English

 

الاثنين. أغسطس. 4, 2003

ثقافة وفن » مساحات ثقافية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

النخبة الجزائرية بين ثقافتين

أحمد العلوى

الجزائر- تعيش الجزائر إشكالا ثقافيا وفكريا يبدأ من ثنائية متقابلة تجسد جوهر الاختلاف الحاصل بين تيار عربي إسلامي من جهة، وتيار فرانكفوني (فرنسي النزعة) يترع من تراث الثقافة الاستعمارية ممثلة بالدرجة الأولى في اللغة بوصفها غنيمة حرب بتعبير الروائي كاتب ياسين.

وانطلاقًا من مقولة المفكر مالك بن نبي المعروفة (القابلية للاستعمار) فإن قابلية هذا التيار للاندراج في مخطط التهجين مسايرة لرغبة راودت الرئيس الفرنسي شارل ديجول عشية الاستقلال، أكد فيها على أن غرس اللغة الفرنسية في الجزائر من شأنه أن يبقي على الحبل السري موصولا بفرنسا، وهو الحبل الذي لم تستطع حكومات الجزائر المستقلة أن تلغيه، في ظل سطوة واستقواء اللوبي الفرانكفوني داخل مؤسسات الدولة.

لكن مع هذا لم يكن صوت العربية أقل حضورًا على الأقل لدى النخب الفكرية (المحافظة) إن صح التعبير ممثلة في تيار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وإن ظل السيف مسلطا على رقاب هذه النخب بوصفها تشكل خطرًا داهمًا يمكنه أن يصادر أيديولوجيا الثورة من أساسها أو ينعى عليها على الأقل انحرافها.

بداية الصراع

وربما كانت بداية الصراع غداة الاستقلال في معركة ثقافية شهدتها الأوساط الأكاديمية كشفت عن النية المبيتة لاستئصال شأفة التعريب والإجهاز على العربية، بل ومحاصرة القيم الإسلامية بعد إسقاط الصفة "الإسلامية" على التنظيم الطلابي الذي كان يعرف باسم الاتحاد الوطني للطلبة المسلمين الجزائريين.

فقد كان ذلك إيذانًا ببداية سيطرة شبه كلية للحرف الفرنسي داخل أجهزة الدولة الفتية، وما أعقب ذلك من صراعات مريرة بين النخب العربية ذات التوجه الوطني وبين النخب الفرنسية التي تقف على طرف نقيض وتخشى أن يفقدها التعريب تلك الامتيازات التي حصلت عليها منذ فترة الاحتلال. لكننا يمكن أن نبدأ من العهد الكولونيالي (الاستعماري) وهو العهد الذي تمايزت فيه الكثير من الاتجاهات الفكرية والنضالية التي إن أخذت لبوسا سياسيا فإنها ترتد في أصولها إلى منطلقات فكرية ثقافية صرفة.

نموذجان.. قبل الثورة

شكلت فترة ما قبل اندلاع ثورة التحرير في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 1954 الرافد الرئيسي الذي أرسى دعائم النهوض الفكري والثقافي المرتبط أساسًا بوعي الانتماء، ويعود الفضل في هندسة الخلفيات الفكرية إلى أهم رمز سياسي ظهر قبل الثورة وهو "مصالي الحاج" الذي استحق لقب "أبو الوطنية الجزائرية"، وكان له قصب السبق في المطالبة بالاستقلال الوطني، إذ احتضن داخل تنظيم "حزب الشعب" أغلب القيادات السياسية والميدانية التي قادت جبهة التحرير الوطني فيما بعد.

ابتدأ مصالي مشواره اشتراكيًّا، إلى أن التقى بأمير البيان "شكيب أرسلان" في بيروت ليطور بعدئذ أفكاره إلى الاتجاه القومي الإسلامي. وبصرف النظر عن مواقفه السياسية خلال الثورة فإن جهوده الوطنية المعتبرة في إذكاء جذوة الحماس الوطني أكبر من أن تغطيها هالة "ميثولوجيا الثورة" -على حد تعبير المؤرخ الجزائري محمد حربي- وما فرضته الذهنية الأحادية من تعتيم وقهر بالقدر الذي ألهبت فيه الثورة.

في مقابل ذلك مثّلت شخصية فرحات عباس نموذج المثقف الفرانكفوني المستلب الذي يرى في اندماج الشعب الجزائري في الهوية الفرنسية حلاًّ سحريًّا ضاربا بالتاريخ الجزائري عرض الفضاء، بل ناكرًا لوجود أمة جزائرية أصلاً (يقول: بحثت عن الأمة الجزائرية فلم أجدها) قبل أن ينبذ هذا الادعاء ويلوذ بالثورة في عام 1965 عندما التحق بالبعثة الجزائرية بالقاهرة وقتئذ، وربما مثّل كتابه "ليل الاستعمار" دلالة واضحة على توبته من الفكر الاندماجي.

جمعية نهضة العلماء

وقد قوبل الفكر الاندماجي بمواجهة عنيفة انبرت لها مؤسسة أهلية (جمعية العلماء المسلمين) كان لها الأثر البالغ في تنمية الوعي الوطني العربي والإسلامي، كما كان لها الدور الفعال في بعث نهضة فكرية عارمة لم تقتصر على الإصلاح الديني وحسب، ولكنها امتدت لتشمل أكثر من مجال في سبيل مقاومة حملة الفرنسة، وكان من جملة ما كرسته من مفاهيم في أوساط الناشئة هو التأكيد على الانتماء العربي الإسلامي للشعب الجزائري..

شعب الجـزائر مسلم

وإلـى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله

أو قال مـات فقد كذب

أو رام إدمـــاجًا له

رام المحال من الطلب

وقد تمحورت أفكار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (1931) حول قضايا الاستقلال والهوية والإسلام والعروبة أيضًا، وشكلت شخصية الشيخ عبد الحميد بن باديس عنصر استقطاب ظل يفجر في الأمة طاقات الرفض الصارخ لمحاولات الإدماج وأساليب الفرنسة الماكرة، ويوازي حضور الشيخ ابن باديس الفكري والثقافي في الجزائر ما قام به السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده في مصر مستفيدين من الهامش المسموح به في تلك الفترة انطلاقًا من فكرة فصل الدين عن الدولة التي تبنتها دولة المستعمر.

كانت أفكار ابن باديس والنخبة التي التفت حوله ترمي إلى محاربة الجبرية والتقاعس المسوغ للاحتلال مثلما هو الشأن بالنسبة للزوايا والطرق المنحرفة التي كانت تشيع في الناس فكرة التسليم للأمر الواقع من خلال مقولة "اعتقد ولا تنتقد"، من هنا جاء لسان حال الجمعية ممثلاً في جريدة "المنتقد" ومن بعدها "الشهاب" وغيرهما من صحف جمعية العلماء التي شكلت المرجعية الفكرية لعموم الشعب الجزائري فيما بعد، من خلال التأكيد على الأقانيم الثلاثة التي رفعها ابن باديس شعارًا، وهي: "الجزائر وطننا، والإسلام ديننا، والعربية لغتنا".

ولئن عُدَّ ابن باديس مفكرًا تقليديًّا محافظًا فإنه لم ينفك عن إسهامات تنويرية من جهة ومواقف نقدية للإدارة الاستعمارية من جهة أخرى، والتي لم يكن بمنأى عن مضايقاتها المستمرة ساعيًا بذلك إلى التأكيد على جملة الثوابت التي تمثل هوية الشعب الجزائري.

النخبة المحافظة

برزت إلى جانب ابن باديس أكثر من شخصية إصلاحية من رجالات جمعية العلماء من أمثال البشير الإبراهيمي، والطيب العقبي، وعبد اللطيف سلطاني جمعت إلى جانب التعليم الدعوة والإصلاح.

وبالإضافة إلى هؤلاء كانت كوكبة من الشعراء والكتاب تمتاح من معين الجمعية وتضطلع بأعباء الوعي وأسباب التوجيه والإرشاد، ناهيك عن أشكال أخرى من المقاومة الإعلامية الساخرة كما هو الشأن بالنسبة لجريدة "الشعلة" أو ترفيهية هادفة، مثل جمعية "المزهر القسنطيني" المسرحية والغنائية في أن لمناجزة دعاوى "ريمون" اليهودي الهادفة إلى الاستحواذ على تراث "المألوف" الغنائي.

غير أن هذه النخبة من جمعية العلماء لم تلبث أن اشتبكت مع أيديولوجيا ما بعد الثورة عندما انحرف تيار اليسار بالثورة عن مسارها من خلال تبني الاشتراكية بعد القفز على وثيقة بيان أول نوفمبر 1954 التي حددت فلسفة الثورة وأهدافها، المتمثلة في إقامة الدولة الجزائرية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية. وبين طموحات الثوريين المتحمسين للسلطة وفلسفة الإصلاحيين من رجالات جمعية العلماء كانت مسافة ذهنية فارقة تفصل بين الاتجاهين انتهت بنشاطات جمعية العلماء المسلمين واقعًيا فيما أبقت على رصيدها الفكري والنضالي إعلانًا في المناهج التربوية وبعض المناسبات.

الثوريون والنخبة الإسلامية

كانت الذهنية الثورية غير قادرة على استيعاب التعدد فهي ذهنية قائمة على إلغاء الآخر أساسًا، من هنا لم يجد الشيخ عبد اللطيف سلطاني بُدًّا من أن يرفع عقيدته في وجه النظام الاشتراكي من خلال كتابه "المزدكية أصل الاشتراكية" ليضرب هذا التوجه في العمق؛ فكان مصيره الإقامة الجبرية، وهو المصير نفسه الذي آل إليه أمر الشيخ البشير الإبراهيمي جراء مواقفه النقدية الساخطة على النظام، وعلى رأسها موقفه من إعدام الشهيد سيد قطب، وهو ما لم يكن يروق لنظام بن بلة الذي بدأ في استلهام التجربة الناصرية قبل أن يجرفه انقلاب 1965 على يد العقيد بومدين.

وبعيدًا عن أرض الوطن كان جثمان الشيخ الفضيل الورتلاني بعد سنوات من الاستقلال ينقل بعد وساطة مضنية من تركيا ليوارى التراب في جزائر الاستقلال صاحب كتاب "الجزائر الثائرة" الذي كان بمثابة العضو الحركي من رجالات جمعية العلماء الذي عمل على تجسيد علاقة الجمعية مع الكثير من التيارات الفكرية والسياسية في العالم العربي والإسلامي، وكان بمثابة همزة الوصل ما بين جمعية العلماء وجماعة الإخوان المسلمين على وجه التخصيص.

لم تكن الفترة البومدينية أفضل من سابقتها على الرغم من بداية تبلور بعض التيارات الفكرية وتمايزها في الساحة الجزائرية؛ إذ ظل الهامش الممنوح للتعريب يسيرًا بل إنه انحسر في بعض الأحيان في مقابل استقواء فادح للفرنسية.

وانتهى المطاف بالتيار اليساري الذي كان يعضد حكومة بومدين إلى أن يشرب نخب القضاء على التعليم الأصلي التابع لوزارة الشئون الدينية على الرغم من جهود الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم المعتبرة، الذي يعد ضمن هذا الإطار أبرز شخصية وطنية في تلك الفترة ساهمت في بلورة الاتجاه الوطني الإسلامي من خلال ملتقيات الفكر الإسلامي الذي مثّل بؤرة إشعاع ثقافي رصين كان له كبير الأثر في تنمية الشعور بالانتماء القومي والإسلامي والتأكيد على الذات مقابل هجمة شرسة ظلت تواجه هذا المنحى العقائدي ممثلة في أبرز كتاب الفرنسية من أمثال كاتب ياسين ومصطفى الأشرف أو كتاب آخرين يؤكدون على الانتماء البربري الأمازيغي كمولود فرعون ومولود معمري.

