|
مئات من سكان" الأَيْخِيدو - ألمَرِيَّة " يعتدون على المهاجرين المغاربة ويحطَّمون ويحرقون ممتلكاتهم، إنها أسوأ موجة اعتداءات على المهاجرين تشهدها أسبانيا في تاريخها (صحيفة الموندو7/2/2000م ) سكان" الأَيْخِيدو" في ألمَرِيَّة مازالوا يقطعون الطرق الرئيسية المؤدية إلى الناحية وتنادوا لتمشيط المنطقة والخروج لاصطياد " المورو" صحيفة الـa.b.c (7/2/2000): ناحية "الأَيْخِيدو" في ألمَرِيَّة ماتزال تحت تأثير زوبعة العنف التي تفجرت البارحة بسبب الحقد العنصري والديني.
عشرون جريحًا بينهم نائب حاكم المنطقة الذي أصيب في اعتداء وحشي.. ووزارة الداخلية وقوات أمنها صامتة تُعَاين.
جنازة الشابة الأسبانية التي قُتِلَت السبت - طعنًا بالسكين - على يد فتى مغربي مختلّ نفسيًّا فجرت الغضب الشعبي العارم في ألمَرِيَّة، وأُخِذ البريء بجريمة المذنب.
ضرب.. واعتداء.. وحرائق.. ومحاولات لاقتحام المحلات التجارية والمنازل.. كل ذلك مقابل التحرك المتأخر والسلبي لرجال الشرطة ورد الفعل شبه الصامت من قِبَل الحكومة.
صحيفة البانغوارديا الكاتالانية ( 7 - 2 - 2000م): وباء العنصرية القذر ينتشر بعنف.. ألمَرِيَّة بالغة الأهمية من حيث نشاطاتها الزراعية، و يقطنها عشرون ألف مهاجر يعملون في جَنْي المحاصيل.
نائب حاكم المنطقة تَعَرَّض للاعتداء بالضرب المبرِّح؛ وذلك لأن الأهالي قالوا عنه: "إنه الرجل الذي يوقع على تصاريح العمل لهؤلاء الموروس".
كانت هذه - وبالترجمة الحرفية - افتتاحيات أهم الصحف الرئيسية في أسبانيا يوم الإثنين( 7 - 2 - 2000م)، وقد عكست وضعًا شاذًّا وغريبًا وحربًا شُنَّت على المهاجرين العرب المقيمين في منطقة ألمَرِيَّة جنوبي شرق أسبانيا، على إثر تلك الجريمة البشعة التي جاءت لتكون القشة التي قصمت ظهر البعير، بعد سلسلة من حوادث العنف والجرائم المتبادلة بين السكان والجالية المغربية في ناحية "ألمَرِيَّة" التابعة لمقاطعة "الأندلس الجنوبي"، وقد انتقلت ألمَرِيَّة خلال خمسة عشر عامًا من كونها أفقر منطقة إلى كونها المنطقة التي تتمتع بأعلى نسبة من الدخل الفردي في أسبانيا، وأكبر عدد من الفروع المصرفية عرفته البلاد في الكيلومتر المربع الواحد.
ولا يختلف اثنان أن هذه النقلة الاقتصادية الهائلة تدين بشكل رئيسي لليد المغربية العاملة المتوافدة نحو الجنة الأندلسية في ألمَرِيَّة، والتي نجح أصحاب رؤوس الأموال فيها بتحقيق نمو اقتصادي معجز، مستفيدين إلى أبعد الحدود من الظروف بالغة السوء التي يعمل ويعيش فيها هؤلاء بأجور لا تصل إلى سُدس أو عُشر ما يتقاضاه العامل الأسباني، ودون أية حقوق قانونية أو مدنية.
ألسنة اللهيب بلغت عشرات الأمتار في سماء "الأَيْخِيدو"، كما بلغت كل خلية في أعماق القلوب، المتاريس منصوبة على الطرق الرئيسية من وإلى "ألمَرِيَّة"، سبعة آلاف من سكان ألمَرِيَّة موزعون في مجموعات مسلحة بالمعاول والأسلحة البيضاء يلاحقون عشرة آلاف مغربي يقيمون في "الأَيْخِيدو" وضواحيها، يرشقون بيوتهم بقذائف المولوتوف، يحطمون محالهم التجارية، يصطادونهم في الشوارع والمزارع، يدفعونهم للفرار نحو البحر الذي جاءوا منه.. فهؤلاء كانوا قد عَبَروا مياهه في زوارق الهجرة من أقدارهم في الجهل والفقر واليأس، نحو أقدارهم في الذل والضياع والخوف..
الجالية المغربية والعربية المقيمة في ألمَرِيَّة، محاصرة في البيوت، الأطفال يبكون دون خبز أو حليب، ثلاثة أيام بلياليها من الخوف والجوع، الأطفال يرتجفون خوفًا، الأمهات تبكي وتبحث في خزائن المؤن عن دقيق تصنع منه شيئًا يُسَكِّن رُوع الأولاد، الرجال لا يحيرون جوابًا.
بعض هؤلاء يعيش في ألمَرِيَّة منذ عشرين عامًا، آخرون يحملون الجنسية الأسبانية التي لم يفيدوا منها شيئًا في ساعة المحنة، الأولاد معظمهم قد ولدوا هنا ولا يعرفون وطنًا آخر!!.. رجال الأمن والشرطة يقفون هناك يشاهدون دون أن يحركوا ساكنًا، وزير الداخلية قال: " لو أن قوى الأمن كانت قد تدخلت لاشتعلت نيران أشد لهيبًا".. وقطعًا فإن المقصود بذلك سقوط حزبه في الانتخابات التي كان من المزمع إجراؤها بعد شهر من تاريخ وقوع تلك الاضطرابات!.. ولعلَّ وزير الداخلية وحزبه المحافظ كانوا أشد ذكاء من الأحزاب اليسارية الأسبانية التي رفعت شعار نصرة المهاجرين في" الأَيْخِيدو ".. إذ استطاع حزب الشعب أن يلتقط فورة الغضب الشعبي الأسباني وامتداد موجة الكراهية نحو المغاربة، فركب الموجة، ووقف مكتوف اليدين أمام أخطر انتهاك لحقوق الإنسان تشهده أسبانيا منذ استقرار عهد الديمقراطية فيها قبل اثنين وعشرين عامًا.. بل لعل وزير الداخلية الأسباني وحكومته أرادا من خلال ذلك الموقف المخجل أن يتحدثا باسم الشعب الأسباني، وتوجيه رسالة واضحة رنَّانة إلى الشعب المغربي وحكومته لكي يوقف آماله في عبور المضيق، ويدفن أحلامه في دخول الجنة الأوروبية التي تتكشف مع الأيام عن جحيم لا يطاق!!، الشيء الذي صادف ارتياحًا منقطع النظير من قبل الشعب الأسباني الذي كافأ حكومته بإعادة انتخابها وبأغلبية ساحقة.
لقد كانت قوى الأمن الأسبانية واقفة هناك تشاهد المذبحة ولم تفعل شيئًا، ولا حتى لإنقاذ أولئك الذين يحملون جوازات سفر أسبانية، أو تلكم السيدات اللاتي كن قد تزوجن من مهاجرين عرب !!.. فلَوْن بَشْرَتِك، وتجَعُّدِ شعرك، وتهدل كتفيك، ودينك وحجاب زوجتك أمضى وأقوى من جواز السفر الأسباني الذي تحمله، أو من بطاقة الإقامة القانونية التي تجعلك - وبنص الدستور- متمتعًا بكل حقوق المواطنة في دولة الحق والقانون والمؤسسات، بل إن صفاتك العرقية أو دينك لَهِيَ أمضى وأشد تأثيرًا في نفوس الناس وقناعاتهم من قواعد اللعبة الديمقراطية، وحرمة وقداسة الدستور في بلاد تقيم الدنيا وتقعدها كلما اعتدي - من وجهة نظرها الخاصة - على حقوق نملة خارج حدودها!!.
"إذاعة الكويت" كانت الإذاعة العربية الوحيدة التي غَطَّت الحدث في حينه وخلال الثمانية والأربعين ساعة الأولى لحدوثه تلتها ال b.b.c اللندنية، وبعدهما "قناة الجزيرة" القطرية في استجابة سريعة لطلب تقدم به بعض أبناء الجالية العربية في أسبانيا اشتكوا فيه للسيد عبدالله الطاهر- المسؤول في القناة - من التعتيم الإعلامي المذهل الذي عولجت به حوادث " الأَيْخِيدو"، حتى إن أجهزة إعلام المملكة المغربية - المعنية جاليتها بصورة أساسية في الأحداث - لم تَدْخُل دائرة الخبر حتى ما بعد مرور الثلاثين ساعة الأولى على التهاب الشارع في ألمَرِيَّة بالحقد والعدوان وشهوة الانتقام.. فوسائل إعلامنا في مجملها مشغولة بتكريس الإحباط عن طريق عرض مسلسلات قضايانا المصيرية، ساعة بساعة ولحظة بلحظة - وكأننا مازلنا في عشية الخامس من يونيو - وبطريقة تُجْهِض اهتمام الناس بهذه القضايا، من خلال سياساتها بالغة الفشل في عرض مصائب العالم العربي والإسلامي على جمهورها المقعد أمام شاشات التلفزة يقتات الاكتئاب ويلوك آخر أخبار القضية!... وسائل إعلامنا مشغولة بكل القضايا والأخبار والسخافات، ولكن - وفقط - من وجهة نظر ما توزعه وكالات الأنباء العالمية، فالخبر المهم في إعلامنا هو الخبر الذي تعتبره ال c.n.n مهمًّا وخطيرًا وملحًّا!!. والصورة التي يجب أن تُعرض علينا هي تلك التي تختارها لناeuronews والرويتر والفرانسبرس!!!!!!.
