|
لا شك أن مجتمعات كثيرة قد تجاوزت هذا السؤال منذ أجيال، لكن كثيرًا من المجتمعات العربية والإسلامية لا زالت تعيش فيه، كما أن كثيرًا من الحكومات لا زالت تتناقش حوله بأفواه مفتوحة وآذان مغلقة.وتقرير" لجنة حماية الصحفيين الدولية "الصادر الأسبوع الماضي، يشير في وضوح إلي أن استخدام آليات الرقابة والحد من حرية التعبير وتداول المعلومات قد أدى إلى إضعاف القدرة التنافسية للإعلام الوطني، وإضعاف ثقة المواطن فيه، وبالتالي لجأ إلى الإعلام الأجنبي للحصول على معلومة تخصه وتخص بلده، وهنا مكمن الخطر من زاوية الأمن القومي؛ لأن ذلك كفيل بفتح الباب واسعًا أمام التغلغل الثقافي، وذوبان الهوية الوطنية والاعتزاز بالقيم الحضارية والذاتية، وكلها مكونات ما ابتدع مفهوم الأمن القومي إلا للحفاظ عليها، ناهيك عن تسريب أخبار معينة وفق رؤية معينة قد تتفق أو تختلف مع المصالح العليا للدولة.
ومن ناحية أخرى فإن وضع قيود على حرية التعبير وشفافية المعلومات يحد من قدرة الأفراد على التعامل مع المعلومات وتفسيرها وتنقيتها والتمييز بينها؛ ومن ثم الاستفادة منها. وهذا يخلق مجتمعًا "عاجزًا معلوماتيًا" سهل التعرض للصدمات، سهل التحكم في مزاجه العام ورغباته وتشكيل أولوياته، وهي أمور كانت الأنظمة الشمولية تضيق على الشعوب من أجلها، فانقلب السحر على الساحر، ونفذ الماء خلال القبضات المحكمة، وصارت الدول الكبرى ذات المصالح والطغيان الاتصالي المعلوماتي هي الممسكة بخيوط اللعبة، متخطية سلطة النظم الحاكمة وسيادة الدول.
ويبدو أن كثيرًا من الأنظمة لا زالت تراهن على مجتمع الصفوة، التي لا ضرر أن تكون مطلعة على المعلومات المحظورة على الرعاع، على اعتبار أن هذه الصفوة قليلة العدد، تؤثر السلامة ما دامت لا تعاني، وهذا رهان خاسر على المدى القريب لأن التوسع الطاغي في وسائل الاتصال قد جعلها وسيجعلها في متناول الجميع بكل اللغات.
وعلى الضفة الأخرى من النهر، فإن تداول المعلومات وشفافيتها خليق بأن يعضد الأمن القومي حيث تعتمد قراراته على قدر كافٍ من المعلومات الصحيحة المتوفرة في الوقت المناسب، كما أن ثورة الاتصالات تتيح الفرصة للفرد في المجتمعات غير المتقدمة نسبيا لتطوير نفسه وتنمية مواهبه وقدراته الذاتية، وتتيح الفرصة لتلك المجتمعات كي تنتقل من دور المتلقي إلى دور المشارك في تداول المعلومة، وكي تنشر ثقافتها الذاتية، بشرط أن تكون هذه المجتمعات نفسها مدركة للجوانب المشرقة في ثقافتها محبة لها وغير ناقمة عليها.
وإذا كان "الاقتصاد القومي" أحد ركائز "الأمن القومي"، فمن البد هي أن رأس المال لا يتوجه إلا إلى المجتمعات المستقرة ذات الشفافية في تداول المعلومات. وكثير من النظم التي تحرم مواطنيها من الحصول على المعلومات كاملة بيسر وشفافية تضطر إلى تقديم هذه المعلومات إلى المستثمر الأجنبي، وهنا يثور تساؤل: هل من الأمن القومي أن يعرف الأجانب عن بلد ما أكثر مما يعرف مواطنوه عنه؟! وكيف يعقل أن تكون التسهيلات الممنوحة للمستثمر الأجنبي للحصول على المعلومة أكثر من الممنوحة للمواطن، صحفيا كان أو باحثا أو حتى مواطنًا عاديًا؟
|
وفي ورقة لـ د.سعد أبو عامود الأستاذ بجامعة القاهرة حول "جدوى الرقابة على تداول المعلومات في عصر الاتصالات" جاء ما نصه: "التساؤل الآن الذي يجب أن يعيه القائمون على النظم السياسية هو: كيف يستطيع الإعلام الوطني أن ينقل إلى المواطن العادي المعلومات السياسية بكفاءة وجودة أعلى من وسائل الإعلام الخارجية؛ بحيث يستطيع الوصول إلى الرأي السياسي الملائم بصدد المسائل السياسية المتعلقة بمجتمعه، خاصة وأن تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصال لا يعني أن عملية نقل المعلومات وتداولها تتم بحيدة وموضوعية في ظل الأوضاع الدولية القائمة، والتي تقوم على احتكار واضح لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات من جانب دول الشمال المتقدمة، إضافة لتحكمها الواضح في نطاق النشاط الاقتصادي العالمي، ومحاولة فرض إطار محدد لكافة جوانب النشاط الاقتصادي على دول العالم".
وفي موضع آخر من الورقة يتحدث فيه عن شكل العلاقة التي يجب أن تكون بين السلطة والمواطنين في ظل ثورة المعلومات: "والواقع أن هذا يفرض على السلطة السياسية خاصة في الدول النامية الاعتراف أولا بأهلية مواطنيها لاتخاذ القرارات التي تدخل في صميم أمورهم، والتخلي ثانيا عن بعض الممارسات السياسية التقليدية التي لم تعد تجدي؛ وذلك بأن تتجه إلى إقناع المواطنين بما تريد اتخاذه من سياسات وقرارات، وإشراكهم في العملية السياسية، وذلك كبديل عن الإرشاد والتوجيه والتبرير، ومن مقتضيات الإقناع عرض الرأي ومناقشة الرأي الآخر".
وأخيرًا لا نظن أن ثمة مجالاً للرقابة في عصر الفضائيات فزمن المجاملات الإعلامية بين إعلام الدول قد ولى وما يتورع صديق عن ذكره يذكره منافس. ويبدو أن نبوءة فرانسيس فوكوياما في كتابه الأشهر "نهاية التاريخ" سوف تصدق إذ أشار إلى أن هناك أربعة تأثيرات واضحة لثورة المعلومات، وتكنولوجيا الاتصالات على الحياة الإنسانية في العالم كله وهي: إضعاف النظم الحاكمة المتسلطة وبالتالي الإسراع في عملية التطور الديمقراطي في العالم كله، وتآكل السيادة القومية، وإضعاف السلطة المركزية في كل مكان، وتغير مفهوم القوة وطريقة ممارستها وأثرها، ثم تفتيت المنظمات القوية إلى وحدات صغيرة
|