English

 

الأحد. يونيو. 29, 2003

ثقافة وفن » مساحات ثقافية

 

"أمتي في العالم".. مظلومة حتى لدى الباعة!!

حسام تمام

غلاف الموسوعة
  الأمة الإسلامية مضطهدة ومظلومة ومكسورة الجناح.. هذا ليس جديدا إذا كنا نتحدث عن عالم السياسة والحرب والبيزنس.. لكن الجديد أن يكون هذا حالها أيضا في عالم النشر؛ فتصبح مظلومة حتى لدى الباعة والناشرين!!

الحكاية باختصار أن عالم النشر يصدر كل يوم عشرات الكتب بين غث وسمين تلقى كل الحفاوة والاهتمام؛ فتعقد لها الندوات والمناقشات، وتكتب عنها العروض والمراجعات بما لا تستحقه وما ليست له بأهل، وهذا جميل ولا بأس به، لكن ما ليس جميلا وما به البأس والبؤس كله هو ألا تمتد هذه الحفاوة إلى الكتب والمشروعات البحثية التي أنفقت عليها عصارات الأذهان وخلاصات العقول وسنوات عمر باحثين وكتاب ومفكرين، كل عيبهم أنهم لا يجيدون الكتابات الساخنة أو الحريفة التي تلهب وتجذب خيالات القراء بكل أنواعها وفي كل المجالات، كما يفتقدون مواهب تسويق الذات والأفكار؛ فلا يعرفون كيف يروجون لما تجود به عقولهم؛ فهم كتاب وباحثون فقط، ولم يتعود الواحد منهم أن يكون "مُغَسِّلا وضامن جنة" بالتعبير المصري.

 الأمة في العالم

أقول هذا الكلام حزنا وأسفا على ما حدث ويحدث لواحد من أهم وأضخم المشروعات العلمية والبحثية في العالم الإسلامي، استغرق العمل فيه 3 أعوام، وشارك في إنجازه أكثر من 50 باحثا من شتى أنحاء العالم وصدر في 6 مجلدات ضخمة.. ثم لم يسمع به أحد!!

فقبل 6 أشهر كاملة صدر العدد الأخير من حولية "أمتي في العالم" عن مركز الحضارة للدراسات السياسية بالقاهرة الذي ترأسته الدكتورة نادية مصطفى أستاذة العلاقات الدولية ومديرة مركز البحوث السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
وحولية "أمتي في العالم" هي الدورية السياسية الأولي وربما الوحيدة في العالم التي تقوم على توظيف "الأمة" كوحدة تحليل سياسي في دراسة العلاقات الدولية التي تعتمد أساسا على مفهوم "الدولة"، وكانت قد سبقتها تجربة أخرى لمركز الدراسات الحضارية صدرت تحت عنوان "الأمة في عام" ولكن لم تستمر في الصدور وتوقفت بعد فترة وجيزة.

أما حولية "أمتي في العالم" فقد صدر منها قبل ذلك عددان: الأول خصص لدراسة تأثيرات العولمة على الأمة الإسلامية، والثاني عن العلاقات البينية الإسلامية، في حين جاء هذا العدد المزدوج (الثالث والرابع) ليقدم رؤية كلية شاملة لتطور حال الأمة الإسلامية في كل المجالات الفكرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية عبر القرن العشرين بأكمله. 

طارق البشري 

والمشروع الضخم الذي يعد الأول وربما الوحيد في موضوعه بدأ التخطيط له والعمل فيه قبل 3 أعوام كاملة من فريق عمل برئاسة المفكر والمؤرخ المستشار طارق البشري، وشارك في إعداده نحو 50 أستاذا وباحثا من شتى أنحاء العالم (مصر وفلسطين والإمارات والجزائر والأردن والسعودية ولبنان والعراق والكويت وتونس وإيران والبلقان وألمانيا والولايات المتحدة).. وقد جاء امتدادا لمشروع سابق -قام به مركز الحضارة بالتعاون مع جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بفرجينيا والمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن- عن "العلاقات الدولية في الإسلام" استغرق نحو 10 سنوات، وصدر عام 1997 في 13 جزءا، كان بعضها قد خصص لدراسة وضع الدولة، ثم الدول الإسلامية في النظام الدولي عبر تطوره التاريخي.. وهي الدراسة التي أثمرت فكرة توظيف مفهوم الأمة كوحدة في التحليل السياسي للعلاقات الدولية.