عشرون ألف عربي كانوا يمتحنون في ألمَرِيَّة في قدرتهم على الصبر، وازْدِرَاد الذل والقهر، وسبعمائة ألف آخرون، كان يَغَصّ - من امتلك منهم قلبًا أو ألقى السمع وهو شهيد - بالألم والعجز المرير، وصمت أجهزة أعلام بلادهم المطبق أو ترديدها بشكل يدعو الى الغثيان، ما توزعه وكالات الأنباء عن قضية " النمسا" - مثلاً - وقد تجاوزت هذه الوكالات كل ما تثيره التساؤلات حول سلوكيات اليمين المتطرف في أوروبا، اللهم إلا ما تعلق باليهود، وأمن اليهود ، وآلام اليهود!.
أما آلام وهموم ومخاوف ومستقبل العرب والمسلمين في أوروبا فلا يكاد يهم أحدًا من أجهزة إعلامنا ولا من المسؤولين عن بلادنا، ومَنْ هذا الذي يهمه اليوم أن يبحث عن حقيقة أوضاع هؤلاء؟! في زمن الذهول العربي والذل العربي والوجوم العربي أمام تهديدات العدو الأخطبوطي الإسرائيلي الذي بات يسد علينا منافذ التنفس والأمل والعمل والمستقبل.. وحتى منافذ التاريخ، بل وقام يهدد بحرق قطر من أقطارنا - لبنان - وقد أفسحت له فضائياتنا أن يقف هذا الموقف الصعب علينا وعلى كرامتنا ووجودنا وإحساسنا وقناعاتنا، ولكنه الإعلام العربي!! الإعلام العربي الذي يمضي متخبطًا - وإذا أحْسَنّا الظن فيه إلى أبعد الحدود - دون سياسة إعلامية واعية ولا هدف دقيق.. إنه الإعلام الذي تسبب هذه المرة في هذا الوجوم وهذا الصمت وهذه اللامبالاة في وجه ما حدث ويحدث يوميًّا على الجبهة اللبنانية!، كما إنه هو المسؤول عن هذا التعتيم الإعلامي على أوضاع العرب والمسلمين في أوروبا…هؤلاء الذين انقطعت بهم السبل بين أوطان حَرَمَتْهُم لذة الحياة الكريمة الشريفة الحرة.. ومهاجر تحرمهم ساعة فساعة طعم الأمن والاستقرار.
من المسؤول عن هذا الذي يجري؟! عن جرائم إجهاض الشعور بالعزة والكرامة حينًا، وجرائم الانصياع لوكالات الأنباء، وغسيل المخ العربي، والرؤية العربية للأمور جرائم الصمت والسكوت حينًا والكلام والتصريح والتلميح حينًا آخر؟! …. هل هي وكالات الأنباء اليهودية التي تعمل ليل نهار ساهرة على مصلحة كل فرد من الجاليات اليهودية في كل بقعة من بقاع الأرض؟!! هل هي كوادرنا الإنسانية العاملة في السياسة والإعلام، والتي يُؤْثِر الكثيرون منها أن يكونوا عالة على الآخرين في كل شؤونهم، دون تمحيص ولا تدقيق ولا فرق خاصة بالبحث عن الحقيقة.. أو أفراد تحركهم الحرقة والحرص على مصلحة مواطنيهم وإخوانهم من أبناء البلدان العربية الأخرى في حاضرهم ومستقبلهم؟! وأين هم مراسلو هذه المؤسسات الإعلامية - ولا نستطيع في واقع الأمر أن نعمم -، النائمون المُشَخِّرون في بعض عواصم العالم، لا يعرفون شيئًا عن هموم وآلام الجاليات العربية والإسلامية، ولايشعرون بأي وخز في الضمير وهم القائمون على هذه الثغور الخطيرة ؟!!.
من المسؤول في إعلامنا عن آلامنا وآلام أولادنا ووجودنا المحصور في ديار الغرب بين مستقبل أسود في ظل استيقاظ شبح البغضاء، والعنصرية الأوروبية، وبين أوطان غافية على أكاذيب وكالات الأنباء العالمية ؟! من المسؤول عن هذا الألم الذي صار وحده الوطن الذي ننتمي إليه في زمن الغُثَاء والغباء والاستخذاء؟ زمن الغربة المزدوجة، والخوف والبحث عن مخرج.
|