English

 

السبت. يناير. 1, 2000

ثقافة وفن » ميديا

 

البطل في المسلسلات المصرية!

أحمد محفوظ

قدم التليفزيون المصري مؤخرًا سلسلة من التمثيليات التلفزيونية التي اجتمع حولها الملايين في العالم، وربح التلفزيون من وراء إنتاجها وعرضها على الفضائيات خلال شهر رمضان فقط، ما يقرب من نصف مليار دولار!
ومع ذلك تبقى المشكلة الجديرة بالنظر وهي نموذج البطل الذي تقدمه المسلسلات المصرية، وهو الذي يتبناه الشباب سلبًا وإيجابًا، وعيًا أو بدون وعي، ليخلق صورة جديدة للناجح وفق قيم عصر نحن يقينًا غرباء عنه، نحن فقط نحاول أن نحدد هنا ملامح البطل في المسلسل تاركين الحكم لكم.
أم كلثوم
هو المسلسل الذي حاز أكبر نسبة مشاهدة وأعلى أصوات في الاستفتاء الذي أجراه موقعنا islam-online.net وتحولت أم كلثوم المطربة والنجمة إلى قديسة يسعى
11

 الجميع لتعداد بركاتها ومآثرها في "مولد أم كلثوم" الذي نصبه لنا التلفزيون.
كانت أم كلثوم بالنسبة للناس دائمًا هرمًا رابعًا أو كوكبًا من الكواكب، أو حالة وجدانية خاصة تستطيع أن تأخذ من يسمعها في حالة وجد وسباحة في عالم شفاف أو عالم مثالي، ولما كانت هذه هي أم كلثوم دائما بالنسبة للناس فقد أصبحت يومًا بعد يوم كنجمة من نجمات الأساطير التي يُحكي عنها في الروايات، واكتسبت هالة من المثالية والأسطورية، وربما عند بعض الناس هالة القداسة، على الأقل على مستوى الفن والغناء!!
ولعل هذا هو المدخل الأول لنجاح مسلسل أم كلثوم، إنه اليوم يقدم لنا الأسطورة ويرضي شغفنا وفضولنا؛ لنعرف دقائق حياة تلك الشخصية غير العادية.
لقد كانت أم كلثوم نفسها حريصة دائمًا على ألا تهتز صورتها عند الجمهور، وأن تحتفظ بتلك الهالة القدسية حولها، ويذكر أنها ذات مرة أعطت الكاتبة "حُسن شاه" في مقتبل حياتها العملية إذنًا بأن تكتب عنها، وتحتك بها عن قرب لإعجاب أم كلثوم بها حتى كتبت "حسن شاه" في أحد مقالاتها عن حب أم كلثوم للملوخية، فثارت ثائرة أم كلثوم وغضبت منها بشدة بحجة أن الناس لا بد أن يروا الفنان دائمًا في هذه الصورة الجميلة حتى يكون مؤثرًا فيهم!
ومن هذا يبدو أن المسلسل كان بداية لإرواء عطش الجمهور الذي يريد أن يعرف تفاصيل حياة تلك المرأة التي أثرت في وجدانه، والتي ترتبط أغانيها عنده بذكرى ما.
كل ذلك الكم الهائل من التفاصيل والشخصيات والتاريخ الذي ورد في المسلسل كان يمكن أن يجرف الكاتب السيناريست "محفوظ عبد الرحمن" إلى منطقة غاية في الخطورة ألا وهي منطقة السرد التاريخي أو التوثيقي، وهذا التوثيق ليس عيبًا في حد ذاته، ولكننا هنا بصدد عمل درامي ومن هنا تجلت خاصية من الخواص التي تمتع بها "محفوظ عبد الرحمن" وهي أنه استطاع جمع كل هذه المواد والتواريخ والموثقات، واستطاع أن يضعها في قالب درامي حي وليس في قوالب جامدة.
فالشخصيات عنده لا تؤدي دورها التاريخي المعروف عنها، وإنما تؤدي دورها الإنساني في العمل الدرامي؛ فهي ليست دمى يحركها الكاتب أو يسرد على لسانها ما يريد سرده؛ إنما هي لحم ودم تتحرك وتتفاعل، وتحزن وتفرح، ولأسباب واقعية ومقنعة، ومن هنا كان هناك أسلوب يحبه المشاهد، وهو أن يشاهد حدوتة فيها أحداث ومواقف وشخصيات، وأعتقد أن الكاتب استطاع أن يحكي التاريخ الذي يريد سرده في حدوتة ظريفة وبشكل شيق، مما ضاعف من صنع الأسطورة وتحويل أم كلثوم المطربة الموهوبة إلى صنم يلتمس البعض القرب منه!

لمَّا التعلب فات
القصة لـ"أسامة أنور عكاشة" تتناول حياة "نديم بهنس" أكبر تاجر تحف في منطقة الشرق الأوسط، متذوق ممتاز للفن التشكيلي لديه أكبر "جاليري" في

 العاصمة حتى أنه هو وصديقه مكرم (عبد الرحمن أبو زهرة) يكوِّنان ظاهرة فنية خاصة من نوعها.
عندما يكشف الستار عن حقيقة كل منهما نجد أنهما ليسا أكثر من نصابين استخدما قدرتهما الفنية في ابتزاز بسطاء الثقافة على مدار سنوات طويلة، ولم تفلح تلك النزعة الفنية في جعلها يقدمان للمجتمع الذي ينتميان إليه ما يفيده، هذا فضلاً عن أنهما في حياتهما الخاصة كانا نصابين أيضا. تزوجا أحدهما ثم ترك ما أنجب في عرض الطريق؛ منشغلا في المضي فيما خطط له؛ حتى إذا تحقق له ما أراده من جمع الثورة الهائلة والشهرة؛ تزوج مرة ثانية مع الوضع في الاعتبار نسيان الزيجة الأولى، وتجاهل أفراد أسرته القديمة تمامًا كما تجاهل مجتمعه وما يمكن أن يقدمه له من إفادة.

سامحوني ما كانش قصدي
وهو للكاتب "يسري الجندي" والذي قد سبق له تقديم نفس العمل في رمضان قبل الماضي للإذاعة.. البطل هو مرزوق أبو الحسن (ممدوح عبد العليم) أحد سكان

 رَبْع -حوش يضم عددًا من المقابر- استطاع بذكائه اختراق أوساط وحوش المال والأعمال، والبورصة، وتمكن من أن يعقد صفقة اقتصادية واجتماعية ناجحة مع "جلنارهانم بشتك" (إلهام شاهين) تبدأ بزواجهما وتنتهي بتنكر مرزوق لهذا المجتمع شديد الرقي، ولأفكاره المتوحشة عن آليات السوق، التي لا تطحن إلا الفقراء، ورغبة منه في إفادة مجتمعه؛ يحاول خلق العالم المثالي فيعود إلى الربع حيث بائع جثث الموتى الحانوتي "جاب الله" (يوسف داود)، لص المواصلات "حلبة القشاط" (محمود الجندي) وشلة العوالم، والشاب المشعوذ الذي ترك كلية الطب مقتنعًا بالدجل..إلخ، هؤلاء لدى مؤلف المسلسل هم العالم المثالي لأستاذ الجامعة ورائد الاقتصاد الذي ينهار السوق العالمي بانسحابه ليتجه إلى المقابر حيث معركته الحقيقية، ولا تشفع مؤهلاته، ولا قدراته العلمية أن تدله على المجتمع الحقيقي الذي ينبغي أن يقدم يد العون له.. الأسوياء من البشر. واقع اجتماعي أكثر اهتزاز من المسلسل السابق، فالبطل يترك زوجته طوال العمل معلقة لا هي بالمتزوجة ولا هي بالمطلقة، علاقات مشبوهة بين سكان الرَبْع، وبعضهم يتساوى في ذلك الجاهل وغيره.

الرجل الآخر
حظى هذا العمل بالتحديد على قدر كبير من المشاهدين لنجومية بطله "نور الشريف" لتعدد عرضه على الفضائيات المصرية، والكويتية، ودبي وغيرها،

 "مختار العزيزي" هذه المرة بطل قصة لمؤلف شاب يدعي "مجدي صابر" اقتبس على مسرحية "جون أنوي" تحت اسم "مسافر بلا متاع" ليقدمها في هذا العمل دون أدنى إشارة، بالتالي من السهل تتبع الفجوات في العمل الدرامي عبر عملية توفيق بين المسرحية في صورتها الأولى المقدمة لمجتمع غربي في فترة زمنية قديمة، إلى مسلسل عربي يناسب الزمن الحديث.
مختار العزيزي الشاب الذي استطاع أن يصل لأعلى المناصب في إحدى شركات القطاع العام، يتنكر لقيم مجتمعه ويغرق نفسه في بطانة السوء من المحامي الكبير، إلى مديرة البنك ليتفرغ لنهب أموال الشركة، وتحقيق أكبر قدر من الرشاوى والصعود لأعلى مهما كلفه ذلك من ثمن، وحينها يفقد الذاكرة فيعاني من غربته عن جميع المحيطين به، الذين تعودوا عليه أبًا رائعًا وزوجًا نقيًا، الصورة الرائعة في نفس الوقت لإنسان انتهازي الوصول، وهكذا يعاني طيلة ثلاث وثلاثين حلقة عدم قدرة على تواصل مع أحد من أفراد مجتمعه القديم عدا ابنته العاجزة عن تقدم العون له، يضطر في النهاية للاعتراف بكل ذنوبه، والهبوط إلى مجتمع آخر رأى المؤلف أنه أكثر نقاء، مجتمع لا يختلف في كثير عن واقع مجتمع المسلسل السابق "سامحوني"..مجتمع صاحبة المقهى!.

جسر الخطر
آخر الأعمال التي نتناولها للمؤلف "محمد صفاء عامر"، حيث "كامل الإسناوي" (صلاح السعدني)، رجل الأعمال، وعضو مجلس الشعب الذي يتصدى لفساد بعض الوصوليين في المجتمع متناسيًا أنه في بداية حياته كان زوجًا فاشلاً اضطر للتغرير بابنة مخدومه، حتى تزوجها لينجب منها و يهرب بنفسه تاركًا ابنته للمقادير حتى إذا ما حاول أن يكون الفارس المطهر لمجتمعه؛ ذكَّره الفاسدون بما فيه من عيوب، وهكذا تمضي جميع حلقات المسلسل.. الأغنياء ذوو المناصب لا يفلح معهم شئ كي يكفوا عن النهب والقتل والتشريد، ورجل السياسة ممثل الجماهير لا يستطيع التصدي لهم خوفًا من ماضيه، والكل يتساوى في الثقافة العالية وأيضا خسة الأفعال تجاه المجتمع سواء في ماضيه أو حاضره.
تبقى كلمة
نديم بهنسي "لما التعلب فات"، مرزوق أبو الحسن "سامحوني ماكنش قصدي"، مختار العزيزي "الرجل الآخر"، كامل الإسناوي "جسر الخطر"، هم على الترتيب يمثلون ثقافيًا: الفنان الذواقة الموهوب، عالم الاقتصاد أستاذ الجامعة ورجل السوق الفذ، رئيس إحدى كبريات شركات المال والأعمال، وأخيرًا رجل المال وعضو مجلس الشعب، هم جميعا لا تفلح ثقافتهم المتميزة، ولا مناصبهم البالغة الأهمية في جعلهم أكثر قدرة على إفادة مجتمعهم العام، أو حتى تجنيب أسرهم مغبة أعمالهم غير المتزنة، فهل صار واقع مجتمعنا بالفعل كذلك؟‍‍!. وهل الأبطال الأربعة لأبرز مسلسلات رمضان هم في الحقيقة يعبرون عن نبض الجماهير، ويمثلون واقع مجتمعاتهم؟‍!
 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم