|
مع أن هناك اختلافا في الدور بين الأديب وعالم السياسة أو ممارسها، فإنه لا يمكن أن ننكر حق الأول في استخدام الوسائل والأساليب التي يستعملها الثاني، حين يريد أن يوثق بعض الأحداث السياسية الحقيقية في روايته، شريطة أن يتم عرض ذلك بوسيلة فنية. وهناك العديد من الأدباء في العالم العربي وغيره قد تفاعلوا مع السياسة، بدرجات متفاوتة، تراوحت بين مجرد الاكتفاء بمتابعة الشأن السياسي والتعليق على الأحداث الجارية وبين الانضمام إلى تنظيم حزبي أو خلية سرية، مرورا بأشكال عدة من التحايل في التعامل مع السلطة السياسية.
وفي هذا الإطار يبدو تعاطي نجيب محفوظ مع السياسية أمرا يستحق الانتباه؛ لأنه قدم نموذجا لكيفية استخدام الأدب في التعبير عن المواقف السياسية، دون أن يسلك طريقا سياسيا بحتا كما فعل غيره من الأدباء، وفي مقدمتهم يوسف إدريس. فمحفوظ أخلص للرواية، ووجد فيها الحامل الرئيسي لأفكاره إزاء السلطة والمجتمع والأيديولوجيات، فأعطته الرواية بقدر ما أعطاها.
الأدب.. المقاومة بالحيلة
|
| أولاد حارتنا رواية أثارت جدلا كبيرا |
سئل نجيب محفوظ ذات يوم: لماذا كان الإبداع الأدبي في فترة الستينيات بمصر أكثر غزارة منه في فترة السبعينيات، مع أن هامش الحرية، خلال الأخيرة، كان أكبر من الأولى، والأدب يحتاج إلى مناخ حر؟ فأجاب قائلا: "إن المبدعين في السبعينيات كانوا أحرارا في أن يقولوا ما يشاءون في أحاديثهم ومقالاتهم؛ وهو ما جنى على الجانب الإبداعي لديهم، حيث لم تكن أمامهم تحديات كتلك التي وجدت في الستينيات، والتي قادت إلى إنجاز الأعمال الإبداعية، بما فيها من رموز وإسقاطات للتعبير عما يريدونه".
إن هذا القول يطرح مسألة العلاقة بين السلطة السياسية والأدب على بساط البحث، وهو بقدر ما يدحض بعض المقولات السائدة بأن الإبداع الأدبي يحتاج إلى قدر من الحرية السياسية، فهو يقدم الأدب بوصفه نوعا من المقاومة بالحيلة للقهر الذي تمارسه هذه السلطة على الجماهير، أو مجالا لتنفيس المثقف عما يكنه في ضميره تجاه السلطة، ولا يستطيع أن يقوله بشكل مباشر، خوفا من المساءلة.
فاللجوء إلى الرمز، وتغيير ملامح بعض الشخصيات، وإعطاؤها أسماء غير أسمائها، وإضفاء بعض الخيال على الأحداث، أو العودة إلى وقائع تراثية وإسقاطها على الحاضر في ثوب قصصي، أو صناعة بطل منقذ يقفز فوق الواقع المتردي ويأخذ بيد الناس إلى مجتمع أفضل -يجعل المثقف أكثر أمانا في مواجهة القوانين، التي تسنها السلطة للحد من حرية التعبير.
وهذا أمر ليس بجديد على الأدب، فهناك مخطوطة عربية مجهولة المؤلف بالمكتبة الوطنية بباريس يرجح عودتها إلى القرن الثالث عشر الميلادي تحمل عنوان "رقائق الحلل في دقائق الحيل"، لم يعتمد كاتبها في نصحه للحكام على الأسلوب المباشر الذي اتبعه ميكافيللي، إنما سلك درب الحكاية والقصة كوسيلة لتعليم الحكام فنون الإدارة والحكم، وقسم حكاياته إلى حيل الملائكة والأنبياء وأدعياء النبوة والملوك والسلاطين والوزراء والقضاة والفقهاء والعباد والزهاد، ليحذر من خلالها الحكام من مغبة الظلم والاستبداد، ويبصرهم بالفوائد العظيمة التي تترتب على حكمهم بالعدل.
لكن ما تقدم لا يعني أن الأدب لا يمكن أن يكون إلا تحايلا فقط في مواجهة السلطة، وفي الوقت ذاته لا يعني أن هناك ثمة علاقة طردية بين القهر السياسي وخصوبة الإبداع الأدبي. فالأدب طالما كان مواجهة مباشرة بين المثقف والسلطة.
وفيما يتعلق بتأثير نمط السلطة على الأدب، لا يمكن أن نأخذ رأي نجيب محفوظ، المشار إليه سلفا، على علاته، فبداية إذا كان هناك اتفاق بين كثير من النقاد على وجود علاقة ضرورية بين البنية السياسية لأي مجتمع وأدب هذا المجتمع، فإنهم مختلفون حول ما إذا كان توجه النظام السياسي يؤثر على مضمون وشكل العمل الأدبي، أم على المضمون فقط.
ويمتد هذا الخلاف إلى ما إذا كان الأدب يزدهر مع التسلط، كما ذهب محفوظ، أم لا. وبوجه عام فإن الأدب، بمختلف ألوانه، يلعب دورا سياسيا مباشرا، أو غير مباشر في الحياة السياسية، ففضلا عن كونه قد يكون أداة في يد السلطة لتشكيل وعي المجتمع بما يخدم مصالح طبقة أو فئة معينة، أو على النقيض، قد يصبح أداة لمقاومة استبداد السلطة بالحيلة تارة، وعنوة تارة أخرى.
أشجع فنان وأجبن إنسان
|
| كفاح طيبة تعرضت لحكام مصر عبر القالب الروائي |
وقد وصف الناقد المعروف غالي شكري الموقف السياسي لنجيب محفوظ قياسا على المقارنة بين آرائه التي قالها بعيدا عن الفن الروائي وتلك التي ضمنها إبداعاته الأدبية الرائعة بقوله: "محفوظ أشجع فنان وأجبن إنسان". فنجيب محفوظ لم ينتم طيلة حياته إلى أي تنظيم سياسي، وكان حياده أقرب إلى الحيلة الفنية منه إلى الموقف السياسي. وقد حدد محفوظ رؤيته السياسية على لسان أبطاله في العديد من رواياته، وفي مقدمتها "الكرنك"، "ثرثرة فوق النيل"، "ميرامار"، "اللص والكلاب"، "يوم قتل الزعيم"، "السمان والخريف". أي أنه جعل رواياته ساحة لطرح أفكاره السياسية، ووصل في اعتماد هذا النهج إلى درجة مرتفعة، بحيث يمكن القول إن رواياته قد تخلو من أشياء كثيرة، لكنها لا تخلو قط من السياسة.
وتتلخص هذه الرؤية، كما طرحها محفوظ على لسان خالد صفوان أحد أبطال رواية "الكرنك"، في "أولا: الكفر بالاستبداد والدكتاتورية، ثانيا: الكفر بالعنف الدموي، ثالثا: يجب أن يطرد التقدم معتمدا على قيم الحرية والرأي واحترام الإنسان، فهي كفيلة بتحقيقه، رابعا: العلم والمنهج العلمي هو ما يجب أن نتقبله من الحضارة الغربية دون مناقشة أما ما عداه فلا نسلم به إلا من خلال مناقشة الواقع، متحررين من أي قيد، قديم أو حديث". إلى جانب ذلك كان لقضية الانتماء مكانة عالية في أدب محفوظ، لدرجة أنه تخصص فيها، أكثر من أي أديب عربي آخر. وقد بدأت ملامح هذا الانتماء تتشكل في أدبه من خلال انفعاله وهو طفل بثورة 1919 ضد الاستعمار الإنجليزي ثم موقفه من حزب الوفد الذي كان يقود النضال الوطني آنذاك، في بعض أعماله الروائية مثل "المرايا" و"حكايات حارتنا"، وكذلك إحدى قصص مجموعته "صباح الورد".
"الكرنك" .. النقد المباشر
|
| محفوظ.. تصريح بالإنساني وتلميح بالسياسي |
على عكس الرمزية التي غلف بها نجيب محفوظ انتقاده للعهد الناصري في رواية "ثرثرة فوق النيل" جاءت رواية "الكرنك" لتنتقد هذا العهد بشكل مباشر، فأبطالها إسماعيل الشيخ وزينب دياب وغيرهما، هم شباب آمنوا بثورة يوليو، وكانوا يعتقدون أن العسكر على صواب مطلق، لكنهم استيقظوا على واقع أليم، حين مروا بتجربة قاسية بعد أن اتهمتم السلطة، ظلما، أنهم من "أعداء الثورة"، وحين قابلوا رجلا يمثل الوجه الكريه للثورة وهو خالد صفوان، الذي أمر بانتهاك عرض زينب، وجلد إسماعيل، وأجبرهما على أن يكونا عملاء للمباحث، يتجسسان على رفاقهما، خاصة حلمي حمادة الشيوعي، رغم أنهما لم يرتكبا شيئا مخالفا للقانون، فإسماعيل اعتقل لمجرد أنه تبرع بقرش واحد لبناء مسجد تابع للإخوان المسلمين، وزينب قبض عليها لأنها صديقته، وفي المرة الثانية اعتقلوهما بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعي، وحلمي حمادة مات تحت وطأة التعذيب. وتعرض الرواية مواقف نماذج مختلفة من البشر الذين يترددون على مقهى الكرنك من الثورة ومقارنتها بالعهد الذي سبقها، وتتطرق الرواية إلى عملية انتقاد الذات التي جرت عقب هزيمة 67 وكان من نتائجها التخلص من صفوان؛ ولذا انتهى به الحال إلى الكفر بالاستبداد، والإيمان بالحرية. لكن محفوظ لم ينس أن يوضح - على لسان أبطاله - الجوانب الحميدة للثورة، ومنها الاهتمام بالعدل الاجتماعي والتعليم.
لكن محفوظ عاد ليحدد موقفه بشكل أكثر صراحة من مختلف حكام مصر، منذ الملك مينا وحتى الرئيس السادات، في كتاب "أمام العرش"، وفيه شرح مآثر وعيوب كل زعيم، من خلال محكمة رمزية تخيلها محفوظ، ضمت كلا من إيزيس وأوزوريس وحورس، وركز الكتاب على زماننا المعاصر، عاقدا مقارنة بين كل من سعد زغلول ومصطفى النحاس، وجمال عبد الناصر وأنور السادات. واتخذ محفوظ خطوة أكثر إيضاحا في تحديد موقفه من القضايا السياسية والاجتماعية التي فرضت نفسها على المجتمع المصري والعربي، من خلال الزاوية الصغيرة التي كان يكتبها في صحيفة الأهرام، والتي أتم جمعها في عدة كتب الكاتب فتحي العشري. وقد تطرق محفوظ في هذه الزاوية الصحفية إلى قضايا ومفاهيم عامة مثل التدين والتطرف والحرية والعدالة والتقدم والانتماء والهوية والعلم والعمل... إلخ.
وحول الانتماء والهوية، يقول محفوظ: "مصر 1919 آمنت بمصريتها، ومصر 1952 آمنت بالعروبة. الآن الإسلام السياسي يطرح العالم الإسلامي كله كدائرة للانتماء، واجبنا أن نخلق من هذه الانتماءات الثلاثة انتماء أكبر، يحافظ على مكوناتها الأصلية، ويربطها برابطة تكاملية، تزيدها قوة وصلابة، بدلا من أن تهدر قواها في صراعات عمياء". وفي موضع آخر يقول: "إن الدفاع عن الهوية لا لسبب إلا أنها هويتنا باطل، كما أن التنكر للهوية لا لسبب إلا الانبهار بهوية حضارة أخرى باطل أيضا.. علينا أن نواجه عصر القرية الكبيرة الواحدة بكل شجاعة وثقة بالنفس". أما عن الحرية والعدالة فيرى محفوظ أنهما قيمتان عظيمتان لا غنى للبشرية عنهما، ويؤكد أن "الحرية وحقوق الإنسان لن تكون ضربة موجهة للعدالة، ولن تصادر الحرية والكرامة باسم العدالة وباللجوء للقهر والاستبداد والإرهاب الرسمي"، وينحاز محفوظ إلى الرأي الذي يؤكد أن الحرية ليست هبة ولا منحة، لكنه في المقابل يشير إلى أنها لا تتحقق بالشتائم واتهام الأبرياء وتوهم المكانة، إنما هي "ثمرة جهاد الأحرار، ولا تجيء نتيجة لوجود المجتمع الحر، لكنها تخلقه من خلال جهاد مر، لم يكف، قديما ولا حديثا، عن تقديم الشهداء والضحايا".
رأيه.. تعميق السلام!!
وكل ما سبق لا يعني أن محفوظ قد خرج عن الخط العام الذي حدده لحياته وهو الابتعاد عن السلطة، لا يطلب منها شيئا ولا يفعل ما يجعلها تطلبه أو تلاحقه، فهو إن كان قد طرق باب السياسة في رواياته فإنه قد ركز على العموميات، ونأى بنفسه عن السياسة اليومية أو الصراع السياسي الوقتي بين هذا الحزب أو ذاك؛ ولذا لم يخض تجربة السجن التي عاشها كثير من الأدباء المصريين، خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. ويبقى أنَّ أوْْضحَ رأيٍ سياسي عبر عنه محفوظ هو ذلك الذي أثار عليه خلال عام 1998 زوبعة من النقد الحاد، ظل طيلة حياته حريصا على تجنبها، فقد هاجم بضراوة التجربة الناصرية، واعتبر أن كثيرا من قرارات عبد الناصر المصيرية، والتي جلبت له شعبية جارفة، كانت متسرعة، وقادت مصر إلى انتكاسات وعرضتها للأخطار، ومنها مثلا تأميم قناة السويس، وحرب الاستنزاف. لكن حتى هذا الرأي الصريح لم يبعد محفوظ كثيرا عن نهجه السابق في عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع السلطة، إذ إنه وجه انتقاداته لنظام قائد رحل عن دنيانا، ولم يعد بمقدوره أن يلاحقه أو يحاسبه على قوله.
وجاهر نجيب محفوظ بتأييده للخطوة التي أقدم عليها الرئيس المصري الراحل أنور السادات بإبرام اتفاق سلام مع إسرائيل، ولم يحفل كثيرا بالانتقادات التي وجهت إليه في هذا المقام، والتي وصلت إلى درجة أن البعض ربط بين حصوله على جائزة نوبل وموقفه هذا، وهي مسألة ظهر بطلانها، إلى حد كبير، بأسانيد ساقها الناقد والباحث التونسي أحمد الجغام في كتاب صدر له مؤخرا، ذيله بوثائق حول حيثيات فوز محفوظ بهذه الجائزة. لكن محفوظ -الذي ينظر إلى السلام في معناه الفلسفي والسياسي والاجتماعي والديني العام حسبما تدل الحوارات التي أجريت معه حول هذا الموضوع، وكيفما تذهب رؤيته المحكمة التي تضمنتها رواياته العديدة- وجه انتقادات عديدة للسلوك العدواني الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، منذ قيام الانتفاضة الأولى في ديسمبر عام 1987 وحتى الوقت الراهن، ورأى فيما تفعله إسرائيل "المعادل الموضوعي" لما يقدم عليه "الفتوات" في رواياته. ومع ذلك بقي موقفه من السلام بوجه عام راسخا لا يتزحزح، فهو ينبذ الحرب ولا يرى فيها حلا للصراع العربي الإسرائيلي، وإنما الحل الناجع في نظره هو "تعميق السلام"، شريطة أن تتوافر فيه قيمتا العدل والشمول، متطابقا في هذا مع وجهة النظر الرسمية العربية، وهي مسألة جعلته دائما مسلحا بأمان نسبي، بما لا يجلب له متاعب جمة على أيدي من يرون في الصراع مع إسرائيل "صراع وجود لا صراع حدود".
روائي وناقد وباحث في علم الاجتماع السياسي.
|