|
كلما جاءت سيرته تزْرَقُّ العيون وتتطاير خصلات الشعر، وتتراجع الملابس لما بعد الانحسار، ومع الفيديو كليب يصبح المشاهدون للقنوات الفضائية والمحلية العربية كلهم أغراب يرتدون قبعات الكاوبوي!.
أخطر ما في الفيديو كليب ليس فقط العرى والرقص على الفاضي والمليان، لكن أيضًا تمرير نمط الحياة الغربي، وإحلال نسق قيم غريب عنا محل نسق قيمنا الأصلي، دون أن ندري وعن طريق التسريب عبر الصورة.
وبالتحديد في السنوات الأربع الأخيرة تزايد الاهتمام من جميع القنوات الفضائية والأرضية بالأغاني المصورة، وهو ما يطلق عليه الفيديو كليب Video Clips لأمر الذي أدى إلى الاهتمام الزائد من قبل منتجي الكاسيت والمطربين أنفسهم بعمل الكثير من الفيديو كليب كي يلاحقوا حركة الطلب الدائم من المحطات، ولاشك أن ذلك أثَّر تأثيرًا كبيرًا في طبيعة إنتاج هذا النوع من المنتج المرئي، فكثرة الطلب وشدة التنافس بين المحطات لإذاعة أكبر كم من هذا النوع (حتى إن بعض المحطات خصصت قنوات خاصة للفيديو كليب تأسيًّا بالمحطات الأوروبية) جعلت هناك نوع من النَّهَم عند المطربين كي يحظَى بأكبر كم من إنتاج أغاني مصورة ليس هذا فحسب، بل أكبر عدد من مرات الإذاعة لكل أغنية على حدة.
والفيديو كليب أساسًا بدأه الغرب أواخر السبعينات، وقد بدأ بالتصوير لأغاني الفرق الشهيرة على المسرح وفي العروض العامة، ثم ما لبث أن بدأ يُصَوَّر له خصيصًا ولكن كانت الفكرة أساسًا في تصويره تعتمد على الـ Clips أو اللقطات المبعثرة المفككة، والتي يتم تركيبها مع بعضها البعض عن طريق المونتاج، وفي هذه اللحظة فقط تتخذ تلك اللقطات المبعثرة - والتي يمكن ألا يكون لها علاقة بموضوع كلمات الأغاني ولكن تركيبها في هذا النسق مضافًا بالطبع له شريط الصوت الخاص بالأغنية - تتخذ هذه اللقطات عندها المعنى الذي يمكن أيضا أن يفهم كل مُشاهِد بشكل قد يكون مختلف عن فهم مُشاهِد آخر له.
كما أن هناك شيئًا آخر مهم، وهو أننا نقلنا هذا الشكل الغربي بكل محتواه، وفي بعض الأحيان بمضامينه البصرية والتي قد لا تتفق لا مع مضمون الأغنية ولا مع تراثنا البصري وموروثنا الحضاري.
فيما ترى أن المعاني بحب المرأة أو بهرجها، وإقران ذلك بصورة المرأة التي تتمايل مع نغمات الأغنية حتى لو كانت حزينة، والبنات اللاتي يرقصن في كل لقطات الأغنية واللاتي يُسْتَخْدمن إما كي يؤكدن عند جمهور المراهقين والمراهقات الصورة الذهنية للمطرب، مثل أغنية قولي أحبك لكاظم الساهر أو لعمل حالة من التكوينات البصرية مثل أغنية تعالي لي لخالد عجاج، كل ذلك نتيجة التنقل المباشر من هذه النوعيات الغربية من الأغاني ناهيك عن الملابس وطريقة المكياج وقصات الشعر الغربية مثل أغنية وعدي لمدحت صالح.
والحقيقة إن مسألة الفيديو كليب ذات خطورة كبيرة على طبيعة العمل الموسيقي المسموع، فالموسيقى أساسًا فنٌّ مجرد تثير أحاسيس متباينة عند كل شخص، بل أفكار وتخيلات مختلفة من فرد لآخر يستمعون لنفس العمل الموسيقي والأغنية والتي أعني بها الكلام المكتوب تضفي تجسيدًا وتجديدًا لتلك الانفعالات أو الأحاسيس المجردة من سماع الموسيقى، وهنا تأخذ الموسيقى بعدًا جديدًا لها، ولكن مع ذلك تبقى الأغنية ولاتزال تتمتع بقدر عالٍ من التجريد والمرونة، فيما تثيره من أحاسيس ومشاعر مختلفة من فرد لآخر، وفيما تنقله أيضًا من أفكار محمولة ومتضمنة في كلمات الأغنية.
وهنا بيت القصيد إذ يأتي تصوير الأغنية في لقطات ومشاهد ليُضْفِي تحديدًا وتجسيدًا أكثر للأغنية، فإما أن يستطيع مخرج الأغنية التعامل معها ليزيدها اتساعًا في المعاني أو يضيق من معانيها حتى إنها قد لا تتعدى إطار الشاشة، وتدليلاً على ذلك نأخذ مثالاً لمطرب معروف استطاع أن يصنع لنفسه أسلوبًا خاصًّا في الغناء، وأيضا في اختيار موضوعات أغانيه وهو المطرب محمد فؤاد.
فلمحمد فؤاد أغنيتان لعلهما الأشهر بين أغانيه في الفترة السابقة، الأغنية الأولى الحب الحقيقي، وأغنية أنا لو حبيبك، الأغنية الأولى تتحدث في كلماتها عن المعنى الحقيقي للحب، وكيف أنه يجعل الإنسان متسامحًا يغفر الجحود لمن يحب، ويجعل الإنسان يتقلى الحلو من أيامه حتى وإن كان فيها مرارة.
أول شيء صنعه محمد فؤاد واعتقد أنه صاحب الرؤية حتى في إخراج الأغنية المصورة نفسها أنه استبدل أصوات الكورال بأصوات كورال من الأطفال.
ثم جاءت بعد ذلك تصوير الأغنية حول مدرس الموسيقى بأحد المدارس في حجرة الموسيقى، وهو على البيانو يعزف ويعلم الأولاد والأطفال الصغار حوله معنى الحب الحقيقي، وهم يرددون وراءه مقاطع الأغنية، ثم ما يلبث أن تتحول الشاشة في هذا الجو الطفولي ذو الخيال الواسع من هذا الفصل الضيق ذو الجدران المحددة إلى حديقة خضراء واسعة الأفق غير محددة بسياج أو حتى بحدود طبيعية، وهنا ينطلق الأولاد مع أستاذهم الذي يشاركهم اللعب، وهو يحكي لهم معالم الحب الحقيقي، وهم يرددون خلفه ثم يرقصون كلهم في شكل قلبي كبير في لقطة من زاوية مرتفعة توضح هذا القلب وهو على بيانو أبيض يكمل لهم معاني الحب الحقيقي.
وأرى هنا أن الصورة خدمت المعنى الذي يريده صانعو العمل أن يوصلوه لنا وهو أن معاني الحب الحقيقي غير محددة، ولا يمكن أن يقتصر الحب في الدنيا على حب الرجل للمرأة، وإن كان متضمنًا ضمن معاني الحب الكثيرة التي لم يهتم كاتب الكلمات بسردها، وإنما عمل أيضًا على تجريدها حتى يفتح أفق واسع لكل الناس المستمعين والمشاهدين لكي يدخلوا الكثير من أنواع الحب في إطار الحب الحقيقي.
استخدام الأطفال أيضًا قَوَّى معنى الأغنية، وقد ذكرنا هنا أنه استخدمهم أيضًا في شرط الصوت، وبذلك قوى معاني الأغنية عند الجمهور على الرغم من بساطتها التكتيكية المصنوعة بها.
أيضًا أماكن التصوير وفكرة التحول من جدران الفصل الضيق المحدود إلى مكان واسع مفتوح لا يحد حدود مثل الحب الحقيقي اللامحدود، وأيضًا لون الخضرة والأولاد يجرون ويلعبون فيه، وما يمثله من الكثير من أنه لون الخير والنماء.
ومن هنا يتضح لنا كيف عمل صانعو الأغنية الفيلم على تجسيد معنى الأغنية هنا، فالصورة ليست مجرد ترجمة لكلمات الأغنية أو ترجمة للأحاسيس التي تثيرها الموسيقى حزن أم تعب، ولكن يمكن أن تكون الصورة وحدها عكس كلمات الأغنية ولكن وضعها في هذا النسق مع شريط الصوت يمكن أن يعطي دلالة أخرى أو معنى جديدًا.
الأغنية الثانية هي أنا لو حبيبك لنفس المطرب، وهنا أيضًا هو صاحب الرؤية السينمائية.
أب وأمّ واضح أنهما في خلاف تستحيل معه الحياة، ولهما ابنهما الوحيد الذي يستاء في تعبيراته من تلك الخلافات، حتى يقرّر الأب الحبيب للولد أن يتركه وأمه ويسافر خارج البلاد، فيتأثر الولد تأثرًا شديدًا، ويلاحظ عليه زملاؤه في المدرسة ذلك الحزن ويعلمون ما حدث لأبويه، فيقوم أحد أصدقائه بعمل نداء على الكمبيوتر، ويطبعه ويوزعه على كل الأصحاب في المدرسة، ويصل إلى أولياء أمورهم وإلى المدرسين، ويقوم جميع الأولاد بركوب أتوبيسات المدرسة ذاهبين إلى المطار، ويقفون أمام الأب المسافر لكي يمنعوه من ركوب الطائرة، والذي يعود سريعًا إلى ابنه محتضنًا إياه وحولهما كل أصحاب الولد هذه هي حدوتة الأغنية المصورة.
هنا يحدث العكس تمامًا في تأثير الأغنية المصورة على الجمهور، فالأغنية الصوت وحدها حظيت بإعجاب الكثير من الجمهور، بل ولعلها أخذت مراكز متقدمة في الاستفتاءات التي تجري على الأغنيات من آن لآخر، ولكن أتى الفيديو كليب ليحجم ويضيق معاني الأغنية الواسعة الأفق ليحدد معانيها في حدوتة أعتقد أنها مكررة، وقد لا تهم عددًا كبيرًا من المشاهدين.
لقد وضع صانعو الأغنية أنفسهم في ركن ضيق، حيث جعلوا الأغنية تأخذ بُعدًا ميللودراميًا وحدّدها في علاقة متوترة بين رجل وزوجته وتأثر ابنهما الوحيد لهذه العلاقة.
ويبقي الفيديو كليب بعداً ثالثًا للصورة؛ إما أن يفسد ثقافة المجتمع بأشكال اغترابية أو يوسِّع من المعاني في أفق الخيال فيُثْري الأغنية ويحافظ على الثقافة السائدة.
|