وكان ذلك نذير صراع محتدم برز على الساحة الثقافية أذكت فتيله نخب يسارية لم تألُ جهدا في النيل من الثوابت الوطنية والتشكيك في الانتماء، وهي نخب جمعت إلى اتجاهها اليساري ثقافة فرانكفونية انفصالية ترمي إلى التحلل من ربقة الهوية والانتماء.

ظهر ذلك جليا في كتابات كاتب ياسين كما في مسرحية "محمد خذ حقيبتك" داعيا الاتجاه الإسلامي إلى العودة من حيث أتى (الحجاز كما يزعم)، فيما لم تسلم الرموز الإسلامية الأخرى من تهكم وتبكيت صارخ في دولة الاستقلال كما في وصف المآذن بأنها "الصواريخ التي لا تنطلق"، وفيما كان التعريب يتقدم خطوة كان يعود ليتراجع خطوة أخرى قبل أن تنساه عملية التعريب فيما بعد بشكل محتشم في الثمانينيات بعد أن أصبح أمرًا واقعًا لتعود صخرة الزيف إلى السقوط في التسعينيات فيما بعد.

ولعل نظرة فاحصة لمختلف التيارات التي شكلت قوام النخب الجزائرية بعد الاستقلال تفضي إلى القول بأن تيار جمعية العلماء المسلمين قد أريد له بفعل التصنيف والمصادرة من جانب النظام الثوري أن ينتهي إلى التلاشي بعد أن اصطدم بالأكليروس الثوري الجارف، ولم يعد يبقى منه سوى تلك الأفكار التي دافع عنها ابن باديس وكرّس لها حياته النضالية والفكرية، والتي أن تلقاها تيار ما على الساحة فإنه لم يكن ليتمثلها واقعًا بالقدر الذي استعملها شعارًا، هو إلى الإغراء يومئذ أقرب، وهو الأمر نفسه بالنسبة لفكر مالك بن نبي.

غير أننا لا نعدم في كل الأحوال توجهًا عامًا يمثل اعتناقية الأغلبية من السواد الأعظم من الكوادر المعربة على وجه التخصيص قوامه المرجعية الفكرية لمدرسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

في المقابل يبقى الاتجاه الفرانكفوني ممثلا لثقافة ضرار تأبى إلا أن تحاصر الثقافة الأم في عقر دارها، تعضد هذا الأعضاء نخبة مفرنسة تتناغم بشكل إلى مع الضفة الأخرى للبحر المتوسط، إنها نخبة تشعر بالاغتراب مثلما تحمل على كاهلها مسئولية الحفاظ على غنيمة الحرب (اللغة الفرنسية) وتركة المستعمر.

ربما انفضت سنوات كثيرة منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، لا يمكن بحال ما أن ننكر إيجابياتها، غير أن المفارقة الصارخة تحيلنا إلى تساؤل يبدو مشروعًا خلاصته: ما الذي تغير في النهضية الفرانكفونية منذ ذلك التاريخ (فجر الاستقلال) منذ توقيف انسياب الأطر والكوادر العربية القومية القادمة من القاهرة في عهد بن بلة على يد السفير علي كافي وقتها وحملة شعواء مضادة لكل ما هو عربي؛ تشن على مجرد عرض مسرحي عربي (بودي جارد) قبل وصول الممثل (عادل إمام) إلى الجزائر العام المنصرم، وذلك ما يمثل بحث قمة التدافع بين توجهين متناقضين يضاف له من بعد ذلك توجه إثني لا ينفك يشكل بعدًا ثقافيًّا يأتي في صدارة الوضع الثقافي والفكري في الجزائر؟

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم