|
"طاروا التماسيح على بساط الريح
زرعوا بطاطا..حصدوا بطيخ
قبضوا فراطة…فوق المريخ
معليش معليش..لا تُقلُن ليش
تُركُن بحالن..عيلة دراويش.طالعلن ريش"!!!!
هذه بعض كلمات الشارة الغنائية، التي تبدأ بها كل حلقة من مسلسل "عيلة ست نجوم" والذي بدأت العديد من الفضائيات إعادة عرضه للمرة الثانية أو الثالثة خلال هذه الدورة التلفزيونية، والمسلسل السوري الموصوف بـ "الفكاهي الاجتماعي" من تأليف ممدوح حمادة وإخراج هشام شربتجي وإنتاج شركة الشام الدولية، وقد أشرف على الإنتاج أيمن زيدان،وهو نفس الممثل السوري المعروف في مسلسل "أخوة التراب"، ومدير عام "جميل وهناء"، و أود أن أوجه له سؤالا مُلحًا، كيف رضي لنفسه ولوطنه ولجمهوره، فأشرف على إنتاج هذا الشيء الذي يمكننا أن ننعته بأية صفة إلا العمل الفني، فهو أقرب ما يكون إلى مؤامرة ضد الشعب السوري منه للمسلسلات التلفزيونية!! وإنني والحق يقال.. قد أرغمت نفسي إرغامًا، على الجلوس أمام جهاز التلفزيون لمراقبة سير أحداث هذا المسلسل كي لا أغمطه حقه لدى الكتابة عنه، وهو الذي سد علينا منافذ التنفس خلال عام كامل، فما يكاد المرء يضغط على رقم قناة عربية في جهاز التحكم عن بعد، حتى يفاجأ ببشر ليسوا من بني البشر يتقافزون في وجهه كالقرود، يأتون بحركات قبيحة، راسمين على وجوههم تعابير مغرقة في الاستغباء المخلوط بتظرف ممجوج قذر مرفوض، وأحداث هوجاء سخيفة، تجري في استوديو يكاد يكون هو ذات الاستوديو المغلق بأثاثه وديكوراته، والذي صُور فيه مسلسل "جميل وهناء" الذي أظن أنه هو الذي فتح في حينه الباب على مصراعيه لمثل هذه المسلسلات، مسلسلات القمامة، مع فارق كبير جدًا في جودة الإخراج، وانتقاء اللغة والمفردات، وسلامة الذوق العام، وإبراز ثقافة الأناقة الحديثة المتناسقة في المكان والملبس والسلوكيات اليومية للأفراد الذين كانوا يتحركون على مسرح أحداث "جميل وهناء" الذي كان من وجهة نظري على الأقل المسلسل الأول من نوعه، والذي نسف تمامًا أبسط ما تعارف عليه المجتمع السوري من قواعد سلوكية أخلاقية، لا يختلف عليها اثنان من بني البشر الأسوياء، فمن هذا الذي يرضى في سوريا أو حتى في شيكاغو أن تغازل زوجته على مسمع ومرأى منه؟!! وهل يعقل أن يرضى رجل عربي سوري أو حتى يهودي ألماني أن ينتهك مُضيف حرمة ضيفَه في بيته، فيلاحقها بالنظرات والكلام والتراقص والتخنث؟!! إنه ما من عاقل على وجه الأرض وفي كامل قواه العقلية ومن أي دين أو جنسية أو قومية في عالمنا هذا يمكنه أن يرضى بمثل الذي عرضه علينا مسلسل "جميل وهناء"، من خرق لأبسط القواعد الأخلاقية والرجولة والمروءة، وذلك في إطار من الفكاهة اللطيفة المنبعثة من أعماق النسيج الاجتماعي السوري، ومن قدرة ممتازة للممثلين المشاركين في هذا المسلسل على إجادة أدوارهم في عفوية ودقة ومهارة، ولكن مسلسل "جميل وهناء" لم يسقط إلى هذه الدرجة من العبثية وسوء الاختيار وتسميم الذوق العام، مما كان قد سقط فيه مسلسل عيلة ست أو سبع أو ثمان نجوم، وإن كان كلا المسلسلين يشتركان في خلوهما من الفكر.
فالمراقب للمسلسلات الأجنبية -التي ربما أراد هذان المسلسلان السير على نهجها- يجدها تتوجه في فكر واضح، وتريد أن تزرع قناعات جلية، وتكرس لدى الناس سلوكيات ثابتة عامة، وأخلاقيات إنسانية رفيعة المستوى، كمسلسل بيل كوسبي، الطبيب الأسود الشهير، أو مسلسل آباء غصبًا عنهم، وغيرها من المسلسلات الفكاهية الاجتماعية التي تحفز الناس لاتباع سلوكيات إنسانية موجهة، أو تعلمهم فن معاملة أطفالهم، أو التفاهم مع كبار السن أو ما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الزوجين، أو كيف يمكن للأسرة أن تعيش في ظل الانفصال والطلاق بشكل حضاري سوي، أو تعلمهم كيفية احترام الطبيعة، أو التعامل مع المرضى، أو مدمني المخدرات، أما أن يؤلف ويخرج وينتج مسلسل ومسلسلات الهدف منها الضحك، والضحك القذر الرخيص، بحيث يظن البعض -وأنا منهم- أن الهدف لم يكن إلا تمييع أسس العلاقات الإنسانية في مجتمعاتنا المتآكلة أصلاً، وضرب قواعد الأخلاقيات إلى درجة الاستهتار بها، وتشويه صورة المواطن السوري أمام الرأي العام العربي، إلى درجة اعتبرت فيها هذا النوع من المسلسلات عارًا وطنيًّا، وعجبت أن تقوم قنوات عربية محترمة بشرائها وعرضها، بل وبإعادة عرضها المرة تلو المرة، على المشاهدين الذين لا أدري كيف تقبلوا مثل هذه الأشياء، وإنه إن كانت نسبة الإقبال عليها مرتفعة، فلا أشك في أننا أمة في حالة-ربما- لا يرجى معها شفاء من أمراضها!!
إذ كيف يمكن لشعب يتمتع بأدنى درجات الحس الذوقي والثقافي أن يتقبل أساليب الحوار السخيفة المموجة هذه، وقواعد السلوك المتبعة بين الممثلين التي تعتمد على السباب والشتائم والضرب والجذب والدفع وشدّ الشعر، وبثّ ثقافة الاستغفال في سبيل التهريج، بحيث يعتاد الأولاد على تمطيط الكلام، وتقعيره وقلبه واستعمال الأصوات الحلقية الشاذة والقبيحة فيه، والتلاعب بحركات الوجوه المقززة لإثارة الضحك لدى الآخرين، وهذا وحده سبب كافٍ لوقف بث مثل هذه الأعمال التي لم تنتج أصلا إلا في غفلة من الرقابة الأدبية، وقد بحت أصواتنا، ونحن ندعو إلى رفع الرقابة السياسية عن الأعمال الأدبية والفنية ولكن والحال هذه فإننا أصبحنا في وضع لا نحسد عليه، من التضييق على مجال الفكر والحقيقة، والتوسيع في مجالات الهزل والتشويه، وإنتاج مسلسلات القمامة، التي لا يمكن لامرئ يحترم نفسه وعقله وأسرته أن يسمح لها بالتسلل إلى بيته عن طريق الفضائيات التي يمكن لكل واحد فينا أن يجد فيها بدائل كثيرة عن هذا الغث من تعبئة الفراغات التلفزيونية، وملء جيوب المنتجين والذي يمكن أن يسمى أي شيء، إلا أن يُدعى فنًا!!
|