيارها في وقت مبكر قبل وضع الكاميرا لالتقاطها، وبعد ذلك يكون المخرج ملزمًا بالاختيار من ضمن الصور التي تُعطى له، ويستخدم المخرج في ذلك مهاراته للحفاظ على التدفق السريع والمؤثر للصور من الجهات المرئية المتعددة التي تمثلها كاميرته وعدساتها.
أما في الفيلم السينمائي، ينتهج المخرج عملية متباينة تمامًا من القص وتسجيل الحركة، وفي النهاية يصل إلى نفس النتيجة، حيث يتم عمل مجموعة من الصور التي يمكن وضعها بجانب بعضها بعضًا.
وقد حاول المخرجون والكتاب الذي يعملون بالراديو في البداية تحويل صورة التليفزيون إلى مجرد "صندوق متكلم" مضافًا إليه صور وقتية وقصاصات فيلمية من وسائل إعلامية أخرى، وقد تواجدت هذه الحالة بالذات في الدول التي تفتقر مبدئيًّا إلى التمويلات الكافية؛ لسد مصاريف هذه الوسيلة الإعلامية (مثل فرنسا).
وعلى الناحية الأخرى، أصيب المشتغلون بصناعة الأفلام السينمائية بالذعر الشديد نظرًا إلى السرعة الشديدة التي كانوا مطالبين باستخدامها في إنتاج البرامج التليفزيونية ، عكس ما تعودوا عليه من تأن وتركيز حال العمل في السينما.
والاختلاف الثاني بين التليفزيون والسينما هو من حيث الجمهور ، فجمهور التليفزيون يختلف اختلافًا جذريًّا عن جمهور السينما، فالأخير بطبيعته جمهور خاص، وهو يشبه أكثر جمهور المسرح الذي يجتمع من أجل مشاهدة عرض معين، أما التليفزيون فهو أشبه إلى عرض خاص جدًّا يعرض في داخل البيت، فطبيعة الإنسان الجالس في بيته وحيدًا - في كثير من الأحيان - يختلف عمَّن هو جالس وسط "مسرح" كبير. إن المتفرج الذي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة صغيرة - والتي يتم بثها في وسط الإحاطات المعتادة بغرفة معيشته - يختلف عن المتفرج الذي يترك بيته ليذهب إلى دور السينما ليشارك جمهورًا خاصًّا، جمهورًا "مسرحيًّا" أو سينمائياً.
بالإضافة إلى أن العلاقة بين المتفرج وبين جهاز التليفزيون تتسم بعدم الاستقرار؛ فالتركيز كثيرًا ما ينقطع من خلال مقاطعات غير مناسبة، بينما تتسم شاشة السينما بجاذبيتها الشديدة لدى المتفرج؛ بمعنى آخر، إن شاشة السينما لديها قدرة عجيبة على "امتصاص" المتفرج وعزله عن أي شخص أو مؤثر آخر. باختصار، إن التليفزيون ليس إلا "مجلة" ناطقة بالصوت والصورة، تستمر في البث ليلاً ونهارًا. تقدم الأخبار السريعة الخفيفة والمعلومات السهلة البسيطة.
والاختلاف الثالث هو من حيث التأثير، يختلف التليفزيون عن الفيلم فيما يتعلق بالتأثير المرئي، فعند مشاهدة فيلم بدور السينما، يتأثر المتفرج تأثرًا عنيفًا بالصورة المرئية المُكَبَّرة والتي تملأ قاعة العرض التي يتم تظليمها. إن الصورة المرئية في الفيلم السينمائي تثير حب الاستطلاع والفضول لدى المتفرج بعكس ما تثيره صورة التليفزيون، فشاشة التليفزيون المعتادة والتي تتواجد في مكان صغير - كغرفة المعيشة - لا تثير أي فضول عند المتفرج. كذلك، فإن الإضاءة المعتادة للبيت ليس لها أثر بالمرة علي تركيز المتفرج وتأثره بما هو معروض، بل تساعد أحياناً علي تشتيت انتباهه وعدم التركيز ، بعكس حالة الإظلام في دار السينما .
بالإضافة إلى ذلك، إن المتفرج المحترف للأفلام السينمائية يلقي بالاً إلى أدق التفاصيل الموجودة في الفيلم، ويتفحصها بشدة، أما في التليفزيون فإن المتفرج يكون مقيدًا بقيود الشاشة الصغيرة من سرعة تتابع الصور إلي الطريقة الإخبارية والعمومية في تناول القضايا وعرض المادة الفيلمية المصورة مما يجعل التلفزيون مجرد وجبة سريعة غير تأملية بل فقط إخبارية عابرة.
|