English

 

السبت. يناير. 1, 2000

ثقافة وفن » ميديا

 

الإنترنت الرقابة المطلوبة ( 1 )

يونس بن علي

لقد غزت الشاشات البيضاء الصغيرة بيوتنا وبيوت الأقارب والأصدقاء، ومدارسنا، وحتّى المقاهي في شوارعنا، وانتشرت في مراكزنا ومؤسساتنا الثقافية. وتنقل كلّ شاشة صغيرة عبر الأقمار الصناعية عن الفضائيات المتكاثرة تكاثر الفطر في أرض برية، تنقل -إلى جانب القليل من المفيد والممتع- سـمّاً ناقعًا، ظاهرًا للعيان جهارًا نهارًا، وآخر متواريًا في الدَّسم، يغريك صانعوه وحاملوه ومقدّموه بابتسامات الثعالب والأفاعي. أو ترتبط تلك الشاشة البيضاء الصغيرة بحاسوب، يتحوّل فور وصله بشبكة العنكبوت - وكذلك باستخدام الأقراص المسجّلة - إلى بوابة كبرى، إذا عبرها النافع المفيد والمسلّي الممتع، يعبرها أيضا ما يصنعه فريق من البشر -كما يقال عنهم - لا يوجد في قاموسهم -كما هو الحال مع البشر العاديين- مكان لكلمات من قبيل: الضمير، أو الوجدان، أو الخلُق، أو القيم، أو الدين.

هذا - يا قوم - واقع قائم، نرصده ونحسّ بما يعنيه فنشكو منه، أو يشكو أغلبنا منه، ولكن ماذا بعد الشكوى ؟.. ما هو حلّ المشكلة ؟.. بعضنا يتصرّف متسرّعًا؛ وفي التسرّع تهوّر غالبًا، ويبسّط الأمور. وفي المشكلة من التعقيد ما لا يكفي لحلّه التبسيط، فيمنع الشاشة الصغيرة من اقتحام باب داره، وهو يعلم أنّه من المستحيل في نهاية المطاف أن يمنع ابنه أو ابنته من الخروج من باب الدار، وربّما أوصاه وأوصاها، واستجوبه واستجوبها، هل فعل أو فعلت خارج الدار ما هو محظور داخلها، وربّما انزلق بعضنا من خلال هذه الأساليب إلى تعليم أولادنا الكذب من حيث لا نريد، فنكون كمن استجار من الرمضاء بالنار !..

إنّ ذاك الذي يريد بعضنا أن يفرض الرقابة على أولاده بأمل ألاّ يصل إليهم ولا يصلوا إليه، لا يوجد في مكان بعينه دون آخر، ولو كنت ممّن يستخدمون العامّية فيما يكتبون، فيضرّون .. وقليلا ما ينفعون، ويسيئون .. أكثر ممّا يحسـنون، ويفرّقون حتماً ودوماً ولا يجمعون، لذكرت في هذا الموضع مثلا عامّيا من بلاد الشام، يقول مدلوله: لا جدوى من مراقبة اللص داخل البيت، وأقصد بذلك أنّ التربية والتوجيه إذا ما أصبحا مصدر إفساد للشخصية، فصار بعض أولادنا راغبًا في المحظور، ينتهز فرصة ابتعاده عن أعين الرقباء ليصنع ما لا ينبغي أن يصنعه بمقياس العقيدة والخلق والسلوك والمنطق السليم .. فما الفائدة من مراقبته ؟‍‍‍‍ وهل يمكن لأيّ منّا أن يمارس الرقابة ليل نهار، ثمّ هل هذا مطلوب أصلا ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‍‍ وما البديل عنه في ميدان شبكة العنكبوت بالذات ؟..

ما العمل ؟.. أو بتعبير آخر: ما الذي فرضته علينا سرعة التطوّرات الحديثة، لنواجه مفعول السلبيّ والضارّ منها، دون أن نستغني عنها، لا سـيّما في الميدان التقني التطبيقي لوسائل الاتصال الحديثة .. ومن ذلك شبكة العنكبوت بما فيها من مفاسد ومخاطر إلى جانب فوائد جمّة ومتعة بريئة ؟.. إن ما تفرض لغة العصر وروح تطوّراته أن نصنعه في ميدان " التربية والتوجيه "، هو في جوهره عين ما تقرّره تلك العبارة المعروفة " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا " .. رضي الله عمّن قالها وأرضاه، وأعني " الرقابة الذاتية " وفق الشائع من مصطلحات تربوية ونفسانية حديثة.

لا بدّ هنا من التأكيد والتوضيح، ليس في هذا على الإطلاق دعوة إلى نشر المفاسد ثم الاعتماد على الرقابة الذاتية، فهذه السطور لا تريد تبرئة المسئولين والأجهزة المسئولة في بلادنا العربية والإسلامية، من واجب فرض الرقابة القانونية مع التطبيق التام، وفق قيمنا ومقاييسنا العقدية والخلقية والفكرية والثقافية والجمالية، وإلى أقصى مدى مدروس وهادف وممكن، تجاه كلّ أجنبي مستورد، ولا تريد كذلك التبرئة من واجب فرض القوانين المماثلة على من ترخّص لهم تلك الأجهزة المسئولة بالعمل من الداخل، فيقلّدون تقليدًا أسوأ من الأصل غالبًا، ذاك الذي نشكو من مفاسده وأضراره إذا جاءنا أجنبيًا غازيًا .. فهنا وهناك يسري مبدأ انتهاء حريتك حيث تبدأ حرية الآخرين، وأدعياء الحرية المطلقة هنا هم القلّة القليلة، والآخرون هم الكثرة الكاثرة في المجتمع، كما يسري مبدأ تعاظم مسئوليتك عند كلّ ما يصيب بنتائجه سواك، لا سيّما إذا كنت في موقع القدرة على صنع القرار وتنفيذه !..

ونعود فنقول: إلى جانب المطالبة بأداء ذلك الواجب، وعلى وجه آخر، غير الوجه الراهن الذي يقيد الحريات والحقوق بصورة معكوسة، أو في ميادين أخرى ليست موضع البحث هنا .. لا بدّ إلى جانب ذلك من التساؤل في مواجهة ما تصنعه الشاشة الصغيرة: ما الذي يمنع أن تكون الرقابة الذاتية هي المحور الأوّل والرئيسي في تربية أنفسنا وأولادنا على التعامل مع وسائل حديثة، لن نحجرها عنهم بصورة كاملة، ولن نمنعهم عنها منعًا قاطعًا، مهما صنعنا، ولا ذاك هو المطلوب منّا في الأصل ‍‍‍‍‍‍‍‍‍.. بل إنّ في الحظر الذي يحول بين الأطفال والناشئة وبين تلك الوسائل الحديثة، ارتكاب جريمة مزدوجة دون قصد، فمن جهة نعوّد أولادنا عادات ذميمة، من قبيل الطاعة العمياء والانصياع لرقابة خارجية، فينشئون إمّعات؛ إذا نَجَوْا من الانحراف اليوم فقد لا ينجون من جرّهم إليه غدًا، ومن جهة أخرى نمنعهم من مواكبة العصر وتطوّراته، ومن جني الفوائد والثمار بدعوى اختلاطها بالمفاسد والمضارّ؛ فنزيدهم على عواقب إرث تخلّفنا في حاضرنا، أسبابًا لتخلّف أثقل في مستقبلهم، ونحسب بعد ذلك كلّه أننّا نحسن صنعا .. وما أبعدنا عن ذلك

ولهذا الكلام صلة ..
 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم