|
كان نيتشه يبحث عن التفوق، فانتهى إلى العدم لافتقاده اليقين، وكانت راتشيل تبحث عن العدالة، فلاقت الموت لتخاذل القادرين، وكان كاتسوموتو يبحث عن الشرف، فقهقه تجار الوطن وحصدته أسلحة المنتفعين.
في كتابه الأشهر "هكذا تحدث زرادشت" يحكي نيتشه قصة العدم وموت الإله في شكل درامي على لسان بطله زارا بعد أن غادر لتوه عزلته الاختيارية متأملا باحثا عن "الإنسان المتفوق"، ويخرج من كهفه ناظرا لشعاع الشمس، قائلا: "لو لم يكن لشعاعك ما ينير فهل كان له غبطة؟". ولم يكن لزارا غبطة مثل شعاع الشمس؛ لأنه لم يجد حوله كثيرا يؤمنون "بالإنسان المتفوق" الذي آمن به وحده بعد أن أمات الإله ليحكم الإنسان مملكته بنفسه.
بين راتشيل والساموراي
"راتشيل كوري"بدورها كانت تبحث عن قيمة الإنسان، وتؤمن بالعدالة قيمة حاكمة بين البشر على اختلافهم، ذهبت لفلسطين تدافع عن الإنسان المظلوم تحت قهر الغاصبين الإسرائيليين، فتحولت حكاية الدروع البشرية والضحية لملحمة درامية كان نتيجتها سقوط الضحية راتشيل الأمريكية يوم 16 من مارس 2003، دهستها عمدا جرافة إسرائيلية وهي تحاول بجسدها النحيل منع الغاصبين من هدم بيت آمنين فلسطينيين.
ومثل الدراما الإغريقية التي ينقلها البث الحي لطوفان الفضائيات المعاصرة، يأتي فيلم المخرج الأمريكي إدوارد تزك Edward Zwick"الساموراي الأخير" The last samurai الذي يبدو كهدية للقيمة التي ماتت من أجلها راتشيل "الشرف والعدالة"، وما عليك سوى أن تغير بعض التواريخ، بدلا من 1876م حيث تجري أحداث الفيلم، يمكنك أن تكتب تاريخ اليوم وساعة النهار؛ لترى الخيال الدرامي هو مرآة الواقع الحي، وبدلا من أرض الجزر اليابانية يمكنك أن تقرب الجغرافيا لعنوان بيتك أو بيت أخيك العربي، لن تتغير الأحداث عندئذ بل تصبح أكثر واقعية.
"ناثان الجرن" النجم توم كروز Tom Cruiseضابط في الجيش الأمريكي الذي كان يسعى لتثبيت ملامح "الوطن" الأمريكي بقتل كل "مواطن" أصلي يسمونه "هندي أحمر"، يعاني الجرن من وخز الضمير -حيث لكل حي ضمير "ما" حتى لو كان "ضابطا أمريكيا"- للوحشية التي قتل بها أهل قرية آمنة تنفيذا لأوامر قائده وإخلاصا للجندية التي ظلت معانيها تراوح أفكاره متأملا مثل زارا /نيتشه في عزلته بعد انتهاء الحرب، و"استقرار" الوطن.
سمسار للوطن
سماسرة الوطن الجديد يبحثون عن سوق للموت والسلاح، وليس أفضل من الشرق كالعادة، هناك/هنا إمبراطور شاب.. الممثل الياباني الواعد "شيكينوسوكي ناكامورا" في جزر يابانية ناهضة بنت أسطورة تقول: إنها تكونت من أربع قطرات سقطت من سيف الرب، يسهل هناك وجود سماسرة آخرين يقودهم مستشار الإمبراطور "آمورا" الممثل الياباني "ماساتو هارادا" بدعوى التحديث ومواكبة العصر وشراء أسلحة حديثة، حتى لو كان الثمن هو الاستغناء عن خدمات الساموراي، أصحاب التقاليد والثقافة والسيوف بل قتلهم وإبادتهم بمدافع الأمريكان الحديثة.
يتم عقد الصفقة الأولى بالاتفاق مع ناثان الجرن على تدريب الجيش الإمبراطوري الجديد، الذي جمعوه من فلاحي الحقول اليابانية للدفاع عن الوطن ضد عدو لم يتحدد بعد، ولحين تحديده لا بأس أن يكون العدو الآن هو رجال "كاتسوموتو" (النجم الياباني Ken Watanabe) الذين كانوا بالأمس هم حماة الإمبراطور ورجاله، لكن يجب إزاحتهم الآن لتتم الصفقة الثانية بشراء الأسلحة الأمريكية الحديثة التي يقوم على ترتيبها مستشار الإمبراطور مع السفير الأمريكي باليابان.
الجرن يجد الجيش الجديد مهلهلا، وجنوده ليس لهم أي خبرة بالأسلحة النارية، يبدأ في تدريبهم، لكن يتعجل مستشار الإمبراطور مواجهة الساموراي قبل اكتمال التدريب، والنتيجة هزيمة واضحة وأَسر للكابتن الأمريكي.
اكتشاف الآخر
في الأَسر تتغير حياة الكابتن الأمريكي، يقف مشدوها أمام ثقافة ونسق قيم جديد وحياة لا يستطيع فهمها؛ فالتي تمرضه من جراح المعركة هي نفسها التي قتل بيديه زوجها، وهي تعرف ذلك لكنها تقوم بواجبها في الحفاظ على حياة الأسير، والذين أسروه لم يقتلوه ولا يكرهونه لأنه في نظرهم يقوم بواجبه، وهم كذلك.
اكتشاف الآخر، وفهم الثقافة المتعددة من الجانبين يكون بالتعايش والتقارب وليس بالسلاح، تلك الرسالة الواضحة التي تكاد تكون مباشرة، ويقدمها الفيلم، تظهر في جملة يقولها كاتسوموتو لبعض من سألوه لماذا لا يقتل الأمريكي نفسه؟ ألا يقتضي شرف المعركة ذلك على المهزوم؟ فيقول لهم إنها ثقافة مختلفة ليست ثقافتنا، يجب أن نفهمها.
صورة الساموراي في الفيلم دائما إيجابية، كما قدمها المخرج تزك؛ فهو يحب عائلته، بسيط في حياته، مرح وجاد في نفس الوقت، يقتل نفسه طواعية في سبيل الشرف والوطن، ويقاتل الأعداء بكل قوة لكنه لا يكرههم، هو فقط يكره الياباني المنتمي لنفس الثقافة التي يبيعها رخيصة للأمريكان والسماسرة، ويعتبرهم خطرا على الوطن ومستقبل البناء والقيم.
لهذا يكثر المخرج في هذه المشاهد من اللقطات الطويلة long shot التي تظهر جمال الطبيعة وبراعم الأزهار الجميلة التي ما فتئ كاتسوموتو يحلم بها تداعب خياله في "جنة الخلد" مع الآباء الذين يحافظ على قيمهم ويقاتل من أجلها.
وباستثناء هذه المشاهد اعتمد المخرج دائما على اللقطات المتوسطة medium shot ليعطي إحساسا بحياده في رواية القصة، ويساعد المتلقي على أن يستخلص هو القيمة بنفسه، خصوصا مع وجود راو في كثير من المشاهد يكمل حكاية الجرن وكأنها قصة حدثت منذ مئات الأعوام، مع أن فصولها حاضرة أمام أعيننا والدم فيها ساخن يطال ذقوننا.
يتسلل هذا اليقين بالعدالة وقيم الشرف والنبل إلى الأمريكي معذب الضمير الأسير، فينقلب إلى شخص متسامح يفهم قيم الآخر ويتفاعل معها، وتصل المبالغة الدرامية إلى درجة أنه يرتدي زي الساموراي ويقاتل معهم، مكفرا عن خطاياه في قتل الأبرياء ممن يسمونهم هنودا حمرا، ويعرف لأول مره معنى التمدن والحضارة على غير الطريقة الأمريكية.
المعركة الأخيرة للساموراي
ويصبح الكابتن ناثان الجرن هو الساموراي الجرن الذي يشترك مع القائد كاتسوموتو في المعركة الأخيرة ضد جيش الإمبراطور النظامي الجديد المسلح بالأسلحة الأمريكية الجديدة، ويقف الجميع بسيوفهم ويقينهم أمام الجيش المستحدث، تماما كما وقفت راتشيل بجسدها أمام الجرافات الإسرائيلية، ويموت الجميع لينجو الجرن، ويذهب إلى الإمبراطور ليكشف له الحقيقة؛ فيأمر بعزل مستشاره ومصادرة أملاكه التي كونها من سمسرة السلاح ويعيد الشرف إلى شهداء الساموراي.
الفيلم يأتي أقل فنيا من أفلام مثل "القلب الشجاع"، و"المحارب 13"، و"المصارع" و"الرقص مع الذئاب"، وكلها تلعب على قصص مشابهة ومعان متقاربة مع الساموراي الأخير، لكن مجموعة مصادفات توافقت مع عرض الفيلم أعطت له قيمه إضافية؛ فهو تم إطلاقه للعرض الأول في ديسمبر 2003 متزامنا تقريبا مع مرور عام على وصول الأمريكية راتشيل كوري للدفاع عن أرض الفلسطينيين، وتم عرضه عربيا في مارس 2004 وهو تاريخ استشهاد راتشيل في فلسطين، وتزامن عرضه مع مرور عام تقريبا على احتلال العراق، ومع عرض فيلمين آخرين ينتقدان أمريكا والحرب وقيم العدوان بقوة، مؤكدين على القيم الإنسانية المشتركة؛ وهو ما يجعل "التعسف" في تأويل الفيلم أقل ما يكون، نعني هنا فيلم "الجبل البارد" cold mountain للمخرج المعروف أنتوني مانجيللا، والذي يتناول الحرب الأهلية الأمريكية، والفيلم الثاني هو "نهر الخطايا" mystic river للمخرج والممثل المشهور كلينت أستوود وبطولة اثنين من أشهر نجوم هوليود وأكثرهم هجوما على السياسة الأمريكية العدوانية، هما: "شين بن" و"تيم روبينز"؛ وهو ما جعل هوليود هذه الأيام تبدو كما لو كانت صوت الحرية في مواجهة "إنسان نيتشه المتفوق" الذي أمات الرب عمدا ليبقى فقط صراع القوة.
اقرأ في نفس الموضوع:
|