أسلمة المعرفة

المشروع في مجمله تجسيد لمنهجية جديدة في حقل العلوم السياسية، أساسها وصل ما انقطع بين مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية في الغرب وبين العلوم الإسلامية وردم الهوة السحيقة التي تفصل بينهما، وهو ما أطلق عليه "أسلمة المعرفة". ورغم أن الفكرة تجاوز عمرها ربع القرن فإنها ما زالت تلقى معارضة شديدة ونقدا عنيفا ليس فقط من أنصار التيار العلماني الذي لا يرى فيها إلا عملية تلفيق تهدف للسطو على منجزات الحضارة الغربية دون المرور من أبوابها الرئيسية وتبني منطلقاتها وأفكارها، ولكن أيضا من تيارات إسلامية ترى في أسلمة مناهج العلوم الغربية أقوى اختراق لنقاء الفكرة وللعقيدة الإسلامية.

بين التحدي والاستجابة

والخيط الناظم لهذا المشروع الضخم الذي يتسع نطاقه زمنيا ليمتد عبر قرن كامل، ومكانيا ليغطي كل أرجاء المعمورة التي يسكنها مسلمون.. هو التحديات والاستجابات؛ حيث واجه هذا القرن -كما ترصد د. نادية مصطفي في تقديمها للمشروع – الأمة بجملة تحديات متحركة عبر سنوات طويلة اختلفت الاستجابات لها من مكان لآخر ومن فترة إلى أخرى، فتنقلت الأمة الإسلامية من تحدي استحكام الاستعمار التقليدي إلى تحدي العولمة، ومن تحدي حركات المقاومة ضد الاستعمار إلى تحدي بناء الدولة الوطنية الحديثة، ومن تحدي الصحوة الإسلامية إلى تحدي الدول المخترقة، ومن تحدي فقدان الخلافة إلى تحدي التنظيم الدولي الإسلامي، ومن تحدي الاستشراق إلى تحدي التهميش، ومن تحدي فكر الجهاد إلى تحدي فكر التجديد للإصلاح وإلى تحدي المشروع الحضاري الإسلامي الجديد.

وقد رصدت دراسات المشروع التي بلغت 52 دراسة هذه التحديات وشكل استجابات الأمة الإسلامية لها على 4 مستويات، هي عوالم: الأفكار، والأحداث، والأشخاص، والمؤسسات، التي تشكل مجتمِعةً عوالم الأمة الإسلامية التي لا تتحرج الحولية من الاعتراف بأن مفهومها صار محل شك ومراجعة بسبب الضغوط والقيود التي يعانيها في الواقع المعيش الذي يبعد بها كثيرا عن متطلبات المفهوم القرآني والخبرة التاريخية في دولة المدينة والخلافة الراشدة .

بين النظرية والواقع

والكتاب الأول من كتب الحولية الستة يمثل التمهيد النظري والبناء الفكري للمشروع؛ حيث يبدأ بتأسيس مفهوم الأمة، راصدا المفارقات الصارخة بين النظرية والواقع؛ فيقدم دراسة لمفهوم الأمة في القرآن وفي الأدبيات الإسلامية في القرن العشرين.. ثم ينتقل لعرض رؤية كلية لمكانة الأمة وإمكانياتها عالميا، فيرصد ثقلها الديموغرافي ومقدراتها الاقتصادية، ويختتم بملحق لخرائط وببليوجرافيا للتعريف بأقطار الأمة التي يراها متمثلة في الدول الأعضاء بمنظمة المؤتمر الإسلامي .

الحالة الفكرية للأمة

ويقدم الكتاب الثاني دراسة للحالة الفكرية للأمة من اتجاهات وتطورات وحوارات العقل المسلم.. فيضم دراسات تفصيلية في شئون الفكر الإسلامي وتطور اتجاهاته، والتعليم وتطور الخبرات الثقافية، وإشكاليات ومناهج ومعوقات الفلسفة العربية، والعلاقة بين الفقه الإسلامي والتغيير القانوني الذي شهدته الدول المسلمة، وقضية المرأة المسلمة، وحقوق الإنسان في الإسلام، ومستقبل الأمة بين التجديد الإسلامي والحداثة الغربية، ثم يختتم بدراسة تحليلية لأهم حوارات القرن العشرين من خلال النموذج المصري .

مسلمون في عالم الإسلام

وخُصص الكتاب الثالث للكشف عن حالة الإسلام والمسلمين في عالم الإسلام والدولة، سواء في الشرق العربي أو قارة الإسلام "إفريقيا" والوضع الديني بها، وتطورها التاريخي من الإرث الاستعماري إلى عصر العولمة، وكذلك في موطن الإسلام "آسيا" حيث صراع الهوية في تركيا، ومخاوف التفكك بعد الاستقلال في إندونيسيا، وتطور وضع القدس تاريخيا، ودراسة آلية توظيف الإسلام في السياسة الخارجية في مصر إحدى الدول الأركان في الأمة الإسلامية.

قوى الأمة الفاعلة

وينتقل الكتاب الرابع بالحولية إلى دراسة التفاعلات الداخلة في الأمة الإسلامية والقوى الفاعلة فيها "حركات وجمعيات ومؤسسات"، فيستعرض آليات تعاطي الحركات الإسلامية مع الاستعمار الغابر، ثم الأنظمة القائمة وتفاعلات الحركات الإسلامية مع الاستعمار الغربي، ويرصد الملامح العامة للعمل الأهلي الإسلامي في القرن العشرين، ثم يعرج على المؤسسات الدينية ذات التأثير الحضاري كالأزهر في مصر والزيتونة في تونس والحوزات الدينية في "قم" الإيرانية ومؤسسات الأوقاف.. ويختتم بدراسة شاملة لدور المؤسسة العسكرية في العالم الإسلامي.

أقوام داخل الأمة

ويعرض الكتاب الخامس لحالات مختلفة في وضع الأقوام والأعراق والملل داخل الأمة الواحدة التي توجد بها حالات تعيش فيها ملل غير مسلمة في بلدان غالبيتها مسلمون مثل نيجيريا والسودان، وحالات لأقوام مسلمة ذات تمايز وخصوصيات ثقافية أو لغوية أو عرقية مثل الأكراد والبربر، وحالات بارزة للخلاف مثل السنة والشيعة، كما توجد بها نماذج لتجمعات إسلامية ذات ثقل ديموجرافي في بلاد انحسر عنها سلطان الإسلام مثل البلقان والهند والقوقاز، ونماذج لتجمعات إسلامية أخرى ظهرت في بلاد غير مسلمة مثل الجالية المسلمة في أوربا، فيقدم الكتاب محاولة للتجديد في فقه الأقليات، ودراسة لنماذج من جنوب السودان ونيجيريا والبربر والأكراد، ويعرج على الخلاف السني والشيعي، ويدرس أحوال المسلمين على حواف عالم الإسلام في شمال القوقاز والبلقان والهند، وكذلك يذهب إلى الجاليات المسلمة في الغرب من خلال الحالة الألمانية..

مستقبل الأمة

أما الكتاب السادس والأخير فيعود مرة أخرى إلى الرؤية الكلية للمشروع من خلال دراسة التحديات التي تواجهها الأمة مستقبلا، وأبرزها تحدي الصهيونية، مقدما ظاهرة الانتفاضة في فلسطين كاستجابة رائعة للتحدي، كما يقدم محاولة لصياغة رؤية إسلامية تستجيب لتحدي حضارة عصر المعلومات.. ثم يختتم بدراسة رائعة تؤصل لمنهج شامل في الدراسات المستقبلية الخاصة بأوضاع العالم الإسلامي.

أين الموسوعة؟!

ربما ستصيبك الدهشة حين تعرف أن هذا العمل الموسوعي الضخم غير المسبوق الذي تجاوز عدد صفحاته الـ 4000 صفحة لم تسعه سوى حجرة صغيرة أشبه بالمخزن بمقر مركز الحضارة، وأخرى بمخازن مكتبة الشروق الدولية التي تولت -في جرأة تحسد عليها- طبعه ونشره، والنسخ التي بيعت منها ما زالت قليلة جدا بالنسبة للكمية التي طبعت منها وهي محدودة للغاية، والسبب أن الحولية لم تأخذ أي قدر ولو قليلا من التغطية الإعلامية أو اهتمام دور التوزيع وباعة الكتب!

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم